فارس الفرسان الحارث بن عباد

56

كتب وجدي نعمان

الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل (و.؟ – 550)، هو شاعر وفارس جاهلي شهير، من فحول شعراء الطبقة الثانية، وأمير بني ضبيعة. كان الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة من بني بكر (توفي سنة 74 ق. هـ. – 550 م) أحد سادات العرب وحكمائها، وشاعراً مقلاً ومجيداً، وفارساً لا يشق له غبار. اشتهر بالحكمة، والتوسط بين قومه بني بكر، وبين أبناء عمهم بني تغلب، وشهد مقتل كليب بن ربيعة التغلبي على يد جساس البكري عمرو بن مرة البكري، و اندلاع حرب البسوس بين تغلب وبكر، فاعزلها مع قبائل من بكر، لكنه سعى بين الطرفين المتصالحين بالصلح طوال فترة الحرب التي دامت أربعين عاماً.
 
وهو القائل: “هذا أمر لا ناقة لنا فيه ولا جمل”.
 
في شيخوخته كان له ابن وحيد يسمى بجير، أرسله إلى المهلهل بن ربيعة أخي كليب بن ربيعة ليحقن دم القبائل، ويصون ما تبقى من دماء الطرفين بعد أربعين عاماً من الحرب، فقتله المهلهل «بشسع نعل كليب»، ما جعل الحارث بن عباد يخرج عن اعتزاله الحرب، ويجمع الحرب لقتال المهلهل، والتقاه فكسر ظهره، وكان نظر الحارث بن عباد قد شح، فلم يعرف أنه المهلهل، فسأله ذاك الأمان، وأعطاه إياه، ثم عرفه بنفسه. وكانت حرب الحارث بن عباد آخر أمر حرب البسوس، وآخر أمر المهلهل بن ربيعة، بعدها عاش أواخر حياته هو وبنوه وسط قبيلته بكر هو وابناءه إلى آخر حياته.وبعد وفاته اندمج بنوه في ذرية معاز ” ماعز ” بن جساس بن مره والذين يعرفون اليوم بمسمى قبيلة بني عطية ( المعازه) الحالية .
حرب البسوس
كان الحارث بن عباد قد اعتزل حرب البسوس فلم يشهدها، فلما قُتل جساس وهمام ابنا مرة حمل ابنه بجيرا فلما حمله على الناقة كتب معه إلى مهلهل إنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثارك سوى ما قتلت من بكر وقد أرسلت ابني إليك فإما قتلته بأخيك وأصلحت بين الحيين وإما أطلقته وأصلحت ذات البين فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من كان بقاؤه خيرا لنا ولكم. فلما وقف على كتابه أخذ بجيرا فقتله وقال: «بل بشسع نعل كليب». فلما سمع أبوه بقتله ظن أنه قد قتله بأخيه ليصلح بين الحيين، فقال: «نعم القتيل قتيلا أصلح من بني وائل!»، فقيل له إنه قال «بل بشسع نعل كليب»، فغضب عند ذلك الحارث بن عباد وقال قصيدة النعامة المشهورة. فأتوه بفرسه النعامة ولم يكن في زمانها مثلها فركبها وولى أمر بكر وشهد حربهم وكان أول يوم شهده يوم قضة.
 
 
يوم تحلاق اللّمم
يوم تحلاق اللّمم (يوم قضة)، إنما سمّى بذلك لأن الحارث بن عباد لمّا تولّى الحرب قال لقومه: احملوا معكم نساءكم يكنّ من ورائكم، فإذا وجدن جريحا منهم قتلوه، وإذا وجدن جريحا منّا سقينه وأطعمنه، فقالوا: ومن أين يتميّز لهنّ؟ فقال: احلقوا رءوسكم لتمتازوا بذلك، ففعلوا، فسمّى به، فقال جحدر بن ضبيعة- وكان من شجعانهم-: اتركوا لمّتى وأقتل لكم أوّل فارس يقدمهم، فتركوه، وهو الذي قتل عمرا وعامرا التغلبيّان، طعن أحدهما بسنان رمحه، والآخر بزجّه، ثم صرع بعد ذلك، فلمّا رأته نساء بكر دون حلق ظنّوه من تغلب فأجهزوا عليه. وفى هذا اليوم أسر الحارث بن عباد المهلهل عدىّ بن ربيعة وهو لا يعرفه فقال له: دلّنى على عدىّ وأخلى عنك، فقال له عدىّ: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال نعم، قال فأنا عدىّ، فجزّ ناصيته وتركه وقال فيه:
 
لهفَ نفسي على عَدْيٍ ولمْ أعرف عديًا إذْ أمكَنَتْني اليدان
طُلَّ من طُلَّ في الحرب ولم يطلل قتيل أبأته ابن أبان
 
نهاية حرب البسوس
وكان الحارث آلى ألّا يصالح تغلبا حتى تكلّمه الأرض، فلمّا كثرت وقائعه في تغلب ورأت تغلب أنها ما تقوم له حفروا سربا تحت الأرض وأدخلوا فيه رجلا وقالوا له: إذا مرّ بك الحارث فغنّ بهذا البيت:
 
أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضنا حنانيكَ بعض الشر أهون من بعضِ
فلما مرّ الحارث اندفع الرجل وغنّى بالبيت، فقيل للحارث قد برّ بقسمك فابق بقيّة قومك، فأمسك، فاصطلحت بكر وتغلب.
من قصائده
مربط النعامة
كلُّ شيء مصيره للزوال
غير ربّي وصالح الأعمال
وترى الناسَ ينظرون جميعاً
ليس فيهم لذاك بعض احتيالِ
قل لأم الاغرّ تبكي بجيراً
حيل بين الرجال والاموالِ
ولعمري لا بكين بجيراً
ماأتى الما من رؤوس الجبالِ
لهف نفسي على بجير إذا ما
جالت الخيل يوم حرب عضالِ
وتساقى الكماة سماً نقيعاً
وبدا البيض من قباب الحجالِ
وسعت كل حرة الوجه تدعو
يالبكر غراء كالتمثالِ
يابجير الخيرات لا صلح حتى
نملأ البيد من رؤوس الرجالِ
وتقر العيون بعد بكاها
حين تسقي الدماء صدور العوالي
أصبحت وائل تعج من الحرب
عجيج الحجال بالاثقالِ
لم اكن جناتها علم الله
وإني بحرّها اليوم صالِ
قد تجنبت وائلاً كي يفيقوا
فأبت تغلب عليّ اعتزالي
وأشابوا ذؤابتي ببجير
قتلوه ظلماً بغير قتالِ
قتلوه بشسع نعل كليب
أن قتل الكريم بالشسع غال
قربا مربط النعامة مني
لقحت حرب وائلٍ عن حيال
قرّبا مربط النعامة مني
ليس قولي يراد لكن فِعالي
قرّبا مربط النعامة مني
جدّ نوح النساء بالاعوال
قرّبا مربط النعامة مني
شاب راسي وأنكرتني القوالي
قرّبا مربط النعامة مني
للسرى والغدو والآصالِ
قرّبا مربط النعامة مني
طال ليلي على الليالي الطوال
قرّبا مربط النعامة مني
لا عتناق الأبطال بالأبطالِ
قرّبا مربط النعامة مني
واعدلا عن مقالة الجهالِ
قرّبا مربط النعامة مني
ليس قلبي عن القتال بسالِ
قرّبا مربط النعامة مني
كلما هب ريح ذيل الشمال
قرّبا مربط النعامة مني
لبجير مفكك الاغلالِ
قرّبا مربط النعامة مني
لكريم متوج بالجمالِ
قرّبا مربط النعامة مني
لا نبيع الرجال بيع النعالِ
قرّبا مربط النعامة مني
لبجير فداه عمي وخالي
قرّباها لحي تغلب شوساً
لاعتناق الكماة يوم القتال
قرّباها بمرهفات حداد
لقراع الابطال يوم النزالِ
رب جيش لقيته يمطر الموت
على هيكل خفيف الجلالِ
سائلوا كندة الكراموبكراً
واسألوا مذحجاً وحي هلالِ
اذا اتونا بعسكر ذي زهاء
مكفهر الأذى شديد المصالِ
فقريناه حين رام قرانا
كل ماض الذباب عضب الصقالِ
قصة الحارث بن عباد مع الزير سالم
دارت حرب ”البسوس” بين بكر وتغلب بعد أن قتل جساس كليباً وقد اعتزل الحارث بن عباد الحرب وهو بطن من بطون بكر وقال قولته المشهورة: ”هذه الحرب لا ناقة لي فيها ولا جمل”، فأصبحت من بعده مثلاً يسري في الأمة، ولما طالت الحرب أرسل ابنه بجيراً للمهلهل (الزير سالم) وقال للرسول الذي معه قل للمهلهل إن الحارث يقول لك : إنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثأرك وهذا بجير ابني فإما قتلته بأخيك وأصلحت بين الحيين وإما أطلقته وأصلحت ذات البين. لكن المهلهل قال لبجير: بؤ بشِسع نعل كليب، (يقصد أنت مقابل قطعة من حذاء كليب)،
قال بجير : إن رضيت بنو بكر رضيت! ….فقتله المهلهل
وكان الحارث بن عباد من فرسان بني وائل المعدودين وكان من أحلم أهل زمانه وأشدهم بأسا وأقواهم بدنا، فلما قيل للحارث بن عباد أن المهلهل قد قتل بجيرا قال: نِعْمَ القتيل بجيرٌ أصلح بدمه بين ابنَي وائل. فلما قيل له إن المهلهل قد قال لبجير : “بؤ بشسع نعل كليب”، ثار غضبه وقال قصيدته:
قرّبا مربط النعامة مني …. لقِحت حرب وائل عن حيالِ
قرّبا مربط النعامة مني … شب أمر للمعضلات الثقال
قرّبا مربط النعامة مني ….. تبتغي اليوم قوتي واحتيالي
قرّبا مربط النعامة مني …. ليس قولي يراد لكن فعالي
قرّبا مربط النعامة مني …لبجير فداهُ عمي وخالي
قرّبا مربط النعامة مني …لا يباع الرجال بيع النعالِ
قرّبا مربط النعامة مني ..إنّ قتل الغلام بالشسع غالي
قربا مربط النعامة مني………إن قتل الكريم غيّر حالي
( النعامة اسم فرسه)
ومن شدة غضبه قال والله لا أكفّ عن تغلب حتى تكلمني فيهم الأرض. ودارت الدوائر على تغلب بعد أن انضم ابن عباد إلى بكر في حربها على تغلب وأثخن فيهم لدرجة أن أهل تغلب حفروا سرداباً تحت الأرض وأدخلوا رجلاً فيه فلما مرّ الحارث أنشده:
أبا منذر أفْنيْتَ فاسْتبقِ بعضَنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض
فقالوا للحارث قد كلمتك الأرض وبررت بقسمك فأبقهم واترك الحرب، فتركها بعد ذلك.