المقالات والسياسه والادب

كلنا راحلون شئنا أم أبينا

بقلم د.جمال ابو المعاطي صالح استشاري الباطنة والقلب والسكر

في زحمة الحياة وضجيجها، ننسى الحقيقة الكبرى التي لا مهرب منها، وهي أننا راحلون، شئنا أم أبينا. نأتي إلى هذه الدنيا ضيوفًا مؤقتين، نعيش أيامًا معدودات، ثم نغادر، تاركين خلفنا ما صنعناه، وما قلناه، وما تركناه في قلوب الآخرين.

قال الله تعالى:

“كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ”

(سورة آل عمران، آية 185)

الموت ليس مفاجأة كما يتوهم البعض، بل هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الجدل. لا يُفرّق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف، ولا بين صغير وكبير. إنه العدل المطلق، والحد الفاصل بين الدنيا والآخرة.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: ماذا سيبقى بعد رحيلنا؟

فالناس يُنسَون بأجسادهم، ويُذكرون بأعمالهم. إن كان الأثر خيرًا، فخير، وإن كان غير ذلك، فهو على صاحبه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له.”

(رواه مسلم)

من يزرع الخير، يُثمر أثرًا طيبًا في القلوب، ويُبقي ذكراه عطرة بين الناس.

من يبتسم في وجه محتاج، من يعين ملهوفًا، من يعفو رغم قدرته على الانتقام، من ينشر العلم أو يربي أبناءه على التقوى والخلق… كل أولئك يتركون أثرًا لا يموت.

وكما قال الشاعر:

فكن رجلاً إن أتَوا بعدهُ

يقولونَ مرّ وهذا الأثَرْ

الحياة ليست بعدد السنين، بل بما نتركه فيها. فكم من شخص عاش عمرًا قصيرًا لكنه ترك أثرًا عظيمًا، وكم من آخر عاش طويلًا ولم يخلّف شيئًا يُذكر.

كلنا زائلون، ولكن الأثر باقٍ. فاجعل أثرك صدقة جارية، علمًا نافعًا، كلمة طيبة، سلوكًا يُقتدى به. لا تنتظر الكمال، ولكن اجتهد أن تكون سببًا في خير ما، مهما بدا صغيرًا.

قال الله تعالى:

“وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمكُثُ فِي الْأَرْضِ”

(سورة الرعد، آية 17)

وفي النهاية، نُودّع الدنيا، ونُدفن في باطن الأرض، ولكن تبقى أعمالنا تسير بين الناس، كأنها مرآة صامتة تروي حكايتنا بعد الرحيل.

فارحل وأنت تعلم أن لك في الحياة أثرًا يستحق البقاء

مقالات ذات صلة