( فرسان ودروع ) قصة قصيرة 

( فرسان ودروع ) قصة قصيرة 

بقلم الأديب سمير لوبه

 فوق الجسر يمر الفارس في دروعه الحديدية على صهوة جواده ، وأقفال معلقة تتراكم على جنبات الجسر المعدنية رسمت عليها قلوب حمراء وحروف أجنبية ، وقطع معدنية تتساقط في البئر تحتضن أماني وردية ، وماء في العلا يرتعد خوفا يتشبث بالغيوم لا يريد أن يصير مطرا ، وماء تحت الجسر أهوج يعلو في تهور ثائرا . والمدينة جاثية على ركبتيها مثل دولاجي ينحرون صغارها أمامها تنتظر دورها في الذبح . يبحث الفارس عن أعشاش الطيور بعد أن ثارت الريح واشتدت العواصف فاقتلعت الأشجار وبعثرت في السماء النجوم . الفارس يرتدي دروع فرسان العصور الوسطى الحديدية لا لتحميه من ضربات السيوف وطعنات الرماح ولكن لترهب الأعداء وتقذف في قلوبهم الخوف . يمضي في ساحات الشرف يحارب لا تهزمه الجيوش ولا تقتله طعنات الأعداء بل تصرعه آلامه التي تخفيها دروعه الحديدية . تحتها يتمزق جلده . يخفي آلام جسده المثقل بالأوجاع بينما هو فوق الفرس رافع الرأس شاهر السيف يعبر أقواس النصر . يبعث مظهره على القسوة وبث الرهبة بينما في داخل الدرع الحديدي جلود تتآكل وجروح تنزف لا يعلم بها غيره ، يضرب العفن في الجسد الذي يتآكل تحت حديد الدروع . لكنها حياة الفرسان يمضون إلى الحروب تحت دروع قاسية تخفي آلام وأوجاع إلى أن يسقطوا فجأة في ساحات الشرف والعزة لا بطعنة رمح سقطوا وإنما هزمتهم آلامهم والعفن الذي يزحف على العقول . بالقرب من الجسر وجدوا جثته . لم يتعرف عليه أحد . من الذي قطع أصابعه ؟ من الذي فقأ عينيه ؟ مثل رسالة مطوية في زجاجة أغلق فمها بالفلين . لفظتها أمواج البحر . ما من أحد يستطيع أن يقول من ألقاها . فما الذي فعله الفارس يستحق عليه تلك النهاية البشعة ؟ كان يتمنى أن يظل طفلا صغيرا يلهو بالحياة . الآن صار كبيرا تلعب به الحياة .

 كان يود أن تحتضن أشعة الشمس الأرض ، وأن يقبل ضوء القمر صفحة البحر فترفع الجبال رأسها إلى عنان السماء . فقط كان يحلم أن يتحرك الحرف الساكن . فتعزف اللغة جملا موسيقية للسلام .