قراءة في بدايات السرد القصصي 

كتب سمير لوبه : 

 

لقد ارتبط الإنسانُ بالسردِ منذ القدمِ ، ولهذا يُعدُ السردُ القصصي فناً أدبياً قديماً تطّورَ مع الزمنِ فظهرت منه أشكالٌ متنوعةٌ ؛ لأنه مرغوبٌ من مختلفِ الفئاتِ العمريةِ .

 يُعَرَّفُ السردُ لغةً كما ورد في المعجمِ ” سَرَدَ ” قرأه بالتتابعِ وأجاد سياقَه ، وفي القصةِ يعني روايةَ الأحداثٍ ، وشيءٌ سَرْدٌ تعني شيئاً متتابعاً بمعنى تَقْدِمَةُ شيءٍ إِلى شيءٍ تأْتي به مُتَّسقاً بعضُه في أَثرِ بعضٍ مُتتابعًا .

أما مفهومُ السردِ اصطلاحًا فإن في ذلك عدةَ مفاهيمٍ قريبةٌ للمعنى اللغوي ومنها :  

– السردُ أداةٌ فنيةٌ أدبيةٌ يستخدمُها الكاتبُ ، بهدفِ الوصولِ لغايةِ القصةِ ، أو الأحداثِ ، ويُعدُ الأساسُ الذي يرتكزُ عليه الحوارُ والوصفُ في القصةِ .

– السردُ فنُ تعبيرِ الألفاظِ عن الأحداثِ لبيانِ الصورةِ المتخيلةِ ونقلِها إلى الصورةِ اللغويةِ . 

– السردُ عمليةٌ تقومُ بشكلٍ أساسٍ على إنتاجِ نصٍ ومحتوى من قِبلِ الراوي موجهةً إلى القارئ ومن خلالِه يتم تحويلُ الكلامِ المحكي أو المنطوقِ أو المكتوبِ إلى عملٍ فني .

– السردُ هو الكيفيةُ التي تُروَى بها القصةُ عن طريقِ الساردِ أو الراوي لنقلِ الحدثِ في صورةٍ لغويةٍ مكتوبةٍ أو منطوقةٍ . 

إذاً السردُ القصصي فنٌ أدبي قديمٌ ارتبط به الإنسانُ منذ القِدمِ ومن هذا المنطلقِ نعرضُ لبداياتِ السردِ القصصي 

لقد غلب هذا اللونُ من الأدبِ في مصرَ القديمةِ ، ومن أشهرِ النماذجِ : قصة ” الفلاح الفصيح ” وقصة ” سنوحى ” وحكاية ” الملاح التائه ” .

فقد كان الخيالُ المصري القديمُ خصبًا، يظهرُ ذلك جليًا في العديدِ من الحكاياتِ . فمثلاً، في قصةِ ” الملاح التائه ” تخيل المؤلفُ وصولَ الملاحِ إلى جزيرةٍ صحراويةٍ حيث قابل ثعبانًا يتكلمُ ، أما قصةُ مثل ” سنوحى ” فهي تعطي صورةً خياليةً لحالةِ المصريين المغتربين .

إنَّ معظمَ الحكاياتِ والقصصِ وُجِدَت مدونةً على مخطوطاتٍ من البردي فمثلاً وُجِدَت قصةُ ” سنوحى ” على خمسِ بردياتٍ تعودُ للأسرتين الثانية عشرة والثالثة عشرة والتي أُعِيد نَسخها مراتٍ عِدة على حجارةِ خلالَ عصرِ الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين ، ولقد اشتمل الأدبُ المصري القديمُ على مجموعةٍ من الأشكالِ السرديةِ وأدبِ الحكمةِ والسيرِ الذاتيةِ والشعرِ والتراتيلِ ، والرسائلِ ، وعلى الرُغم من عدمِ تعريفِ تلك الأشكالِ عادةً على أنَّها أدبٌ ، إلا أنًّها تُمنَحُ هذا التصنيفُ لأن الكثيرَ منها تتمتعُ بمثلِ هذه الجدارةِ الأدبيةِ العاليةِ.

سيظلُّ تاريخُ المصري القديمُ مليئًا بالأسرارِ في شتى المجالاتِ ، حتى مسألةِ الكتابةِ الأدبيةِ لم تكن غريبةً عنهم ، حيث كشفت دراسةٌ مصريةٌ حديثةٌ صادرةٌ عن مركزِ التراثِ بمكتبةِ مصرَ العامةِ في مدينةِ الأقصرِ بمناسبةِ اليومِ العالمي للقصةِ أنَّ الأدبَ الشعبي لقدماءِ المصريين ، يحتوى على ثروةٍ من القصصِ التي انتقلت من جيلٍ إلى جيلٍ شفويًا ، كما أوضحت الدراسةُ أنَّ قدماءَ المصريين استخدموا تقنيةَ السردِ في كتابةِ القصصِ ، فكان الكاتبُ يضعُ مقدمةً تمهيديةً بهدفِ إيجادِ رابطٍ بينَ عدةِ قصصٍ على غرارِ قصصِ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ ، كما قدمت الدراسةُ رصداً للكثيرِ من القصصِ التي ترجعُ لعصورِ مصرَ القديمةِ ، منها مثلاً قصةُ ” الفلاح الفصيح ” ، و” الملك خوفو والسحرة ” ، و” سنفرو وفتيات القصر ” ، بجانب قصص ” سنوحي ” ، و” الملاح التائه ” ، وبعضُ القصصِ الأسطوريةِ مثل ” حورس وست “، و” إيزيس وأوزيريس ” 

وأضافت الدراسةُ أن قصصَ المصري القديمِ ، والتي حوتها المخطوطاتُ وأوراقُ البردي لم تتضمنْ أي مشاهدٍ ماجنةٍ ، بينما اهتمت بالتفاصيلِ المستمدةِ من الحياةِ اليوميةِ للناسِ وتضمنت كذلك أحداثًا تاريخيةً ، كما كشفت الدراسةُ التي أعدَّها المديرُ العامُ لمنطقةِ آثارِ الأقصرِ ومصرَ العليا الدكتورُ ” محمد يحيى عويضة ” أن قدماءَ المصريين هم أولُ من كتبوا قصصاً شعبيةً محبوكةً لم يكن لها أي غرضٍ سوى إمتاعِ القُراءِ ، ولذلك تُعَدُ مصرُ أولَ بلدٍ نشأت فيه القصةُ التي كُتِبَت أو كانت تقصُّ على سامعيها للتمتعِ بها.

ومن أشهرِ القصصِ في مصرَ القديمةِ ، قصةُ ” سنوحى”، التي حدثت خلالَ عهدِ الملكِ ” أمنمحات الأول ” ، في عصرِ الأسرةِ الثانية عشرة وتبرزُ مخاوفَ المصري القديمِ من الموتِ في بلادٍ غريبةٍ عن وطنِه مصرَ .

ويرجعُ تاريخُ القصصِ التي بقيت محفوظةً من أدبِ مصرَ القديمةِ إلى ما بعدَ أيامِ الدولةِ القديمةِ وخاصةً خلال عصرِ الأسرتين التاسعة والعاشرة اللتين شجع حكَّامُهما على كتابةِ القصةِ ، الأمرُ الذي أدى لحدوثِ تطورٍ كبيرٍ في كتابةِ القصةِ آنذاك ، وامتدَّ معها حبُّ المصريين للقصةِ حتى ما بعدَ عصرِ الدولةِ الوسطى .

وهنا نقدمُ قصةَ ” سنوحي ” على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ 

إن قصةَ ” سنوحي ” قصةٌ وعملٌ أدبيٌّ من قصصِ الأدبِ المصري القديمِ ، تشتهرُ شهرةً كبيرةً ، وقد حدثت هذه القصةُ في مطلعِ الألفيةِ الثانية قبلَ الميلادِ تقريبًا، وقد كُتِبَت في ذاتِ التاريخِ ، وقد اختلف المؤرخون فيما إذا كانت هذه القصةُ واقعةً حقيقيةً أم هي مجردُ قصةٍ خياليةٍ لا أساسَ لها في الواقعِ ،  

تَروي القصةُ أنَّ ” سنوحي ” الذي نشأ وترعرع في قرية تُسمى ” أثيت تاوى ” عاصمة مصر القديمة ، وهو ابن طبيب من أغنياء تلك القرية في عصر الملك “أمنمحات الأول”، وقد كان الملكُ أمنمحات الأول قد تقدَّم في السنِّ وكبرَ ونشب صراع في الخفاء بين اثنين في أولاده طمعًا في أخذ الحكم عن أبيهما، فيقول سنوحي إنَّه سمع في ذات يوم همسًا بين اثنين في الطريق وعرف من خلال همسهما الحذر أنَّهما يدبران لمكيدة أو أمرٍ خطير، فما كان من ” سنوحي ” إلَّا أن اقتربَ وسمع حديثَ الرجلين فعرف أنَّ أحدَ هذين الرجلين هو ابن الملك “سنوسرت الأول” وعرف أن الرجلين يخططان لقتل الملك ، وبينما هو يسترق السمع ، ظنَّ ” سنوحي ” أن أحدَ الرجلين عرفه وعرف أنَّه يسترقُ السمعَ على حديثهما فهرب ” سنوحي ” مسرعًا ، وقرر الفرار من البلدة فحمل أدواتِه الطبية هرباً إلى بلاد اسمها “رتنو العليا ” وهي في أواسط بلاد الشام حاليًا، وعاش هناك وتزوج وأنجب وعمل طبيبًا يداوي الفقراء ثمَّ اشتهر باسم “سنوحي المصري” فطلبه ملكُ تلك البلاد حين مرض ذات يوم ، فعالجه ” سنوحي ” فقربه الملكُ منه وجعله مستشارًا له ، جديرٌ بالذكر أن علاقة ملك تلك البلاد كانت سيئة ومضطربة جدًا مع ملك مصر، فكان يجهز جيشًا كبيرًا للهجوم على مصرَ، وكان جيش “رتنو العليا ” مجهزًا بسيوفٍ معدنيةٍ ، والتي اعتُبِرَت في تلك الفترة تطورًا حقيقيًّا وفرصةً كبيرةً للتفوقِ في المعاركِ ، فما كان من ” سنوحي ” إلَّا أن حصل على سيفٍ منها وأرسل إلى ملكِ مصرَ رسالةً يطلب منه الأمانَ ويطلب منه أن يقابله لأمرٍ مهمٍ للغايةِ ، وقابل ” سنوحي ” الملك المصري بعد أن أعطاه الملك “سنوسرت الأول” الأمان ، وأعطى ” سنوحي ” للملك السيف الحديدي ، فزود الملك المصري جيشه بالسيوف الحديدية ، وشكر ” سنوحي “على ما قدَّم لجيش وطنِه مصرَ ، ويطلب الملك المصري من ” سنوحي ” أن يحدد مكافأة منه على جميل فعله ، فيطلب ” سنوحي ” الأمان فقط ليعيش مع عائلته في مصرَ التي فارقها غصباً ، فكان لسنوحي من الملك ما كان وعاش في مصر وأصبح الطبيب الخاص للملك حتى وفاته وتنتهي أحداث القصة .

تعدُّ قصةُ ” سنوحي ” في الثقافة المصرية من القصص المقربة جداً لوجدان المصري القديم ، وهي تمثل الأدب المصري القديم كونها واحدةً من أقدم القصص التاريخية في الآداب العالمية كلها ، فكل من سمع بالقصة تعاطف مع بطلها ” سنوحي ” وأعجب بوطنيته الكبيرة ، وهي تمثل حبَّ الشعب المصري لوطنه منذ القدم ، ولهذا انتشرت القصة انتشارًا كبيرًا وأخذت رواجًا كبيرًا بين المصريين بشكل عام ، وجدير بالذكر أنَّ هذه القصة وصلت مكتوبةً على ورق البردي وهي تجسد أفضل ما جاء من الأدب المصري القديم على الإطلاق .

أما عن الأساطير عند المصري القديم فقد نشر الأستاذ ” يسري عبد الغني ” على صفحته أن المصريين القدماء أحاطوا آلهتهم بأساطير كانوا يحفظونها كما تحفظ الكتب المقدسة ، وقد أحب المصريون هذه الأساطير لشعبيتها ولأنها صورت المعبودات في صور بشرية ، فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون ويختصمون ويتحاربون ويتقاضون ، ويأتون كل ما يفعله البشر ، ومن أشهر تلك الأساطير وأمتعها ، أسطورة إيزيس أوزوريس ، وهي قصة شائعة فيها متعة للعقل وغذاء للنفس ، وأصل القصة أن المصريين القدماء قدسوا عناصر هذا الكون فتخيلوا الأرض والسماء زوجين من ذكر وأنثى كانا متصلين ثم انفصلا وانتشر الهواء بينهما ، ثم يولد لهذين الزوجين من البنين اثنان هما : أوزوريس وست ، ومن البنات : إيزيس ونفتيس ، فأما أوزوريس فقد تزوج أخته إيزيس وتولى حكم الأرض فصار في الرعية بالعدل ، وقدم للناس من الصالحات ما جعله في مجال الخير مثلاً ، فأحسن سياسته وأدار دفة الدنيا إلى بر السلام ، وعلم الناس الزرع ، وشرع لهم الأحكام والقوانين ، وخطط لهم القرى والمدن ، أما ست فقد تزوج من أخته نفتيس ، ولكنه كره أن يؤول ذلك الملك إلى أخيه أوزوريس ، وغاظه أن يرى له تلك المكانة الرفيعة بين الناس ، فامتلأ قلبه حسدًا وحقدًا عليه ، وسولت له نفسه قتل أخيه الطيب ، فصنع تابوتًا من الذهب رائع الصنع ، مضبوط القياس على مقاس جسم أخيه أوزوريس ، ثم أولم وليمة كبرى دعي إليها أوزوريس ، وطعم فيها القوم ما لذ وطاب لهم من طعام ، وشربوا ما راق لهم من شراب ، ثم أخبر رب الدار ضيوفه بأنه قد أعد لهم مفاجأة سارة ، تتمثل في هدية هي تابوت من ذهب ، لمن يجيء على مقاسه ، وقد تعاقب الضيوف في الاضطجاع في التابوت ، حتى جاء دور أوزوريس ، وأخذ في التابوت مضجعه ، فبادر ست وأتباعه بإحكام الغطاء على التابوت وبداخله أوزوريس ، ثم حملوا التابوت وألقوه في النيل ، ولم يلبث أن جرفه نهر النيل إلى البحر الأبيض المتوسط ، الذي تحمله أمواجه إلى فينيقيا (لبنان الحالية) ، ثم تقذف به إلى ساحل جُبيل وما لبث أن نبتت فوق التابوت شجرة ضخمة أخفته عن عيون الناس ، أما زوجته المخلصة إيزيس ، فقد ذهبت تبحث عن زوجها ، ضاربة في مشارق الأرض ومغاربها ، لا يشقيها بحث ، ولا يدركها ملل ، ثم هداها الله إلى مدينة جُبيل ، وظلت بتلك المدينة حين من الدهر حتى نجحت في الهروب بجثة زوجها أوزوريس ، وركبت بها البحر إلى مصر ، وانزوت الزوجة بجثة زوجها في مكان ناء من مستنقعات الدلتا ، حيث قامت بالصلاة والابتهال إلى الله أن يرد له الحياة ، فاستجاب الرب لندائها ، وردت إلى أوزوريس الحياة ، وانطلقت صيحات الفرح من فمها في جوف الليل العريض ، في تلك الآونة كان الشرير ست يقوم برحلة صيد قريبًا من ذلك المكان ، فما كاد يسمع الصوت حتى اتجه مسرعًا صوبه ، فإذا هو يعثر على أخيه ، وقد عادت إليه الحياة ، فيثور لذلك أشد الثورة ، ويأمر بتمزيق جثة أوزوريس ، ويقرر دفن أعضاء القتيل في أقاليم مصر الاثنين والأربعين .

 ولكن الأسطورة لم تكد تدع أوزوريس يستشهد على النحو السابق ، حتى تستولد له إيزيس ، فولد له ابنهما حورس ، بعد أن حملت به من روح أبيه ، ثم أخفته في أحراش الدلتا حتى كبر ليكون في مأمن من غدر عمه ست وشره .

 وما كاد حورس يبلغ سن الشباب حتى جمع الأنصار توطئة للانتقام لأبيه والمطالبة بعرشه ، والتف الناس حول حورس ، وانقسمت البلاد من أجل ذلك إلى حزبين ، وشاء الله أن يؤيد حزب الحق والخير والعدل ، فنصر حورس على عمه نصرًا مبينًا مؤزرًا ، ثم يفصل قضاء الآلهة في هليوبوليس بين المتخاصمين ، ويحكم لحورس بعرش أبيه فيصبح ملكًا متوجًا على مصر ، ويقضي بتنصيب أوزوريس إلهًا للموتى .

تلك هي أسطورة إيزيس وأوزوريس ، وهي قصة الصراع بين الخير والشر ، كما رأينا في أحداثها ، فالأسطورة صورت الأخوين يختصمان خصامًا يذكرنا بخصام ابني آدم وقد رأينا معًا في هذه القصة كيف تمكن الشر من الخير في بادئ الأمر ، ولكن دولة الشر والظلم قصيرة الأجل ، ولابد لدولة الخير والحق أن تنتصر في آخر الأمر .

ومن ذلك نخلصُ إلى أنَّ بداياتِ السردِ القصصي ظهرت مع حضاراتِ الإنسانِ القديمِ لاسيَّما مصرُ القديمةُ .

بقلم #سمير_لوبه

من كتابي ( قراءات انطباعية في نصوص إبداعية )