المقالات والسياسه والادب

فوق البحر الأزرق

فوق البحر الأزرق

قصة قصيرة

بقلم: نور شاكر

 

استيقظت على ضوءٍ غريبٍ ينساب من شقوق السماء، كأن النهار تردّد في الدخول إلى العالم وجدت نفسها في مكانٍ لا يُشبه الأرض: أرضٌ معلّقة بين السحاب، حوافها تنتهي مباشرةً إلى بحرٍ أزرقَ عميقٍ لا قرار له، والهواء يلمع بلونٍ فضّيٍّ كالغبار المقدّس

 

كانت ترتدي ثوبًا بلون الغيم، وريحٌ لطيفة تدفعها إلى الأمام كما لو أن المكان نفسه يدعوها إلى المغامرة

تقدّمت على الحافة، بخطواتٍ مترددة، ثم توقّفت لتتأمل الأسفل: بحرٌ يدور ببطءٍ، كما لو أن له قلبًا يخفق

 

مدّت يدها، ولمست الهواء الذي يفصلها عن الموج، فشعرت بنبضه!

ضحكت بخفوتٍ، ثم أغمضت عينيها، وألقت بنفسها

 

لكنها لم تسقط

الهواء صار ماءً، والماء صار طريقًا من نور

كانت تنزلق فيه بخفة طائرٍ وُلد من الغيم، لا خوف ولا ألم. حين فتحت عينيها، وجدت نفسها تمشي بجانب البحر الأزرق الذي صار يمتدّ بلا نهاية، تصاحبه موسيقى بعيدة تأتي من أعماقه، موسيقى تشبه الذاكرة

 

ثم تغيّر كل شيء…

 

أرضٌ من الكريستال تجمّعت تحت قدميها، وجموعٌ من الناس جلسوا في صفوفٍ طويلة أمام قصرٍ من الزجاج الشفّاف

في الأعلى، لافتة كتب عليها:

“العيادة السماوية للشفاء من الذاكرة.”

 

اقتربت، لا تدري لماذا، فاستقبلها أحد الحراس بابتسامةٍ واسعةٍ وقال:

ـ أنتِ مدعوّة. لقد تأخر علاجكِ كثيرًا

 

جلست بين الناس، وكلّ واحدٍ منهم يحمل جرحًا لا يُرى، أو قلبًا منطفئًا

حين لمست خدّها، شعرت بشيءٍ غريبٍ في فمها، ركضت نحو مرآةٍ معلّقةٍ على جدارٍ من الضوء، فرأت بين أسنانها سنًّا جديدًا قد بزغ!

سنّ بلون الفجر، يلمع كما لو أنه حجرٌ كريم

 

تأمّلته بدهشةٍ، وفكّرت: أأنا أتجدد؟ أم أني أتحوّل إلى مخلوقٍ آخر؟

 

في تلك اللحظة ناداها الطبيب لم يكن إنسانًا تمامًا؛ كان نصفه ضوء، ونصفه ظلّ

قال بهدوءٍ يشبه صدى البحر:

ـ حان وقت الصعود

 

أشار إلى كرسيٍّ بلاستيكيٍّ بسيط، لكنه بدأ يلمع حين جلست عليه

أدار الطبيب جهازًا أطلق موجاتٍ شفافة دخلت رأسها، فسمعت أصواتًا تشبه حكاياتٍ قديمة تُروى في أعماق عقلها

ثم ارتفع الكرسيّ فجأة، وبدأ يدور في الهواء، ببطءٍ أولًا، ثم بسرعةٍ حتى صار العالم من حولها دوامةً من الضوء

 

لم تصرخ، لم تخف، لم تمسك بشيء

كانت تطير!

 

رأت من الأعلى البحر الأزرق يتشكّل على هيئة قلبٍ عملاق ينبض، والناس الصغار في الأسفل كأنهم نقاطُ ضوءٍ على لوحةٍ كونية

أغمضت عينيها، وسمعت صوت الطبيب يتموّج في الأفق:

ـ لا تخافي من الدوران… إنه طريقُ النضوج

 

ثم توقّف كل شيء

هبط الكرسيّ بسلامٍ إلى الأرض البلورية، وعادت هي إلى مكانها بجانب الطبيب

ابتسم وقال جملةً قصيرة نسيَتها في اللحظة نفسها التي نطقها فيها، كأنها سقطت من الذاكرة قبل أن تصل إلى القلب

 

غادرت المكان تمشي ببطءٍ، بينما خلفها كان البحر الأزرق يسطع أكثر، والسماء تفتح عينيها

وفي فمها سنّ جديد، يلمع كلّما ابتسمت، كأنه تذكارٌ من عالمٍ آخر

 

ومنذ ذلك اليوم، كلما رأت البحر، شعرت بأن شيئًا فيه يناديها، كأنها ما زالت تطير

لكن بجناحين من الحلم

 

ملاحظة: قصة مستوحاة من رؤيا

مقالات ذات صلة