علّمتني آية رسالة آية تهز القلوب وتُصلِح السرائر

علّمتني آيةرسالة آية تهز القلوب.وتُصلِح السرائر
بقلم ا. سبيله صبح
يقول الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
آيةٌ عظيمة، اهتزت لها قلوب الصحابة، وارتجت لها نفوس المؤمنين، لأنها تخاطب أعمق منطقة في الإنسان : منطقة السريرة والنية والخواطر التي لا يعلمها إلا الله.
هذه الآية ليست مجرد تذكير… بل هي ميزان حياة.
فالجميع في هذه الحياة يهتم بمظهره الخارجي، ويحاول جاهدًا الحفاظ على شكله أمام الجميع، فمهما كان خبيث النوايا تراه يتظاهر أمام الجميع بالإنسانية والرحمة، وهناك من تُطابق سريرته علانيته فتراه يحمل في داخله الرحمة وظاهره اللين والرفق، وهناك من لا يهتم بالناس فظاهره الشر وباطنه القسوة.
أولًا: ملكوت الله الشامل
افتتحت الآية الكريمة ببيان أن كل ما في السماوات والأرض إنما هو ملكٌ لله، لا يخرج شيء عن علمه، ولا يتحرك مقدار ذرة إلا بإذنه.
وإذا كان الكون كله مكشوفًا لربه، فكيف يُخفى عليه ما في قلب عبدٍ من نية أو خاطر أو هاجس؟
إنها رسالة تربية إيمانية تقول: تزوّد للقاء الله بالنوايا الطيبة ، فإنه يراك من الداخل كما يراك من الخارج.
ثانيًا: أن الله مطّلع على السرائر كما يطّلع على الجوارح
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾
أي سواء كان العمل ظاهرًا يراه الناس، أو باطنًا لا يعلمه إلا الله، فكله في علمه، وكله محاسب عليه.
وهذه من أعظم دلائل عدل الله:
فلا أحد يُحاسَب على الجسد دون القلب…
ولا على العمل دون النية…
لأن الله لا تخفى عليه خافية.
ثالثًا: الخاطرة تُكتب إذا استقرّت وصارت نية
أجمع العلماء أن الحساب الوارد في الآية ليس على الخاطر العابر الذي لا يستقر، وإنما على النية الراسخة، والقصد المبيّت، والعزم الذي يختاره الإنسان في قلبه.
أما الخواطر التي يكرهها العبد ويحاول جاهدًا البعد عنها، فهي مما يعفو الله عنه.” إِلَّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌ بِالإِيمَانِ”
فالله أرحم من أن يؤاخذ عبدًا بما لا يملك، ولكنّه يحاسبه بما أراده ومال إليه قلبه.
رابعًا: الآية تُعلمنا تزكية النفس
هذه الآية تُخرج الإنسان من الانشغال بالناس، ومن التكلّف في المظاهر، إلى مراقبة الله والاهتمام بنقاء القلب.
وتعلمنا ان التديّن الحقيقي ليس وجهًا جميلًا أمام الناس، بل قلبًا نقيًا بين يدي الله.
وما أجمل قول بعض السلف:
“أصلح سريرتك يصلح الله علانيتك.”
خامسًا: بين الخوف والرجاء
الآية ختمت بقول الله تعالى:
﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾
فهي تفتح باب الرهبة… وتفتح معه باب الرحمة.
تعلمك أن تخاف من سوء النيّة، لكنك تطمع في سعة مغفرة الله، فهو أرحم الراحمين.
خاتمة
هذه الآية العظيمة تعلّمنا أن الدين ليس شكليات تُرى، بل أعماق تُراقَب، وسريرة لابد وأن تكون نقية خالصة لله.
وأن صلاح القلب مقدّم على صلاح الجسد، وأن النية الصادقة قد ترفع العبد درجات، بينما النية الفاسدة قد تردّه ولو كان عمله ظاهرًا حسنًا، ففي الحديث الشريف يقول رسول الله ﷺ:
«ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»
إنها آية تجعل الإنسان يعيش مراقبًا لله عزوجل في سره وعلانيته، لا في الظاهر فقط ، وفي صدق لا في تصنع، ويؤمن أن الطهارة الداخلية هي السبيل إلى رضوان الله.
اللهم نق سريرتنا وعلانيتنا واجعلنا لك كما تحب وترضى.



