كانَ يَبتَسِمُ

95

| عثمان المصري

ونُفِخَتْ فِيَّ الرّوحُ…
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ لِأجِدَني في فُرنٍ تلظّى، كنتُ أظُنُّ حَسبَ ذاكِرَتي، في حَياتي السّابقةِ عِندَما كُنتُ قَمحًا، ومِنْ خِلالِ أحاديثِ النّاسِ حَولي في الحَقلِ، أنَّ عذابَ النّارِ يكونُ في نِهاية المَطافِ -عِقابًا لِلعُصاةِ- وليسَ في بدايتِهِ، ولكنَّني استيقظتُ لِأُبصِرَني وسطَ جَحيمِها، هَلْ كُنتُ مُذنِبًا؟!…
الجَوُّ خانقٌ، أكاد ألفظُ أَنفاسي، هَلْ مِنَ العدلِ مُفارقَةُ الحياةِ قبلَ دُخولِها؟!…
فجأةً فُتِحَ بابُ الفُرنِ وأُخرجتُ إلى الدُّنيا، كانَ المَكانُ مفعمًا بِرَوائحِ الكَعكِ الزَّكيّة والأرغِفة الطّازجة مِنْ أمثالي، وضِعتُ على أحَدِ الرُّفوف وحَولي أصدقاءٌ كُثُر، غَمَزَني أَحَدُ إخوتي: هاي.. أنتَ.. نَعَمْ أنتَ. لم أُعِرهُ اهتمامًا في بادِئ الأمر، لكنَّ الإنتظار طالَ، وأنا أرقبُ أُناسًا أصحاب بطونٍ مُنتفخة (عرفتُ فيما بعد أنَّهم يُطلقون عَلَيهِ اسْمَ “كرش”) يدخلونَ إلى الفُرن، ويجمعونَ أصنافَ الكعكِ والحَلَوِيّاتِ، ويخرجونَ غير آبهينَ بي أو بأحَدٍ من إخوتي الأرغِفة…
– أخي.. أعتذرُ لأنَّني تجاهلتُكَ مِنْ قَبلُ، هل نستطيعُ أن نتحدَّثَ قليلًا؟ (نادَيتُهُ بِلَهجَةٍ يغلبُ عَلَيها الرَّجاء)
لم يردّ على سؤالي، أحسسته منشغلًا ومترقِّبًا، لكنَّه دونَ سابِقِ إنذارٍ صَرَخَ بي: إفرَح يا هذا، أتى الفَرَج، سنُغادر هذا الرّف المُضجر…
في البداية لم أفهم قصدَه إلّا عندما رأيته ينظر إلى رَجُلٍ هزيلٍ أكَلَ الدَّهرُ وشَرِبَ فَوقَ سُحنته التي تَعِبَ التَّعَبُ مِنْ نَحتِ ملامِحِها، وُضعنا في كيسٍ بلاستيكِيٍّ شَفّافٍ وأخذنا الرّجلُ في رحلة إلى بيوتٍ قديمة صغيرة متراكمة كأنها وجدت بفعل عوامل الزّمن، وصلنا زقاقاً ضيقاً في آخره بابٌ ازدحمت عليه ثلّة أطفالٍ ترتعِد أوصالُ معِداتِهِم في تعابير وجوههم، تلقفنا أصغرهُم بفرحة عارمة وأخذ يشُمُّ الكيسَ وكأنّه يمسك بينَ يديهِ باقة زهور عطِرة…
أن تُعطي تلكَ سعادةٌ بحدِّ ذاتها، لمستُ ذلك بنفسي وأنا أُقَسَّمُ لقيماتٍ تعانقُ حبّاتِ الزيتون وترسم الإبتسامة فوق شفاه أطفالٍ بلغَ منهُمُ الجوعُ كُلَّ مبلغ، كانت الدنيا تبتعد مع كل لقمة تنتزع منّي، ولكن كنت أشعر بسلام غريب يجتاحني، آخر مشهدٍ رأيته هو أخي الرغيف الذي رافقني في رحلتي وقد أُكِلَ نصفُهُ أو يزيد، كان يبتسم…