المقالات والسياسه والادب
كأنهم خشب مسنده في الممر التاسع والأربعين

بقلم / محمد جابر
كاتب صحفي
ولجت إلى الممر التاسع والأربعين وأنا أحمل سؤالا يصارع الفكر وأملا كاد أن يوئد وإصرارا لا يهدأ في البحث عن إجابة متوارية خلف ضباب الزيف المستشري في تفاصيل المشهد العام
سؤال يراودني متجدد في وجعه هل يصلح أن تعتلي تلك الأمراض المنابر وتتقلد المناصب وتعلو لتغدو أيقونات مجتمعية يحتذى بها هل يعقل أن يصبح الزيف قدوة وأن يصفق للخلل ويغض الطرف عن التشوه هل بلغ بنا الحال هذا المبلغ من الانحدار حتى نمنح المرض وجها حضاريا ونلبسه عباءة القبول والرمزية
أو ما زلنا نتساءل بعد كل هذا لماذا انصرف الناس عن الحضور الحقيقي ولماذا عكفوا على التجمع حول ثقافات لا تغني فكرا ولا تهذب سلوكا بل تكرس السطحية وتغري بالتفاهة وتخدر الوعي
حين ترفع الأقنعة وتزين العلل يصبح من الطبيعي أن يدفن الوعي حيا وأن تخنق القيم وسط زحام التصفيق لما لا يستحق
ولأننا ما زلنا نؤمن أن للكلمة أثرها وأن للوعي فرصة مهما تأخر ولأننا نعلم أن تشخيص الداء هو أول أبواب الشفاء جئنا بهذا الممر لا لنسرد العابر منها بل لنلتقط ملامح السقوط كي نبصر بها طرق النهوض
تعودت أن أقص عليكم في هذه الممرات ما يتصل بالشأن العام ويشغل اهتمام الأغلبية ولم أكن يوما ممن يشخصنون الأمور أو يوجهون الحديث نحو الأفراد قدر المستطاع لكنني وجدت في هذا الممر شيئا يستحق التوقف والدراسة فهو يدور حول شخصية بعينها تتكرر بمسميات مختلفة وتلتف حولها فئة من المغيبين فاقدي الوعي والإدراك وبين تجمع سوق النخاسة وزخمه وسوق الفراغ وعدمه تدور احداث هذا الممر
إننا لا نسرد هنا للتشهير ولا لنقتنص عيوبا دفينة بل نروي ما يراه الناس وما يختلج في صدورهم وما يتبارزون به في مجالسهم حتى وصل الأمر إلى حد النفور الجماعي ولا نتناول حياة الأفراد الشخصية ما لم تنعكس بشكل مباشر على سلوكهم داخل هذا الممر أما إذا أصبحت تلك الحياة حديثا عاما ومثار نقاش بين العابرين فحينها يصبح من اللازم علينا تسليط الضوء عليها ضمن سياق الممر
كما عاهدناكم نشير إلى العلة من الرأس لا من الأطراف ثم نتابع أثرها في الجسد كله في الأرجل والتوابع والنواقص التي يتجسد بها الخلل البشري أينما كان
ومنذ أن بدأت معكم سرد هذه الممرات لم تكن الأشخاص هي ما يعنيني بذاتها بل كان همي دائما أن ألقي الضوء على نواقض الحقيقة لا على نواقص البشر غير أني في هذا الممر تحديدا وجدت أن من اللازم أن نسلط الضوء على من تحول إلى أيقونة مضللة كان له الدور الأبرز في اضمحلال الوعي وتغييب البصيرة
إنهم أولئك الذين يمتلكون من الزيف ما يكفي لتزيين الباطل وتسويد الحق يتقنون التمثيل ويتقن الناس التصفيق فيغدو الكذب شعارا والسطحية مضمونا ويموت الوعي تحت تصفيق حار لا ينقطع
هو شخص لا يشبه أحدا من فرط التناقض الذي يسكنه يحمل في داخله فراغا لا يمتلئ ونقصا لا يسد يمشي بين الناس رافعا رأسه كأنما الدنيا مدينة له وهو في الحقيقة لا يملك من أمر نفسه شيئا يظن نفسه محور الحديث وغاية الاهتمام ينظر إلى الآخرين من عل كأنهم خلقوا ليصفقوا له ويؤكدوا عظمته المتخيلة لا يسمع إلا صوته ولا يرى إلا صورته التي رسمها بوهمه
إذا تحدث خاض في كل شيء دون علم يخلط بين الرأي والمعرفة وبين الظن واليقين يضحك حين لا ينبغي ويغضب بلا سبب يعتقد أن كل من يخالفه حاقد وكل من ينصحه عدو لا يحتمل النقد ولا يقبل النصح يرى في الكلمة الموجهة إليه طعنا وفي التوجيه إهانة يرفض الاعتراف بجهله بل يسخر ممن يطلب العلم ويستهزئ بأهل الفهم
لديه حقد دفين لكل من له شأن يتضايق من رؤية النجاح في أعين غيره ويختنق كلما سمع مديحا لغيره لا يهنأ له بال إن رأى أحدا يعلو عليه في مكانة أو تقدير يحرقه التميز ويؤلمه التفوق لأنه يشعر أنه ينكش ضعفه من تحته ويضعه في مواجهة نفسه التي يحاول الهروب منها بكل وسيلة
ومع ذلك لا يتورع عن التملق لكل من له سلطة ينحني أمامهم ويبتسم ويوافق دون قناعة يقدم الولاء بحثا عن منفعة ولو على حساب كرامته لا يرى في القوة إلا أداة للركوع ولا في النفوذ إلا وسيلة للتسلق يبدل مواقفه حسب المكان والوجوه التي أمامه لا ثبات عنده ولا مبدأ كل شيء قابل للبيع إذا كان الثمن منصبا أو حماية أو تصفيقا
يعاني داخليا لكن كبرياءه يمنعه من الاعتراف لا يفهم نفسه ولا يدرك ما به من خلل يهاجم قبل أن يسأل ويسيء قبل أن يساء إليه يتظاهر بالقوة والعقل وهو هش الفكر مكسور النفس غارق في اضطراباته النفسية التي يهرب منها بالتهكم والتكبر يكره من ينجح لأنهم يفضحون فشله ويضيق بالمتفوقين لأنهم يعرونه أمام ذاته التي لا تحتمل المقارنة
لا يقرأ ولا يتعلم ولا يسأل لأن السؤال بالنسبة له ضعف والعلم رفاهية لا يستحقها في أعماقه شعور دائم بالنقص لكنه يواربه بالاستعلاء يعاني ولا يظهر يتألم ولا يعترف يدمر ما حوله وهو يظن أنه يصلح يؤذي وهو يظن أنه يرشد يعيش في عالم صنعه خياله المريض ورفض الخروج منه لأنه ببساطة المكان الوحيد الذي لا يشعر فيه أنه أقل من الجميع
تلك كانت العلة وعلينا التطهير من الداخل حتى نتمكن من الوصول إلى الممر الخمسين



