وحيدًا وأصغر من الليل
سرتُ طويلاً في دربٍ لا يشيخ، حيث تُطفئ الأشياء ضجيجها وتبقى تباشيرها تتساءل. تنهداتي لم تجد سكينةً تصغي لها، بل وجدت جسراً من صمتٍ يمرّ فوق قلبي. أمسكتُ بيمينه الزمن، فلم أفلح في حراسة اسمي. وجهي كان مرآةً ملتفة بخيوط الهروب، وعيناي توقفتا عن عد الوجوه التي تترنح داخلي.
بدايتي، يا إلهي، كانت هيئةً من الأوهام: خيوطٌ محبوكةٌ بيدِ انتظارٍ تتثاقل. الخوفُ رَقدَ في رُكَنٍ من صدري، لكنه لا ينام، يزحف كظلالٍ بلا تاريخ. قرأَتني الليالي ورسمت على راحتي لوحةَ كفاحٍ وتوبة، فمسحت خطايا الجراح بكفّ من لطفٍ مُكتسب. ثم تعلمتُ أن أُسامح، لا لأجل العالم، بل لأجلِ انفاسي، وأصبحتُ أرتشفُ لحنَ ابتعادي كما يرتشف السائر ماءَ الصحراء.
كنا أنا وأنا نقاتل بعضنا، نقحم الذات في ذات لا تعرفنا، ونبحث عن رسالةٍ تصلُ من بابٍ لم يُفتح بعد.
أين أنا؟ ظلت تسألني الطرقاتُ المهجورة، أم نُفيتُ من جسدي إلى زاويةٍ مهجورة؟
أضعتُ نفسي فأصبحتُ ضيفًا على غيابٍ طويل، لا تأويني البيوت، ولا تذكرني النوافذ. صارَ لي كتابٌ لم يُكتب؛ مسودةُ وجودٍ تترددُ على شفتيَّ ثم تهرب.
هنا، في غيبوبتي الخاصة، تذكرتُ كيف كنتُ أتعامل مع الألم: الانغماسُ كان احتفالاً مميتاً، والتحدي مرآةُ انتحارٍ بطيء. كل حناياي تأبى أن تُروى إلا عبر المرايا، والشهودُ على خيباتي هم أركانُ صدى داخلي.
أحكامُ العقلِ كانت سيوفاً بلا صدى، ورؤاي هروبٌ من مَدًى إلى مَدًى. كيف صرتُ دوني؟ كيف نُسِيت شهادةُ ميلادي؟ وكيف نُقِشت على صدري عبارةُ «عابرٌ» فقط؟
ولكني — رغم ضياعي — لم أنقطع: في كل خطوةٍ تلعثمت، اكتشفتُ لغةً جديدةً للوقوف. في كل خيبةٍ طُويت كفاً من الحزن، نما بداخلي جهدٌ صادقٌ اسمُهُ الصبر.
لم تعد الأحكامُ تحكمني وحدها، بل صار النورُ الذي أُضيئه أنا وحدي محاكماً للطريق.
تعلمت أن أستضيفُ فصلاً جديداً من الرحيل، وبين الطياتِ أدركتُ أني لم أُختَر لأبقى ضائعاً.
ليستْ نهايتي تنكيساً على بابِ العدم، بل عودةٌ هادئةٌ إلى ذات صارت تفهمُ أن الرحيلَ مدرسة. أرفعُ من رِقتي رايةَ المساء، وأُعلِنُ أن قلبي — وإن جاعَ لذكرى سابقة — قادرٌ على الإنشاء من جديد. سأمضي، لا لأهرب من نفسي هذه المرة، بل لأجوب قدسَ الأحلامِ وأنقشَ فيها اسمي بلسانٍ لا يرتعش.
هذه قصتي: لا مُعتَقةٌ في ذاكرةٍ مهجورة، بل مولودٌ من صفحتي، يشاركني النورَ، ويغادرُ الخوفَ حيثُ بدأ.
د. هدى عبده