قواعد حول الشماتة

52

الروائي والكاتب عزام حدبا

أكتب هذا المقال لتحليل شعور الشماتة الذي لمسناه عند العدو الاسرائيلي وعند بعض الأخوة العرب في اعقاب الحدث الأليم الذي أصاب مدينة بيروت.

القاعدة 40: الحكم على الشماتة متعلق بمعرفة سببها

غالبًا ما يُنظر إلى الشماتة على أنها صفة لاإخلاقية ناتجة عن رغبة خبيثة في التلذذ بمعاناة الآخر بدلا من التعاطف معه. على الرغم من كل ذلك، فإنه من الطبيعي في قصص الأطفال الخيالية أن نفرح حينما تنتهي القصة بدفع الساحرة الشريرة إلى الفرن أو بوقوع الذئب الشرير في البئر. لذلك، من حقنا أن نسأل: هل الشماتة شعور سيء للغاية دوما؟ أو يمكن تبريره أخلاقيًا في بعض الأحيان؟ من أجل تقييم أخلاق الشماتة، اعتمد الفلاسفة أحكامهم على تمييز ما يسعدنا حول مصائب الآخرين. يمكن تمييز ثلاثة مصادر على الأقل من الفرح، تظهر أحيانًا بشكل مستقل، وأحيانًا أخرى متشابكة مع بعضها البعض: الحقد الصافي، الشعور بالتفوق، والشعور بالعدالة.

القاعدة 41: الشماتة قد تكون تجليا للحقد

كان شوبنهاور من ابرز دعاة التعاطف اذ كان يعتبر شعور الشماتة مبنيا على الحقد. والشماتة عنده اسوأ من الأنانية. بالنسبة للأناني، تشكل محنة الآخرين وسيلة لتحقيق بعض الفوائد الإضافية لنفسه. على سبيل المثال، قد يفرح الأناني عندما يسقط الشخص الذي يمشي أمامه محفظته عن طريق الخطأ لأنه سيأخذها لنفسه. أما الشخص الذي يشعر بالشماتة فسيفرح لمعاناة الآخر حتى في غياب اي فائدة. وهكذا، فإن مصيبة الآخرين لها قيمة جوهرية بالنسبة له. لكن منهج شوبنهاور يجعل من الصعب فهم ما هو الجميل في معاناة الآخرين حتى نعتبره قيمة في حد ذاته. دعونا نتخيل أحد الجيران يصدم عمود الإنارة بسيارته الفاخرة أثناء القيادة. قد تتلف السيارة، ولكن ليس هناك فائدة مباشرة لنا. فلم نفرح؟

القاعدة 41: الشماتة قد تكون تجليا للاحساس بالتفوق

بعد رؤية الجار يضرب عمود الإنارة، يبتسم الرجل ويقول: يا له من غبي.. ما كنت لأقود السيارة قط بهذا الشكل.. ما كنت لأضرب العمود ابدا. إن مصائب الآخرين ليس لها قيمة ابدا في حد ذاتها. لكنها مع ذلك تلعب دورا فعالا: هي تلفت انتباهنا إلى عظمتنا ومواهبنا عبر المقارنة مع الآخر. لكن ينبغي التنبيه: على الرغم من أن الفرح يأتي من الشعور بالتفوق، فهذا لا يعني بالضرورة أن المميز هو من يشعر بالشماتة.. على العكس من ذلك الفاشل او المغبون هو من يكون لديه رغبة أكبر في رؤية نفسه في مكانة أفضل فتشكل المصيبة التي تصيب الآخر ذريعة جيدة ليشعر بالتفوق.. بشكل مؤقت بالطبع. هذه الشماتة المبنية على الغطرسة لا تحمل اي قيمة ايجابية في غياب وجود اي سبب للشعور بالتفوق. وهي لا تحمل اي معنى ايجابي حتى في حالة وجود سبب له. وفقًا لإيمانويل كانط ، يجب أن نتعامل دائمًا مع الآخر على أنه غاية في حد ذاتها، وليس على أنه مجرد وسيلة لتحقيق غاياتنا. والشخص المتغطرس يستخدم أشخاصًا آخرين كأحجار دونية يمكن أن يتألق فيها تفوقه على نحو مشرق وكأنهم أدوات توفر تعزيز مكانته وتفوقه.

القاعدة 42: الشماتة قد تكون تجليا للاحساس بالعدالة

على الرغم من أن الشماتة في العادة صفة من صفات الشخص المتغطرس وهذا يكون متحيزا في تقييمه للعدالة حيث يصور كل ما يصب في مصلحته على انه عادل. الا اننا لا نستبعد إمكانية أن تكون مصائب الآخر مستحقة في بعض الأحيان وقد نفرح بصدق لتحقق ميزان العدالة. على سبيل المثال، عندما يُعاقب الأشرار في نهاية قصة خرافية ، نحتفل بانتصار العدالة – أو على الأقل هذا ما نعتقده. في هذه الحالة ، يمكن اعتبار الشماتة، على الأقل نظريًا، عاطفة مناسبة أخلاقياً. فوفقا لقانون الكارما كل ما تفعله من خير أو شر سيرتد عليك يوما. Barbara Hepworth

القاعدة 43: التشوهات الفكرية والشماتة

لقد رأينا في القاعدة السابقة أن الشماتة المبنية على الاحساس بالعدالة مبررة.. على الأقل نظريا.. لكن هل هذا هو دافع معظم الناس للشماتة؟ في الحقيقة معظم الناس يستغلون هذا الباب لاشباع الحقد عندهم (السبب الأول) او رغبة التفوق (السبب الثاني) او كلاهما معا.. على سبيل المثال غالبًا ما نرى مصائب الآخرين مستحقة، ولكن

القاعدة 44: موقفنا من شماتة الآخرين

في قواعد سابقة ذكرنا ان على الانسان أن يتحكم بردة فعله.. وقلنا ان لا شيء يجبر الانسان ان يستفز عند حصول الإهانة.. انما هي ردة فعل نختارها نحن.. والشماتة نوع من الإهانة.. أنا شخصيا انصح القارىء أن لا يستفز من الشماتة للأسباب التالية: ان كنت مصابا لا سمح الله.. الا يكفيك حجم الإصابة ومأساتها حتى تشغل بالك بنظرة من لا يهمك أمره فيما حصل لك؟ الن يكون هذا نوعا من الغباء؟ اما بالنسبة لغير المصاب.. اسألك: ان كان الشامت عدوا لك فطبيعي ان يشمت بك لأني لا أظنك كنت ستمتنع عن الشماتة به لو كنت محله.. وهذه مناسبة لكي يدين كل انسان منا نفسه قبل ادانة الآخرين.. ليس من الإخلاقي ان تدين شماتة الآخرين ضدك ان كنت سبق ومارستها ضدهم أو ضد غيرهم. اما ان كنت انسانا منزها من هذه المشاعر القبيحة فأغلب الظن انك لن تهتم بها مثلي لا ايجابا ولا سلبا.. بل ستنظر اليها وتضحك.. ستشفق على صغار العقول الذي يشمتون بمصائب الناس.. من وجهة نظري لا تستفز الشماتة -بشكل جدي- الا من سبق وأن مارسها لأنه سيجد ان كل اللذة التي سبق وشعر بها حينما شمت بالآخر قد ارتدت عليه بشكل معاكس حينما انقلبت الأوضاع رأسا على عقب. استثني من ذلك الشخص الذي أحسن لشخص ما ثم وجده شامتا به عند مصابه اذ أفهم هنا حجم المصاب عنده. فالألم ها هنا ليس من فعل الشماتة نفسه انما من الشعور بالخذلان والخيانة وخيبة الامل (لأول مرة انتبه أن كل هذه الكلمات تبدأ بحرف الخاء). تبقى هناك نقطة واحدة مهمة.. لا يعنيني شماتة العدو ابدا انما اهتم بصدق بشماتة الصديق او من كنت اعتبره صديقا بالأحرى حتى لو مورست ضد شخص آخر لا يهمني أمره.. لأن من يفرح بمصيبة الآخرين هو شخص منحط سافل سيفرح بمصيبتك يوما بالتالي لا يصلح أن يكون صديقا.. فضلا عن ذلك هو انسان أحمق غبي سطحي يقيم الامور بظواهرها فلا يستحق أن تتواصل معه وتستفيد منه. (ضع خطين تحت كلمة الظواهر فهي تستحق منا مبحثا خاصا)

فائدة: الموقف الديني من الشماتة

دينيا تتفق النظرة الى الشماتة مع نظرية تحقق العدالة ولا ينبغي ان تطبق خارج هذا الاطار. قال الله تعالى عن نبيه موسى عليه السلام” : فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ “(الأعراف 150) – عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَشَمَاتَةِ الْأَعْدَاء”. هذا ويجوز الفرح بما يصيب الظالم من المصائب مصداقا لقوله تعالى: “وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ – وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ” (التوبة 14- 15).؛ فذلك يقلل من فسادهم وشرهم، أو يكف شيئًا من بأسهم، أو يكون عبرة وذكرى لهم ولغيرهم، أو غير ذلك مما يوافق مراد الشرع ولا يخالف الفطرة.