علي هامش مؤتمر القمة العربية بالجزائر 2022

الاعلامي/ يوحنا عزمي

طالب كل من الرئيس التونسي قيس سعيد والرئيس الجزائري 

عبد المجيد تبون والأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيط 

في الجلسة الافتتاحية للقمة العربية المنعقدة بالجزائر بمنح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الامم المتحدة ، وهو ما لا اعتقد أنه سوف يتم مع استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو او النقض لوقف هذا الاجراء من البداية .. وهو حق يمنحه ميثاق الأمم المتحدة للاعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي عند النظر 

في طلبات الانضمام إلى عضوية المنظمة العالمية ..

ولا اعرف كيف فاتهم جميعا ان الولايات المتحدة تحت الضغط الإسرائيلي عليها سوف تحبط هذه المحاولة بلا تردد بذريعة أنه سيكون من السابق لأوانه النظر في مثل هذا الطلب الفلسطيني دون ان يسبقه الاتفاق بصورة نهائية علي تنفيذ حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، وهو امر يكاد يكون في حكم المستحيل مع اجماع كافة الاحزب السياسية الإسرائيلية وبخاصة الأحزاب اليمينية المتشددة علي عدم السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة لما سوف تشكله من خطورة علي أمن إسرائيل هذه محاولة محكوم عليها بالفشل حتي من قبل ان تبدأ .. ولم يكن ثمة ما يدعو لجعلها محور هذه الجلسة الافتتاحية التي بدات وانتهت بلا أيه معالم واضحة لها.

لم الشمل العربي لن يتحقق بمجرد رفع شعارات تبدو براقة ومبهرة كعنوان لها .. قمة عربية غاب عنها عدد من الملوك والرؤساء ممن كان يجب ان يكونوا حاضرين فيها بانفسهم وليس بمن نابوا عنهم فيها. قمة سوف تذهب بعد ساعات قليلة إلي حالها ، ويعود الرؤساء المشاركون فيها إلي عواصم بلادهم ، وليرجع الحال بعدها إلي ما كان عليه او ربما لما هو اسوأ منه تبعا لمتغيرات الظروف ..

اسباب أزمة العلاقات العربية والعمل العربي المشترك ، اعمق في جذورها واعقد في تشابكاتها مما تنحو قمة الجزائر إلي تصويره وكأننا امام أزمة علاقات عابرة سوف تنتهي بانقضاء هذه القمة 

التي جاءت بعد ثلاث سنوات من التوقف ، وكأنها جادت معها بعصا سحرية لم تتوفر لغيرها من القمم العربية السابقة عليها.

فما استمعنا إليه بالأمس في خطابي الرئيسين التونسي والجزائري وفي بيان الأمين العام للجامعة العربية ، هو ترديد لما هو معلوم للرأي العام العربي كله من مشكلات وصراعات وازمات محلية وعربية واقليمية ودولية بكل نواتجها وافرازاتها ومضاعفاتها.

اما عن طبيعة الحلول المقترحة للتعامل معها لاحتوائها وكبح جماحها والانطلاق منها إلي تهيئة مناخ عربي جديد يساعد علي اختراق هذا الوضع المتدهور ولم الشمل لتحقق قمة الجزائر الهدف الإستراتيجي الذي عقدت من اجله ، فهذا هو ما لم نسمع شيئا عنه فالمجهود انحصر كله في التشخيص اكثر منه في التوصل إلي صيغة علاج لامراض السياسة العربية المزمنة.

واكيد سوف يصدر البيان الختامي لهذه القمة حافلا بالتمنيات الطيبة ومبشرا بعهد جديد من العلاقات العربية تصفو فيه الاجواء وتعتدل المسارات وتتكاتف الجهود ، دون ان يعقب ذلك تغيير إيجابي ملموس علي أرض الواقع.

وتبقي لنا كلمة اخيرة ، وهي أنه لا شيئ يتغير من تلقاء نفسه ولا بالتعويل علي عامل الزمن وحده ، وانما يتغير الحال إلي الافضل بالفكر الواقعي المستنير ، والإرادة الجادة ، وبالعمل الجماعي الدءوب الذي لا يعرف الكلل ولا اليأس ، وقبل هذا كله بالنوايا الصادقة وبالتصميم علي تحدي الصعاب … ووقتها سوف نكون امام مشروع لم شمل عربي حقيقي بالافعال وليس بالشعارات.

منذ زمن بعيد كنت اتصور لنفسي ان البيانات الختامية التي تصدر عن لقاءات القمة العربية تصدر علي ضوء ما يجري بين الملوك والرؤساء الحاضرين فيها من نقاشات وحوارات ومداولات حول مختلف القضايا المطروحة علي جدول اجتماعهم ، وانهم بقدر ما يحدث بينهم من اتفاق او اختلاف حولها ، سوف تاتي البيانات الختامية لتعبر عن واقع ما جري بينهم بامانة وصدق ، وان هذه 

هي الغاية مما حضروا من اجله حتي تكون شعَبهم علي دراية كافية بحقيقة الاجواء التي احاطت بانعقادها وسادت اعمالها وانتهت بها إلي النتائج التي تضمنها بيانها الختامي.

كان هذا تصوري إلي ان جاءني من يصحح لي مفهومي عنها 

من احد اصدقائي ممن كانوا علي اتصال وثيق باعمال هذه القمم العربية وبغيرها من لقاءات القادة والرؤساء ، موضحا لي ان هذه البيانات يتم اعدادها والاتفاق علي مضمونها وقراراتها، وبلورتها بالصيغة التي ستصدر عليها في الاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية حتي تكون جاهزة لاعلانها فور انفضاض القمة وانصراف القادة عائدين إلي دولهم ، فاعداد البيانات الختامية هو دور وزراء الخارجية وليس دور الرؤساء .. 

واجتماعاتهم ولقاءاتهم ببعضهم كرؤساء ، هم او من ينوبون عنهم في حضورها ، هي لقاءات بروتوكولية للشكل فقط ، لقاءات يكتفي فيها بالقائهم بعض الكلمات الافتتاحية العابرة بصورة عامة لا تنفذ إلي اعماق القضايا ، ولا تطرح افكارا او مبادرات معينة او مواقف محددة لدولهم من تلك القضايا ، تاركة هذه المهمة لوزراء الخارجية وحدهم .. 

وعلي قدر ما يجري بين هؤلاء الوزراء من نقاشات او من توافق علي تجنب الخوض في الحساسيات او من محاولات لتخفيف لهجة هذه البيانات الختامية لتحسين الانطباعات العربية والخارجية عنها ، تصدر هذه البيانات بالشكل الاعتيادي الذي نعرفه والذي ليس من الصعب علينا ان نتوقعه … 

فهذه البيانات تخرج بطبيعتها عن اطار ما يمكننا وصفه بدبلوماسية المكاشفة او المصارحة التي تضع النقاط علي الحروف ولا اعتقد ان قمة الجزائر الحالية سوف تاتي مغايرة لكل ما سبقها من لقاءات وتمخضت عنه من بيانات.

رحم الله قمما عربية غاب عنها الرئيس الليبي معمر القذافي 

وهو من كان يطلق للسانه العنان ، ويتحدث بعفوية شديدة 

وعلي سجيته بعيدا عن اللغة الدبلوماسية المنمقة او اللغة الدبلوماسية الحذرة والمتحفظة التي تكتفي بالتلميح دون 

التصريح وتجامل اكثر مما تنتقد وتعاتب وتداري اكثر مما تكشف عنه وتصارح ، ليقول كلاما لا يجرؤ عليه غيره من القادة والرؤساء العرب ، كلاما يفيض بالسخرية والتهكم علي كافة الاوضاع العربية ومنتقدا لها غير عابئ بوقعها علي الموجودين ولا بتجاوزها لكل الخطوط الحمراء ، كلاما كان يضحك ويبكي في نفس الوقت لكنه في كل الاحوال لم يكن كلاما بعيدا عن الواقع حتي وان كان هذا هو اسلوبه في تصويره له او في عدم رضائه عنه.

رأيي أننا نعيش ملهاة سياسية كبرى وتمثيلية سخيفة لا نمل من تكرارها تسمى بالقمم العربية .. المشكلة أن المنطقة ليست بعيدة تماما عن الأحداث العالمية وستتعرض لرياح عاتية يمكن أن تقتلعها من الجذور في عالم يعاد تشكيله من جديد وإن لم يع العرب هذا فهم في خطر داهم حقيقي .. المنطقة العربية في قلب الحدث .. إذن الوضع لا يحتمل هذه السخافات فإما أن نكون أولا نكون .. 

أستغرب جدا : هل بات مجرد ارتباط بعضنا البعض أكثر من ارتباطنا بالبعيد أضغاث أحلام ؟! .. من أسف يبدو هذا مع أن الجميع يعلم أنها أصبحت مسألة حياة أو موت ! .. 

على كل مهم جدا أن نفرق بين الجامعة العربية ومعها هذه القمم الهذلية وفكرة العروبة ذاتها .. فالعروبة تعيش داخلنا وتسري فينا مسرى الدم ويستحيل أن نتبرأ منها .. ابحثوا عن أشياء أخرى أكثر فائدة أفضل من هذا العبث ..

سؤال : هل نحن في حاجة إلى صياغة جديدة لمفهوم القومية العربية ؟! .. الجواب : أعتقد ذلك.