قصة قصيرة  فرق توقيت 

بقلم سمير لوبه

عَلَىَ رَصِيفٍ بَلَلًتَه دَمعَاتُ الغَيْمِ يَقبَعُ مُنكَمِشاً ، يُصَارِعُ أموَاجَ الانتِظَارِ العَاتِيةَ مَرمِياً دَاخِلَ كَومَةِ مَلَابِسِ بَالِيَةٍ ، يَسألُهَا الدِفْءَ فلَا تَكتَرِثُ لتَوسلَاتِه ، يَتَشَبَثُ بِفوطَةٍ صَفرَاءَ اعتَلَاهَا سَوَادُ مَهَانَةِ السُّؤَالِ ، تَعوِي السَّيَارَاتُ ، تَعدُو ، تَلتَهِمُ الأسفَلتَ بِنَهمٍ ، تَتَعَلَقُ عَينَاه بِالمِصبَاحِ تَرقُبُ فِي شَغَفٍ بُزُوغَ الضَّوءِ الأحمَرِ ، تَبحَثُ كَفُّه دَاخِلَ جَيبِه عَمَّا يُوَفِرُ لجَسَدِه الوَاهِنِ طَعَامًا يَستَقوِي بِه عَلَىَ صَقِيعِ الأيَامِ القَاحِلَةِ فَتخرُجُ خَاوِيةً ، أخِيرَاً يَبزُغُ النُّورُ الأحمَرُ ؛ مُنطَلِقًا يَكَادُ يَطِيرُ فَوقَ الأسفَلتِ ، يَحُطُّ عَلَىَ زُجَاجِ السَّيَارَاتِ يَمسَحُهَا ، يَنزِفُ لِسَانُه دَعَوَاتٍ اعتَادَهَا ، يَشتَعِلُ الضَّوءُ الأخضَرُ ، تَحتَرِقُ أنفَاسُه ؛ فلمْ تَنَلْ كَفُّه سِوىَ الرِّيحِ ، اكْتَوَت عَيناه بإشَارَاتِ الرَّفضِ ونَظَرَاتِ الاستِنكَارِ ، يَعودُ لرَصِيفِ الانتِظارِ ، يُصَارِعُ أموَاجَ البَقَاءِ ، وفِي المَحِلِ المُتَاخِمُ للرَّصِيفِ :

– فليَخرُجْ أحدُكمْ ويُبعِدُ هذا الجَالِسَ أمَامَ المَحِلِ

– أمرُك مَعَالي البَاشَا

وعَلَىَ الرَّصِيفِ المُقَابِلِ لَمْ تَختَلِفْ الحَالُ :

– ابعِدوا هذا الجَالِسَ عَلَىَ الرَّصِيفِ عَنْ سَيَارَتِي

– أمرُك سَعَادَةُ البِيه

يَتَنَقَلُ بَينَ ذلك الرَّصِيفِ وذَاك صَفرَ اليَدَينِ ، تَصفَعُ الرِّيَاحُ الشَّوَارِعَ ، تَدمَعُ الغَيمَاتُ الدَّاكِنَةُ ، أعيَاه الجُوعُ ، يَقهَرُه الانتِظَارِ ، يَحُطُّ عَلَىَ الرَّصِيفِ بجَسَدِه ، تَسقُطُ هَامَتُه بَينَ رُكْبَتَيه ، تُلَاصِقُ عَينَاه الأسفَلتَ الأسوَدَ ، يَرحَلُ نَهَارٌ لَمْ تُعَانِقْه شَمْسٌ قَطْ ؛ ليَأتِيَ لَيلٌ فِي مَلابِسِ الحِدَادِ ، تَتَوَقَفُ لِجوَارِه سَيَارَةٌ تَبرُزُ مِنهَا يَدٌ بِوَرقةٍ تَستَطِيعُ أنْ تُؤَمِنَ لبَطنِه الخَاوِيةِ اليَومَ طَعَامًا ، يَلتَقِطُهَا ، يَتَأَمَلُهَا ، تَتَهَلَلُ أسَارِيرُه ، يُسرِعُ نَاظِرَاً للسَّمَاءِ ، يَلطُمُ الضَّوءُ الأخضَرُ السيَارَاتِ فتَنطَلِقُ ، تُخَضِّبُ دِمَاؤه الحَمرَاءُ رَصِيفَ الانتِظَارِ ، تَسِيلُ عَلَىَ الأسفَلتِ الأسوَدِ ربَّمَا وَجَدَت تَحتَه الدِفْءَ ، تَحمِلُ جُثَتَه عَرَبَةُ الإسعَافِ ، تَمضِي ، تُبَعثِرُ الرِّيَاحُ أقدَامَ المَارَةِ عَلَىَ الرَّصِيفِ ، تَعوِي السَّيَارَاتُ ، تَعدُو تَلتَهِمُ الأسفَلتَ اِلتِهَامًا ، وعَلَىَ بَابِ المَحِلِ يَقفُ مَالِكُه يُدَاعِبُ كَلبَه المُدَلَلَ :

– فليَخرُجْ أحَدُكمْ ليُنَظِفَ الرَّصِيفَ

– أمرُك مَعَالي البَاشَا