قُبلةٌ على جبينِ إبراهيم عبد المجيد 2

كتب سمير لوبه : 

« في محبة إبراهيم عبد المجيد »

مازالت معشوقتُه ومسرحُ كتاباتِه تفتحُ له الفضاءَ على قراءاتِه القديمةِ في الأساطيرِ الإغريقيةِ . 

إنَّها مدينتُه التي يحملُ اسمُها في التاريخِ عصرًا كاملًا كان يُسمَّى العصرُ السكندري ، وهو العصرُ الذي امتزجت فيه ثقافةُ مصرَ بثقافةِ اليونانِ والرومانِ بعدَ ظهورِ المدينةِ إلى الوجودِ في القرنِ الثالثِ قبلَ الميلادِ ، علماً أنَّ كلَ شيءٍ فيها الآنَ يتغيرُ وينتهي ، ولكن تظلًّ الذكرياتُ الحلوةُ .

ما زال يتذكرُ شقاوةَ الطفولةِ ، وركوبَ القطارِ الذي يتحرَّكُ ، والقفزُ منه أمامَ بيتِه في مساكنِ السكةِ الحديدِ ، وركوبَ السبنسةِ ، يفعلُ ذلك مع أقرانِه من أجلِ اللعبِ ، فكانت ذكرياتُ كرموز وكفر عشري و الورديان لاسيَّما مدرسةُ طاهر بك ، واللهو عندَ السلخانةِ مع الأقرانِ حتى” كوستا اليوناني ” بائعِ موادِ البوياتِ في أولِ يومٍ من شهرِ رمضانَ لم ينسْ ذكرياتِه معه ، وكذلك قهوةُ خفاجى و شركةُ الترسانةِ ، و ذكرياتِ المكسِ و مطعمِ سي جل وشاطئَ الدخيلةِ وقريةَ بيانكي العجمي ، ولا يغفل محطة الرمل ، والرملي بائعَ الكتبِ والصحفِ .  

تبثُ قناةُ النيلِ الثقافيةِ فيلماً تسجيلياً بعنوانِ ” صائد اليمام “. الفيلمُ كتبه ” مكاوي سعيد ” وأخرجه ” سامي إدريس ” وتعليقٌ صوتي ” شريف عامر” ، والذي يعرضُ السيرةَ الذاتيةَ للسكندري الجميلِ الروائي ” إبراهيم عبد المجيد ” 

فكان لقاؤنا والذي ترتب عليه أن أغوصُ في عالمِه السردي أنهلُ من نهرِ كتاباتِه ما يروي الظمأ ، فيسهمَ إبراهيم عبد المجيد عن غيرِ قصدِ في عودتي للأدبِ والكتابةِ السرديةِ بطريقٍ مباشرةٍ تأثراً بإبداعاتِه وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصرِ ( ثلاثية الإسكندرية ) وكأنَّها رسالةٌ تؤكدٌ أنَّني لن أنامَ في الإسكندريةِ حتى أنهلَ من رواياتِه إبداعاً لا ينضبُ نبعُه ، و تتوالى القراءاتُ لأجدني من مجاذيبِ إبراهيم عبد المجيد أهيمُ شوقاً في كتاباتِه .  

كنت قد بدأت رحلتي مع السردِ الأدبي مطلعَ التسعينياتِ وعلى مدى سنواتٍ أحاولُ فيها أن أجدَ مكاناً ، لم أجدْ غيرَ إحباطاتٍ وتجاهلٍ إلا من البعضِ أذكرُ هنا الأستاذ ” مجدي عبد النبي ” والإذاعية السكندرية ” مرڤت أبو المعاطي ” فكان توثيقُ أولَ مجموعاتي القصصيةِ في برنامجِ ” أدب الشاطئ ” إذاعة الإسكندرية وفي تلك الفترةِ كنت قد قابلت الأستاذ “حمدي الكنيسي ” في قصرِ تذوقِ ” سيدي جابر” وطلب مني الانتقالَ إلى القاهرة وهو ما كان صعباً عليَّ حينئذٍ فأنفقت السنوات مع الأدبِ دونَ جدوى مما جعلني أتخذُ القرارَ بالتوقفِ الطوعي عن الكتابةِ ؛ ليجفَّ مدادُ قلمي ، الذي كان يأملُ الكثيرَ فاصطدم بصخرةِ الواقعِ ، وكان التوقفُ والعزوفُ عن الكتابةِ قرابةَ العشرين عاماً دونَ إغفالِ القراءةِ لاسيَّما السرديةُ منها وإذا بقناةِ النيلِ الثقافيةِ تعرضُ السيرةَ الذاتيةَ لإبراهيم عبد المجيد فألتقي مع كتاباتِه في رواياتِه والتي حرصت على قراءتها جميعاً بنهمٍ شديدٍ وكانت البدايةُ مع ( لا أحد ينام في الإسكندرية ) تلتها طيورُ العنبرِ وغيمةٌ في الإسكندريةِ وبيتِ الياسمين وأداجيو .. إلخ تتبعت مقالاتِه بشغفٍ وشوقٍ جارفٍ ، وأبحرت بي سفينتي في بحرِ إبداعاتِ ورواياتِ إبراهيم عبد المجيد من مرفأ إلى مرفأ عبرَ موانئ كتاباتِه السرديةِ ؛ لتُبعثَ دماءُ الحياةِ في قلمي وتعودُ لقلمي الروحُ ؛ فأنطلقُ أنهلُ من كتابات إبراهيم عبد المجيد ومنها انطلقت أسبحُ في كتاباتِه وأنهلُ من نبعِها بنهمٍ ؛ فيبوحُ قلمي بحروفٍ بين الأوراق يخط مجموعتي القصصية ” كواليس ” والتي تحوي ثلاثةَ وخمسين قصةً قصيرةً وكانت فرحتي عارمةً يوم تواصلت مع إبراهيم عبد المجيد لتصلَه مجموعتي القصصية والتي طلب مني أن أرسلَها لمكتبة ” تنمية وسط البلد ” ويستمر التواصلُ وكم أفدت من نصحِه المخلصَ لي ، فكانت له أيادٍ بيضاء عليَّ ، وها أنا أعودُ للأدبِ بمجموعاتٍ قصصيةٍ ورواياتٍ وقراءاتٍ نقديةٍ ومقالاتٍ في الصحافةِ الإليكترونيةِ ، فكان لإبراهيم عبد المجيد الفضلُ الكبيرُ في حياتي الأدبيةِ وأبلغُ الأثرِ في كتاباتي ؛ فاستحق مني كلَ التقديرِ وأسمى آياتِ الشكرِ . 

بقلم سمير لوبه