أدب وثقافه

في مدح الكسل

مقتبس عن برتراند راسل

درج الناس منذ نعومة أظفارهم على الاعتقاد بقاعدة بسيطة، هي أن العمل واحد من الفضائل المهمة للإنسان الشريف العفيف. لكن في عام 1935، كتب الفيلسوف البريطاني الشهير “برتراند راسل” كتابًا سمَّاه “في مدح الكسل”، دافع فيه عن القيمة النقيض تمامًا لفضيلة العمل، أي فضيلة الكسل والبطالة والفراغ الذي يسمح للإنسان بالانغماس في أنشطة يحبها وتهب له إحساسًا بالتحقق، بعيدًا عن العمل المنظم الذي اعتادته البشرية.

أخلاق العمل: من أين اكتسبناها؟

منذ بدء الحضارة وحتى بزوغ الثورة الصناعية، كان يمكن لأي رجل أن يكفي بالكاد حاجة أسرته. لم يكن الفائض الذي يزيد قليلًا عن الكفاف يُترك له، وإنما يذهب إلى جيوب الكهنة والجيش عبر المؤسسة الدينية والضرائب بطريقة تضمن لهم استمرار نمط معيشتهم بالطريقة نفسها في أوقات المجاعة أو الحرب. كان هذا يعني أن يتضور الكادحون جوعًا في أوقات الأزمات. لا تخدم أخلاق العمل الدؤوب إلا طبقة الأغنياء الذين تسمح لهم ثرواتهم بإسناد مهمات العمل إلى آخرين، فيما يتمتعون هم بالكسل. يرى راسل أن هذا النظام البسيط استمر بصور مختلفة طوال التاريخ البشري تقريبًا، ويضع الثورة الروسية (1917) فقط نقطة للانفصال عن هذا الوضع في روسيا، فيما يرى أنه استمر في بريطانيا حتى القرن التاسع عشر، وانتهى في أمريكا مع حرب الاستقلال. وعندها بدأ العامل العادي في مراكمة فائض يمكِّنه من تأمين عائلته في أوقات الأزمات.

أخلاق العمل والتكنولوجيا

كانت أخلاق العمل ضرورية في هذا النظام لأن عدم الاعتقاد بها يعرض الإنسان إلى خطر مادي مباشر. في العصر الحديث وبسبب النمو الهائل في معدلات الإنتاج بجهد أقل، نستطيع أن تعمم هذا الامتياز ليصبح حقًّا يتساوى فيه جميع الناس. وسائل العلم الحديث جعلت تخفيض قدر الجهد والوقت اللازميْن لحصول أي إنسان على حد الكفاف ممكنًا وسهلًا ففي الحرب العالمية الثانية، سُحب جميع الرجال من وظائفهم المدنية للانضمام إلى الجيش أو المصانع الحربية، مع ذلك استمرت المؤسسات المدنية تعمل دون تأثر تقريبًا، ما دامت لم تقع تحت نيران الحرب مباشرة. في هذه الحالة، تصبح أخلاق العمل الدؤوب منتمية إلى الماضي، رغم أن الحديث عن فضائل العمل لا يزال رائجًا بدرجة كبيرة في العالم المعاصر. لو ترك جميع العاملين لشأنهم، وزال عنهم بطش التعسف، لما فرَّطوا في الفائض القليل من إنتاجهم وأجورهم لصالح الآخرين الذين يستأثرون بها رغمًا عنهم، ولفضَّلوا أن يقللوا من إنتاجهم أو يزيدوا من حاجاتهم لصرف الفائض بدلًا من التنازل عنه. لكن يتم إغراء أكثرهم بقبول أخلاق من شأنها أن تجعل واجبًا عليهم أن يكدحوا، فيما تُتخَم بطون الآخرين في بحبوحة ودون جهد.

فضائل الكسل: لماذا يجب أن نعمل أقل؟

تمتعت الطبقة البرجوازية المترفة في القرون الوسطى بامتيازات لا تستحقها، الأمر الذي أدى إلى تحويل هذه الطبقة إلى ظالمة قاسية القلب. لكن رغم كل هذا، فإننا مدينون إلى هذه الطبقة، ومدينون لامتيازاتها لأنها احتضنت الفنون والثقافة والعلوم، سواء عن طريق المثقفين منها، أو عبر إنفاقها على الموهوبين من الطبقات الأخرى للتفرغ للعلم والفن.

متع الإنسان الحديث في معظمها سلبية، مثل مشاهدة مباريات كرة القدم أو الاستماع للراديو، لأن العمل لساعات طويلة يسلب كل الطاقة الإيجابية عقليًّا وجسديًّا، لكن لو كان للناس فترات فراغ أطول لاستمتعوا بملذات أكثر إيجابية. لا يعني هذا أن الناس سيصبحون مفكرين وفنانين، لكنها فقط دعوة لإعطاء الفرصة كي يكون لكل منهم الحق في تنظيم حياته وتسييرها بأقصى قدر من الحرية تسمح بها وسائل الإنتاج الحديثة.

كل إنسان يبذل بالضرورة في حياته مقدارًا معينًا من الجهد البشري، ما يعني أن الإنسان يؤدي خدمات مقابل مأكله ومسكنه، وفي هذه الحدود فقط يكون العمل واجبًا. أما خارج هذه الحدود، “من المنطقي جدًّا أن يُخيَّر عموم المواطنين بين ما إذا كانوا يريدون إنتاجًا أكثر أم فراغًا أكبر”.

هل يجب أن نستمر “في مدح الكسل”؟

إذا نظرنا إلى عالم العمل ونظمه في يومنا هذا سنجد حراكًا حثيثًا أكثر من أي وقت مضى نحو نظرية مدح الكسل. ففي المانيا وفي فبراير 2018، حدث واحد من أكبر الإضرابات العمالية في التاريخ، كان مطلب العمال واضحًا وبسيطًا، وهو خفض ساعات العمل إلى خمس ساعات ونصف الساعة يوميًّا. في السويد، خفضت ساعات العمل إلى ست ساعات يوميًا منذ أكتوبر 2016، كذلك لن يبدو مستغرَبًا أبدًا إذا علمنا أن ثماني من أصل 10 دول الأكثر سعادة في أوروبا، يجمعها قاسم مشترك، وهو أنها الأقل في ساعات العمل السنوية على مستوى العالم. بالتأكيد، سيجد كل إنسان يملك حب الاستطلاع العلمي وسيلة لإشباع رغبته في عالم لا يضطر فيه أحد للعمل أكثر من ست ساعات، وسيتمكن كل رسام من الرسم دون التضور جوعًا، ولن يضطر الكتاب في سعيهم للاستقلال المادي، إلى التملق لمحاولة جذب الأنظار إليهم من أجل التفرغ لإنتاج الأعمال الأصيلة التي سيستطيعون تنفيذها عندما يتوفر لديهم الوقت والمال.

*الكسل ليست ترجمة مناسبة للتعبير المستعمل (idleness) انما الامتناع عن العمل والفراغ.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى