فقد الأحبة

فقد الأحبة
بقلم الكاتبة إيمان نجار
يا لهذا العالمِ المترنّحِ على عكّازِ الغياب…
كم من أحبةٍ دفنّا ملامحهم في صدورنا، وغادرونا كأنهم ما كانوا،
فلا بقيَ سوى صورٌ معلّقة على جدران الوقت، تبتسمُ لنا حينَ ينكسرُ العالم فينا.
الفقدُ ليسَ موتًا، بل حياةٌ مبتورةُ الأصابع،
ذكرياتٌ تمشي عرجاء على طرقاتِ الذاكرة،
نُحدّق في مقاعدهم الفارغة، فنبتلعُ الغصّة،
ونضحكُ بعيونٍ مبتلّة، لأننا لا نملك سوى الوجع، نربّيه كقطةٍ ضالّة.
الدنيا…
ما هي إلا مسرحٌ من ورق، تحترقُ فيه الأدوار فجأة،
يُغلقُ الستار على من نحب، ويبقى صدى صوتهم في العتمة يُربك أرواحنا.
هلّا أخبرني:
أيُّ عاقلٍ يستطيع أن يُشفى من عناقٍ لم يكتمل؟
من كلمةِ “إلى اللقاء” التي لم تُقال؟
من حنينٍ يتوسّل للماضي أن يعود؟
هنا، في صدري،
قبرٌ صغيرٌ لا يراه أحد،
تُزهرُ فيه الذكرى، وتذبلُ، ثم تُزهر، ثم تذبل…
وأنا أزورُه كل مساء، بيدٍ ترتجف، ودمعٍ لا يُعلن الحداد.
أُقسم…
أني ما عدتُ أحفظُ ملامحي، مذ غابت ملامحهم.
كأن الرحيلَ سلخَ عن وجهي النور، وعلّقَ بدلاً منه ظلّاً بارداً،
يمشي خلفي… يهمس لي: “هنا كانوا.”
في غرفتي،
تسكنُ أرواحهم فوق الوسادة،
تتمدّدُ في صمتِ الليل،
وتُقلّبُ معي ألبومَ الذاكرة، صورةً بصورة،
حتى تلكَ التي تمزّقت، ما زلتُ أراها.
أكتبُ إليهم رسائل لا بريد لها،
أخاطب الغائب كأنّه يردّ،
وأؤمنُ، رغم كلّ ما فيَّ من عقل،
أن الأرواح التي تحبّنا، لا تُغادر… بل تتخفّى.
أنظرُ للسماء،
أُحدّقُ فيها كما يُحدّقُ الطفلُ في عيونِ أمّه،
أبحث عن وجهٍ أعرفه بين الغيوم،
أقول في سري: “خذيني إليهم قليلاً… لا أريد أن أبقى هنا وحدي.”
فأيُّ جريمةٍ هذه، أن تكون على قيد الحياة،
بينما من تحبّ تحتَ ترابٍ لا يسمعك؟
أيّ منطقٍ يسمح أن أتنفّس، بينما صوت
هم انطفأ؟
من قال إن القلب لا يُدفن وهو ينبض؟



