عندما يصبح الإبداع عصيا

49

بقلم حسن غريب
لا يفلس المبدع أبدا، لأن روافده ثرية ثراء الشمس والأرض، فهناك على المستوى الداخلي، ذات المبدع، وهي عالم هائل يكفي المبدع حتى اللحظة الأخيرة، لأن عملية اكتشاف الذات، أو معرفة النفس تبقى لانهائية، فنحن نكتشف كثيرا لكننا لا نصل إلى الختام أبدا، لا وجود لمن عرف نفسه تماما، الذات نبع لا يعرف النضوب.
على المستوى الخارجي هنالك العالم المحيط والمتجدد، والذي لا يقل عمقا وثراء عن أي بحر متى وجدتْ العين التي ترصد واليد التي تصطاد.
الإبداع مثل الزراعة، لا ينبغي اختزالها في موسم الحصاد، بل لا بد من النظر إليها في إطار مراحل متكاملة تبدأ من استصلاح الأرض، وحرثها، ووضع البذور، ورعايتها حتى تكبر، وتثمر.
لحظة الإبداع هي موسم الحصاد، ولا ينبغي للمبدع أن يقيَّم نفسه بتلك اللحظة فقط، بل بجذورها التي تبدأ بحرث الأرض، و سقاية البذور، ورعايتها حتى تثمر، وكل تلك العمليات، تأتي من خلال عمل متواصل، يبدأ من طبيعة نظرتنا للإبداع وإيماننا به.
توقف المبدع مؤقتا وإن طالت الفترة، قد يكون طبيعيا أثناء نمو النبات. لا يمكن أن نطلب ثمرة من بذرة تفتحت منذ لحظات ولم تتحول إلى ساق وأغصان. كما يكون طبيعيا عندما نحصد محصولا صغيرا يناسب المساحة التي زرعناها، لا يعقل أن نطلب محصولا بلا نهاية من قيراط أو فدان.
المبدع لا يفلس أبدا، لكنه يصاب بالشلل حين يفقد المجرى الذي يصله بجذور وأغصان الإبداع، وذلك لأسباب كثيرة، منها الكسل، وعدم بذل الجهد الضروري، ومنها التشتت بسبب ضغوط الحياة ومتطلباتها، ومنها فتور الرغبة في الإبداع نتيجة إحباط، وما أكثر دواعي الإحباط في عالمنا العربي، أو نتيجة قصور في بناء المبدع يجعله يشبع سريعا ويغتر بما أنجزه وبالتالي تخمد رغبته في اكتشاف ذاته واكتشاف العالم ، الرغبة التي تنبع منها كل حياة سليمة.
عندما أنقطع عن الكتابة، أنظر إلى جذور الكتابة، فإن كانت حية نابضة، أدرك أن أوقاتي ثرية وأن الكتابة آتية لا محالة. فهي تتخلق في الرحم الغامض وعليَّ تغذيتها باستمرار.
جذور الكتابة هي القراءة والرصد والتأمل والسعي نحو اكتشاف الداخل والخارج، والعيش لأطول وقت ممكن بكينونتي كلها، عقلي ومشاعري وأحاسيسي وحدسي. ولا تهم تفاصيل ذلك العيش، فكل التفاصيل ثرية بمقدار ما نمنحها من روحنا وحرارتنا الداخلية، كل ذلك استعداد للكتابة التي لا تأتي من فراغ أبدا، وتفر سريعا إن لم تجد يدا تمسكها. وفي تقديري أن كل فترات توقفي، أو ضعف إنتاجي كمَّا أو كيفا كانت بسبب ضعف استعدادي، أو انعدامه أحيانا.