قراءة في كتاب قطوف الذهب من كلام أدب العرب د. سيد غيث

41

متابعة لزهر دخان
عرض وتقديم بقلم حاتم عبدالهادى
يحيلنا كتاب : ” قطوف الذهب في معرفة كلام العرب ” لمؤلفه د. / سيد غيث دار الأديب للنشر 2018م – ليسد فراغاً

في المكتبة المصرية، والعربية، بعد أن طغت الكتب الصفراء أرففة المكتبات وباعة الصحف لنسأل عن الماهيات؛

وجواهر الشعر العربى عبر عصوره، ونتعرف إلى العديد من القضايا الأدبية المثارة حول الشعر والإبداع العربى من

جهة، وحول قضايانا المعاصرة، فهو كتاب يقدم لنا الأصالة بثوب معاصر، وفى أسلوب قشيب، راعى فيه تقسيمات

العصور، وأبرز الأدباء والمفكرين في كل عصر، بل أبرز فلاسفة العرب الذين أبدعوا في كافة المجالات ليحيلنا إلى

قضية ” العصور الإبداعية ” تلك القضية التى شغلت أذهان الكتاب والفلاسفة، وأشارت إلى ذلك العصر بقوته، وضعف

ذلك العصر لما ألم به من أحداث سياسية واجتماعية ، وثقافية، وإبداعية كذلك. ولعل الكتاب يعيد لنا عدة قضايا : ”

كتب المنتخبات” أو ” المختارات الأدبية ” وهى ليست اختيارات جزافية، بل اختيارات تأتى بالجواهر لتقدمها كدليل

وشاهد على العصر، إذ تعكس روح العصر، وأبرز أغراض الإبداع، بل والسمات التكوينية المادية والمعنوية، والتي

تشكل طبيعة العصر، فهو كتاب أدبى ، تاريخى موسوعى، وكتاب لغوى ، ابداعي، وشعري، بما يدلل إلى تكاملية

العلوم، بل والفنون الإبداعية الأخرى التى سادت عبر عصور الأدب، والتي تعكس طبيعة المرحلة زمانياً ، ومكانياً ،

وتطلعنا إلى جوانب مضيئة من تراثنا الشعرى العربى الخالد. لقد انتهج الكتاب طريقة جميلة ، ارتفعت به من

المناهجية، لتصب في ذوق الكاتب، ومزاجيته التى تنم عن شخصية مبدع، لا يقدم لنا كتاباً جامداً، أو مختارات

عشوائية، بل منتقاة، بعناية، وبمعرفة خبير بالشأن الثقافى واللغوي ، والإبداعي كذلك، وهو ما يميز هذا الكتاب الذى

يربو إلى المائة والثمانين صفحة من القطع الكبير، بما يعكس الجهد الجهيد في جمع هذا التراث، والتعليق، بل وتقديم

شروحات كافية، ومعان للكلمات، بحيث يقدم وجبة ثقافية جاهزة لكل المبدعين من جهة، وللنشء كذلك، وتلك إحدى

خصيصات الكتاب، وتمايزيته كذلك أقول: لقد – عمد الكاتب – لتقديم كتاب غير نمطى، ، فلم يقسمه إلى أبواب

وفصول كالمعتاد – بل كانت براعة التقسيم تراعى تقديم تلك الوجبة الدسمة في قالب سهل، فإذا قدم موضوعاً صعباً ،

أردفه بقصة من التراث لتخفف وقع الوجبة على العقل، أو يقدم لنا شاعراً متميزاً ، ليكسر حدة الملل للقارىء من جهة،

وليجعله لا يترك الكتاب / الموسوعة أبداً . لقد بدأ الكتاب بمقدمة عرف فيها الأدب عبر عصوره التاريخية، وتعمد أن

يأتى بالتعريفات السهلة، وكأنه يبسط للقارىء وللناشئة مصطلحات الأدب من جهة وليحببهم في الدخول إلى ذلك العالم

الجميل . فمثلاً يعرض لإحدى تعريفات الأدب في الجاهلية – وليس العصر الجاهلى – فيقول : كلمة أدب في الجاهلية

تعنى : الدعوة إلى الطعام، وفى العصر الإسلامى إستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم كلمة أدب بمعنى جديد : هو

التهذيب والتربية، وفى العصر الأموى اكتسبت كلمة أدب معنى تعليمى يتصل بدراسة التاريخ والفقه والقرآن الكريم

والحديث النبوى، وصارت كلمة أدب تعنى المأثور من الشعر والنثر. ولعل تلك الإلماحة التى تصف الأدب، لا تعرفه

ولكنها تضفى عليه بعض السمات الفنية، والإستعمالات التى سار في إطارها الأدب عبر هذه العصور، ثم يدلف بنا إلى

الإدب العربى، والشعر ، والخطابة ، وتأثير القرآن والحديث في التنشئة، ونبذ السلوكيات الجاهلية، والسمو بالإنسان

العربى وسلوكياته وقيمه، وتلك لعمري وظيفة الأدب عبر مراحله وعصوره، أو احدى وظائفه ووسائله لكى يتصل

بالمجتمع ولا يكون أدباً جامداً ، أى يتسم بروح العصر ، ويعكس قيمه وعاداته وتقاليده، وتلك لعمري قيم تهذيبية

وتعليمية وتربوية ، لذا قيل : ” الشعر ديوان العرب ” لأنه يعكس حياتهم على العموم ويقدم معتقداتهم وسلوكياتهم في أزهى صورها، وبما يتطابق مع مقومات العصر من فروسية وبطولات وقيم اتسمت بها القبيلة قبل تكوين الدول والمدنيات والممالك، أى تقدم القيم الثقافية والحضارية لمجموعات عاشت البداوة وارتقت بظهور الإسلام الذى انعكست آثاره على كل مقومات الحياة، بل وانتشرت مع الفتوحات الإسلامية لتجوب الممالك لتعرف بالدين الجديد، والرسالة النبوية المحمدية القرآنية الخالدة . كما يعرض الكتاب لنشأة المدائح النبوية، ودور الأدب في عصور الخلافة العربية في العصرين الأموى والعباسى، وعصور الضعف في عصر المماليك ، إلى أن يصل بنا إلى العصر الحديث والذى تنوعت فيه أشكال الأدب وألوانه لتتسق وروح الحداثة والمعاصرة، مع اعتبارية وجود الأصالة كذلك . ولعل الكاتب د. / سيد غيث كان أكثر حصافة في اختيار الموضوعات بصيغة سهلة، ولغة سلسة غير مقعرة، كما ابتعد عن ” العنعنة” ليقدم لنا مختارات منتقاة، وليس كتاباً أكاديمياً جافاً ، أو مخصصاً للطلاب كذلك، لأنه يتوجه به إلى كافة شرائح المجتمع من جهة، وإلى المتخصصين ، بل والشعراء والأدباء من جهة أخرى، وهذا ما حدانا أن نثمن الجهد المبذول، والظاهر في كل أركان الكتاب الموسوعى الكبير الشاهق، والجميل، والمتنوع كذلك . ولا يكتف الكتاب بتقديم ” الشعراء والتراجم عنهم ” بل يتعدى ذلك إلى إيراد فصولاً عن : ” الزكاة في أقوال الشعراء”، ” شهر رمضان في عيونهم”، والحكمة في أشعارهم، ثم انتقل إلى أغراض الشعر من فخر وهجاء ، وغزل ومدح، بل وتعدى ذلك إلى جانب تربوى وتعليمى للناشئة عن عظة الموت في أشعار العرب، وفضل صلة الرحم والأم والصداقة، وتهذيب السلوكيات : ” تهذيب اللسان” و ” العفة” و ” الشرف، وغير ذلك، كما تعرض إلى قصائد قتلت أصحابها، وإلى الصعاليك من الشعراء، وإلى أسواق العرب الأدبية، وإلى أسلوبية ومهارة الشعراء من خلال الفصل الطريف الذى أنهى به كتبه عن ” الألغاز والإلغاز في الشعر العربى ” وكأنه قد أراد أن يناقش لغة العرب ومهارتهم وأسلوبيتهم عبر طرافة أشعارهم، وجودة صياغتهم، وتوفيقهم لإختيار الألفاظ الدالة، السهلة، التى ابتعدت عن الحوشية في القول، والأدب الصريح، وركزت على الجوانب القيمية والمعرفية والدينية والإنسانية التى تحلى بها شعرنا العربى على مر العصور. وعبر مختاراته نراه ينتقى السهل من الأشعار والذى يحمل قيمة فلسفية واجتماعية ، وسياسية، وتعليمية وتربوية ، فمثلاً يختار من الشعر العفيف نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الحى يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل ومن أشعار عمرو بن كلثوم في الفخر والحماسة قوله: ونشرب إن أردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطينا ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملأه سفينا إذا بلغ الفطام لنا صبى تخر له الجبابر ساجدينا وفى الكرم يختار من حاتم الطائي : إذا مات منا سيد قام بعده نظير له يغنى غناء ويخلف وإنى لأقرى الضيف قبل سؤاله واطعن قدماً والأسنة ترعف وإنى لأخزى أن ترى بى بطنة وجارات بيتى طاويات ونحف وإنى لأعطى سائلى ولربما أكلف ما لا يستطاع فيكلف وكلها منتخبات من أشعارالعرب لها طابع تعليمى وتهذيبى، وتنبى عن قيم وعادات تعكس روح العصر ومجايليه. إن الكتاب على تنوع نماذجه، وتعدد مشاره هو صورة مصغرة لتاريخ الشعر العربى، وآداب العرب، وكلام العرب لذا لا غرو أن اختار العنوان الطريف الذى يجمع كل هذه الضروب عبر دفتيه، ليقدم تراثاً ، وتريخاً للشعرية العربية، وقيم الحياة في كل العصور، بل قيم العرب، عبر عصورهم التاريخية، وحتى عصورنا المعاصرة . إننى أثمن هذا الكتاب الرائع، والذى يعيد لنا زمن المختارات والمنتخبات من جديد، وهو لعمري زاد معرفي، وحكم وفلسفة، وتعليماً وتهذيباً ، كما يقدم قيماً تربوي وإنسانية عبر الشعر الذى يمثل القيم التى تعكس الجمال عند العرب، والتي تؤكد مقولة : ” ان الشعر ديوان العرب، الحافظ لتاريخهم، والذى يعكس حياتهم وقيمهم التى استمدوها بعد الجهل من قيم الإسلام المستنير الذى عمت روحه كافة مشارق الأرض ومغاربها، وعبر الكون والعالم والحياة . حاتم عبدالهادى محمد رئيس رابطة النقاد العرب