فِقهُ النَّزَاهةُ الأَحوجُ فيِ هذا الزَّمان الحج الجزء الخامس

بقلم د/ محمد بركات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين وبعد:
فلا زلنا نطوف ونطوف بكل مسلم نزيه محب للعبادة مجتهد بها .
في كل عبادة يتجه فيها العبد إلي ربه تعالي هو في مدرسة إيمانية من أرفع وأعلي وأعظم أنواع القرب والمناجاة من الله تعالى.
فبالشهادتين هو في كنف الله وستره ورعايته ، وهو بفضل الله تعالي من أهل خيره وهدايته وجنته ، وقد كتب له براءة من الشرك والكفر.
وبالصلاة فهو في حضرة الله الملك المتعال يصلي ويركع ويسجد ويقترب يدعوا الله ويناجيه ويبتهل إليه ولا يكل من سؤاله في راحة قلبه وبدنه ،فالصلاة له مصدر راحة وسعادة.
وبالزكاة قد تطهر قلبه من الشح والحرص والبخل ، فمال الله يؤديه إلي عباد الله فهو فقط مستخلف فيه وأمين عليه ،فيزكي ويتصدق ويعطف علي من هو أقل منه في المال ليرزق البركة في القليل ويزاد له في الكثير.
وبالصوم يترقي إلي أعالي أعالي درجات الإيمان ومراقبة الله تعالى ، فجزاء الصوم عند الله وحده فتتطهر نفسه وتخلص روحه ويسترح بدنه بقلة الطعام فتصفوا نفسه كالملائكة عابد ساجد مسبح ذاكر حامد شاكر لله تعالي.
ثم بالحج في المدرسة الكبري وقد خلع عن نفسه حظوظ نفسه ، وحظوظ الدنيا فترك الأهل والولد والبيت والأرض والمال والدنيا كلها ليكون مع الله .. ومع الله فقط.
تخالجت نفسه المشاعر داعياً ربه متضرعا متذللا سائلا ربه المغفرة والهداية والصفح عنه .
وقد حكى أن حاتم الاصم رضي الله عنه كان رجلا لديه من الذكور والإناث الكثير، وكان يرغب في الحج لكنه لا يمتلك ما يكفي من المال ليتركه لأولاده ويذهب إلى الحج.
وفي يوم من الأيام كان جالسا مع أصدقائه فذكروا الحج فقال وقد تاقت نفسه والله أنا أريد أن أذهب إلى الحج لكن لا أملك ما يكفي من المال، ثم ذهب إلى أولاده وحكى لهم أن يأذنوا له بالذهاب إلى الحج.
فقال له الأبناء والله يا أبتاه لا نملك من المال لذلك، إلا أن ابنته نطقت وقالت يا أبي اذهب إلى الحج فإن لنا رب يرزقنا.
فأحرم حاتم الأصم وذهب إلى الحج وهو فرحا، لكن الجيران لم يتركوا أولاده بل يأتون إليهم كل يوم ويوبخونهم لأنهم أذنوا إلى أبيهم حتى يذهب إلى الحج وهم لا يملكون شيئا من المال ولا الطعام.
مر اليوم الأول والثاني والثالث والأطفال جياع ولم يوجد طعام في بيتهم فوبخ الأولاد ابنته لأنها اذنت له بالذهاب إلى الحج.
، لكن البنت دعت الله وقالت إلهي وسيدي عودت القوم بفضلك، وأنك لا تضيعهم فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم.
وهم على هذه الحالة خرج أمير المنطقة في رحلة إلى الصيد وفي أثناء ذلك شعر بالعطش فمر على بيت حاتم الأصم وطرق الباب وإذ بزوجته تفتح له الباب وطلب منها أن تسقيه من الماء فرفعت الزوجة يديها إلى السماء وقالت إلهي الأمس كنا جياعا واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا.
أحضرت الزوجة كوبا جديدا وغسلته وعبئته بالماء وأعطته للأمير فلما سقي شعر أن الماء له طعم جميل قال لها هل هذه الدار لأمير، قالت الزوجة لا والله إنها لعبد من عباد الله يدعى حاتم الأصم.
قال الوزير يا أمير لقد أحرم هذا الرجل أمس للحج وترك أولاده وزوجته جياعا بلا مأوى، فقال الأمير ونحن أثقلنا عليهم اليوم، وكان لا ينبغي أن يثقل مثلنا عليهم.
فخلع الأمير منطقته (أي حزامه وهو مرصعا بالجواهر) ورماها في الدار وطلب من الوزير ومن كانوا معه أن يخلعوا منطقتهم ويرموها في الدار، وقاموا بالفعل بعمل ذلك.
وفي اليوم التالي جاءهم وزير وطلب من زوجة حاتم الاصم وأبنائه أن يشتري منهم المناطق مقابل مبلغ من المال، وبالفعل قام بشراء تلك المناطق وأعادها إلى الأمير.
لما رأت ابنة حاتم ما حدث بكت بكاء شديدا، فسألتها أمها لماذا تبكين إنما يجب أن تفرحي.
قالت البنت يا أمي أمس كنا جياعا فنظر إلينا مخلوق هذه النظرة وأعطانا ما نحتاج، فكيف الخالق الكريم الذي إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد، اللهم انظر إلى أبينا ودبر له أمره فإننا لا نحسن التدبير.
أما عن حاتم الأصم رضي الله عنه وهو في الطريق إلى الحج شعر أمير الركب بوعكة صحية فسألوا علي طبيب فلم يجب أحد.
، ثم سألوا مرة أخرى هل من عبد صالح فأجاب حاتم الأصم وحينما دخل على الأمير دعا إليه فشفي الأمير في حينها.
فأمر الأمير له بما يأكل وما يشرب وما يركب، نام حاتم هذه الليلة يفكر في أولاده، حتى قيل له في المنام ياحاتم من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه ثم علم بما كان من أمر عياله فأكثر من الدعاء والثناء إلى الله تعالى.
نعم.. لا حرج علي فضل الله وكرمه وجوده وستره وسعة ما عنده فخزائنه ملآي.

نلتقي بكم في خير حال وعافية مع المسلم النزيه المستفيض في أبواب الهدي والخير .

(تمت سلسلتنا فِقهُ النَّزَاهةُ الأَحوجُ فيِ هذا الزَّمان) بفضل الله تعالى.

دمتم في خير حال ومآل.