المقالات والسياسه والادب

كناب نجوم في سماء الوطن (الجزء الأول)

 

للكاتب والمؤرح العسكري د. أحمد علي عطية الله

من أبطال الكتاب

أبطال سلاح المظلات

9- المقاتل ممدوح سرور (أسد المظلات)

صاحب 5 شهادات استشهاد في حرب أكتوبر

قد نكون سمعنا عن بطل في الحرب استخرجت له شهادة استشهاد من وحدته في إحدى العمليات ذات الخطورة الكبيرة ثم تفاجأ وحدته وأسرته بعودته بعد أن كانوا قد تلقوا العزاء في استشهاده، وأنا شخصيًا كتبت عن بطل استخرجت له شهادتي استشهاد خلال حرب أكتوبر المجيدة من قوات الصاعقة المصرية.. وكانت المفاجأة الكبرى أن ألتقي ببطل ذي خمس شهادات استشهاد ثلاثة مكتوبة واثنتان شفويتان.. فكان من الضروري أن نتتبع قصته المليئة بصور التضحية والبطولة والفداء لاسيما وأن قائد كتيبته قد أطلق عليه لقب “أسد المظلات” وطلب من زملائه بالوحدة ألا ينادونه سوى بهذا اللقب فقط.. 

فما هي حكايته؟

  اسمه ممدوح سرور أبو هاشم.. ولد بأحد الأحياء الشعبية بمدينة الجيزة في 17 أكتوبر 1952.. بعد أن أتم دراسته بالمرحلة الإعدادية عام 1967 التحق بمعهد التربية الرياضية بالمعادي، وعقب تخرجه منه بعد 3 سنوات اتفق مع زملائه من داخل المعهد ممن يفيضون بالحماسة وحب الوطن مثله على التطوع بالقوات المسلحة ليساهموا في تحقيق النصر واسترداد الأرض والكرامة لمصر والأخذ بالثأر..

  كان والده يريد له أن يكون ضمن صفوف الكتبة العسكريين.. ولكن اللياقة العالية التي أصقلها وجوده بمعهد التربية الرياضية جعلت أولى أهدافه الالتحاق بسلاح الصاعقة أو المظلات.. وبالفعل التحق الشاب عام 1970بمركز تدريب القوات الخاصة بعد ضم سلاحي الصاعقة والمظلات تحت قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي وكان مقر مركز التدريب في ذلك الوقت بمنطقة بالعامرية بعد استهداف موقع مدرسة الصاعقة بإنشاص لغارات مكثفة من طيران العدو بعدما لاقوه من عمليات قوات الصاعقة خلف خطوطهم.. 

  بعد أن تلقى عدة فرق شاقة منها فرقة معلمي الصاعقة, وفرقة صاعقة راقية الفرقة 148 تم توزيعه على سلاح المظلات وكان عمره لا يتعدى 18 عامًا فانضم إلى إحدى الكتائب بمنطقة إنشاص تحت قيادة اللواء أركان حرب عاطف منصب ابن مدينة السويس.. وهناك تلقى ممدوح جميع فرق المظلات والاستطلاع والاقتحام الجوي وكانت تلك الكتيبة مصنفة على أنها الكتيبة الأولى بين كتائب المظلات ولا تقبل في صفوفها إلا المميزين.

  ظل ممدوح في تدريبات مستمرة في الفترة التي سبقت حرب أكتوبر 1973 من خلال مشاريع الكتيبة والتي قد يستمر المشروع الواحد مدة 3 شهور في مناطق صحراوية ومناطق جبلية.. كان تدريبهم الأساسي على المهمة التي ستوكل لهم عند بدء الحرب وهي الإسقاط بمنطقة الممرات لمنع احتياطي العدو القادم من عمق سيناء في اتجاه القناة والتصدي له والاحتفاظ والتشبث بالأرض حتى وصول الجيوش الميدانية.. وكان من ضمن تدريبات تلك الكتيبة استخدام أسلحة وذخائر كل من الجيش المصري والجيش الإسرائيلي تحسبًا لنفاد ذخيرتهم أثناء المعركة فيتمكنوا من استخدام الأسلحة الإسرائيلية التي وقعت بحوزتهم أثناء المعركة..

  وقبيل حرب أكتوبر 1973 بحوالي 21 يومًا توقع ممدوح بحسه العسكري أنهم مقبلون على المعركة وكان وقتها ضمن تشكيل تابع لأحد ألوية المظلات الذي يقوده اللواء أركان حرب إسماعيل عزمي أسطورة سلاح المظلات.. شعر ممدوح بذلك عندما انتقلوا إلى منطقة انتظار بجوار مطار بلبيس متعدين منطقة الانتشار.

  وما لبثت أن اندلعت حرب السادس من أكتوبر ووحوش المظلات على أهبة الاستعداد للتحرك في أية لحظة.. شاهد سرور مع زملائه الطائرات المقاتلة المصرية متجهة شرقًا أحصوا منها حوالي 60 طائرة كانت محملة بالذخائر والصواريخ بصورة مختلفة عن ذي قبل.. وتأكد لهم أخبار بدء المعركة.. وبدأوا يسألون قادتهم متعجلين بدء المشاركة وطمأنهم قادتهم على أن دورهم قادم والجميع يمني نفسه بالهبوط في عمق سيناء بمنطقة الممرات ليؤدوا ما تدربوا عليه.. ومر يوم السادس من أكتوبر والسابع والثامن.. ولكن دور سرور ورفاقه لم يظهر بوضوح إلا عندما وصلت أخبار ليلة 13 -14 أكتوبر عن تسلل لبعض مدرعات العدو إلى غرب القناة بمنطقة الثغرة.. 

وهنا بدأت لحظات البطولة والفداء لبطلنا ممدوح سرور الذي تحرك ضمن تشكيل كتيبته مكلفين بدخول منطقة سرابيوم بضواحي الإسماعيلية يوم 16 أكتوبر للقضاء على تشكيل من 7 دبابات للعدو قيل أنها تسللت من الشرق للغرب في منطقة الثغرة وكانت تعتبر مهمة بسيطة جدًا لرجال المظلات يمكن أن ينهونها في دقائق معدودة، سارت كتيبة المظلات حوالي 22 كيلو متر في اتجاه الضفة الغربية للقناة للوصول إلى دبابات العدو وكلف قائد السرية الثانية النقيب محمد عبد الحي صلاح البطل ممدوح بقيادة مجموعة استطلاع تقترب لأقرب نقطة من منطقة الأشجار لاكتشاف العدو فوجد مدرعات كثيفة للعدو تكمن بمنطقة أشجار فواكه وترع ومصارف.. وفي حوالي التاسعة من مساء يوم 16 أكتوبر اصطدام كتيبة المظلات المصرية بقيادة الضابط البطل قائد الكتيبة كان المقدم عاطف محمد عبده منصف بمجموعة عمليات إسرائيلية مكونة من لوائي دبابات ومشاة ميكانيكي فضلًا عن كتيبة مظلات أي أن عدد دبابات العدو الموجودة بمزارع شجرية يزيد عن عدد الأفراد من مقاتلي كتيبة المظلات المصرية الأمر الذي سبب صدمة كبيرة لكتيبة المظلات المصرية.. وكان القرار الصائب من قائد الكتيبة المصرية البطل بالتراجع بقواته للاحتماء بمنطقة الساتر ترابي ثم إعادة توزيع المهام وإبلاغ القيادة بحقيقة الأمر، وكانت خطة القائد المصري اجتذاب الدبابات الإسرائيلية من المنطقة الشجرية التي تحتمي بها إلى منطقة مكشوفة ليسهل اقتناصها.. وأثناء ما كان قائد الكتيبة يكلف ثلاثة متطوعين من رجاله لهذه المهمة الاستشهادية لاجتذاب دبابات العدو للمنطقة المكشوفة وذلك بإلقاء القنابل اليدوية عليها ثم العودة بسرعة كبيرة لتكون في متناول الأسلحة المضادة للدبابات بالكتيبة المصرية كان البطل ممدوح سرور سباقًا لتنفيذ المهمة بمفرده وهو المتشوق للقاء العدو وتلقينه درسًا لا ينساه.. قام ممدوح سرور بلف ثلاثة قوايش مثبت بها 18قنبلة يدوية حول وسطه وبطنه وصدره وانطلق في اتجاه المنطقة الشجرية وباغت دبابات العدو بإلقاء القنابل اليدوية في فتحات أبراجها ومزاغل السائق متنقلًا من فوق دبابة لأخرى بسرعة كبيرة وبدأت القنابل تنفجر وأصوات الانفجار تبلغ كتيبة المظلات المصرية قبل أن ينتهي القائد المصري من تلقين رجاله الثلاثة مهامهم.. وعندما أفاقت الدبابات الإسرائيلية من صدمتها بعدما تكبدته من خسائر بلغت 6 دبابات ومجنزرتين بدأت في مطاردة هذا الجريء الجسور.. وبدأ سرور في الركض خارجًا من المنطقة الشجرية متجنبًا جنازير الدبابات المطاردة محتميًا بما في طريقه من حفر ومرتفعات ومنخفضات طبيعية لتجنب دانات العدو وطلقات رشاشاته.. وهنا أرسل قائد الكتيبة اثنين من زملاء سرور لمعاونته في تشتيت انتباه دبابات العدو.. وبالفعل تمكن أحد زملائه من حمايته الشهيد البطل عريف مجند أحمد عبد الدسوقي من القليوبية الذي توجه لأقرب دبابة تحاول دهس ممدوح سرور أسفل جنزيرها ولم يبقَ بينه وبينها سوى عدة أمتار فقفز داخل برج الدبابة مفجرًا نفسه في طاقمها مفتديًا زميله البطل ممدوح سرور.. رصد قناصو الدبابات من كتيبة المظلات المصرية حوالي 30 مجنزة إسرائيلية خرجت من المنطقة الشجرية في مطاردة البطل ممدوح سرور فتمكنوا من تدمير 9 دبابات للعدو قبل أن تتمكن باقي الدبابات الإسرائيلية من الفرار والعودة للاحتماء بالمنطقة الشجرية.. 

  ونظرًا لتحرك ممدوح سرور بدون أوامر فكان واجبًا أن يتلقى عقوبة ميدانية من قائد سريته محمد عبد الحي صلاح بعد مراجعة قائد الكتيبة.. نظر قائد الكتيبة إلى ممدوح بحسم بعدما علم ما قام به من قائده قائلًا:

أوعى تشتغل تاني بدون أوامر..

وافق على اعتماد العقوبة وكانت حرمان يومين من رصيد الأجازات (وبالطبع لم تكن هناك أجازات خلال المعركة) واشترط قائد الكتيبة أن يطلق على ممدوح سرور لقب (أسد المظلات) منذ هذه اللحظة ولا يناديه أحد إلا بهذا اللقب.. وقد صدق على هذا اللقب أيضًا قائد الجيش الثاني ويتذكر أنه تم إهداؤه كيس توجيه معنوي يحتوي على معجون أسنان.

  نظرًا لتواجد كتيبة المظلات المصرية بمنطقة ذات كثافة عالية من مدرعات العدو فقد صدرت لها الأوامر بالعودة إلى تشكيل لواء المظلات حتى يستكمل أفرادها وتستعوض أسلحتها وذخائرها هذا اللواء الذي يقوده وقتها العقيد إسماعيل عزمي وسط قصف جوي ومدفعي للعدو وأثناء عودة الكتيبة طلب قائد استطلاع اللواء والذي كان في موقع متقدم جندي استطلاع الكتيبة ممدوح سرور للاستفسار منه عن مشاهداته حول طبيعة قوات العدو التي اصطدم بها وهنا تخلف ممدوح عن الوصول مع رجال كتيبته إلى موقعهم الجديد وتم حصر الموجودين واعتبر غير الموجودين من الشهداء وبينهم ممدوح سرور الذي قام ابن عمه وكان بالمؤخرة بإنشاص بتلقي الخبر ولما كان والد ممدوح يمر عليه للاطمئنان على ابنه خلال المعركة لم يجرؤ على إخباره بما وصل إليه وجعل ضابط شئون الأفراد هو من يبلغه بنبأ استشهاده حتى دون أن يدري ممدوح نفسه بهذا الأمر وكانت تلك قصة أول شهادة استشهاد نالها خلال حرب أكتوبر.. 

  وتواصل وحدات لواء المظلات قتالها ضد مدرعات العدو وقواته بالثغرة متصدية لكل هجماته لاحتلال مدينة الإسماعيلية وكان شعارهم وهم يواجهون الموت: الله في القلب– مصر في الدم– الهدف في العقل وتواصل نضال وحدات لواء المظلات ضد مدرعات العدو بالثغرة مدافعًا باستماتة عن مدينة الإسماعيلية باذلًا من دماء وأرواح رجاله الكثير وتحركت الكتيبة إلى ميدان المعركة بتكليفات جديدة وهي الدفاع عن أخر نقطة دفاع عن مدينة الإسماعيلية وهي جبل مريم وتبة الشيخ حنيدق، تقدمت الكتيبة تحت قصف شديد من مدفعية وطيران العدو حتى أنها قطعت مسافة لا تزيد عن 7 كيلومترات في مدة بلغت الساعتين من الزمان.. وأخيرًا احتلت سرايا الكتيبة الجبل بالكامل وخلال الفترة من 18 أكتوبر حتى وقف إطلاق النار رسميًا يوم 22 أكتوبر 1973 لم يتوقف القصف ضد جبل مريم حتى أن الرئيس السادات اتصل بقائد الكتيبة يوم 20 أكتوبر مشجعًا قائلًا:

يا عاطف تمسك بالجبل لأخر طلقة وأخر جندي.. أنت أخر أمل لمصر في الدفاع عن الإسماعيلية.. 

فرد قائد الكتيبة قائلاً: 

لو تحرك جبل مريم من مكانه من شدة ضرب الإسرائيليين.. فلن يتحرك رجالي سنتيمترًا واحدًا يا ريس.. 

  وخلال ذلك قدمت إحدى سرايا كتيبة مظلات باللواء نموذجًا في التضحية والفداء بقيادة الشهيد نقيب عبد الرءُوف حلمي الذي كان قد تحرك في اتجاه الجسر الحجري بالقرب من مدينة الإسماعيلية منذ يوم 16 أكتوبر وظلوا يدافعون باستماتة من موقعهم الحصين عن الإسماعيلية لمدة 5 أيام حتى يوم 21 أكتوبر حتى نفد ما لديهم من طعام وشراب وهم صامدون ويوم 20 أكتوبر تسلل ثلاثة من أفراد السرية ليأتوا بإمداد لزملائهم وهم: رقيب أول السرية جلال محمد الوحش من محافظة المنوفية، وعريف محمد أبو السعود الدعدع خازن السرية من دمياط، وعريف عادل فتوح كاتب السرية من شبرا ساروا على أقدامهم حوالي 11 كيلومتر حتى وصلوا لقيادة الكتيبة وحكوا أحد المشاهد التي شاهدوها قبل أن يغادروا موقعهم وكانوا صائمين وتعيين الفرد ملء غطاء الزمزمية ماء في الإفطار وفي السحور وحدث اشتباك بينهم وبين دبابات العدو مساء يوم 20 أكتوبر استطاع رامي الأر بي جيه روماني محروس بطرس من المنيا تدمير إحدى الدبابات التي كانت قد أطلقت إحدى قذائفها في اتجاهه فأصابته شظية أدت إلى إصابته إصابة بليغة وهو في النزع الأخير يحاول رقيب أول السرية أن يعطيه جرعة ماء بغطاء الزمزمية ولكنه يرفض ويقول: إني سأموت الآن فاتركوا هذه الشربة لأحد زملائي الأحياء يتقوت بها ليمنعوا الإسرائيليين من دخول الإسماعيلية.. ويسلم الروح إلى بارئها.. 

تم إعداد مواد تموينية كافية للسرية وكلف البطل ممدوح سرور وزميله البطل محمد عبد الرءُوف ابن النوبة العملاق من مصاحبة الأبطال الثلاثة من السرية المحاصرة لموقع السرية محملين بخمس كراتين تعيين قتال وكل فرد 16 زمزمية مياه وتحركوا بعد آخر ضوء من يوم 21 أكتوبر ليصلوا بالقرب من موقع السرية ويكملوا باقي المسافة زحفًا وعندما وصلوا على بعد 200- 300 متر من الموقع في حوالي العاشرة مساءً وجدوا البلدوزرات الإسرائيلية تهيل التراب على الموقع بأكمله فعلموا أن أبطال المظلات بالسرية قد ماتوا جوعًا وعطشًا بعد نفاد ذخيرتهم دون أن يستسلموا بعد حصار استمر خمسة أيام منعوا العدو من التقدم خلالها.. فكان قرار جلال الوحش رقيب أول سريتهم العودة واحتسابهم شهداء وإبلاغ قائد الكتيبة الذي سأل إن كان بالإمكان بعد انتهاء المعركة تحديد مكان الشهداء.. فكانت إجابة الوحش وسرور: نعم إن مكانهم سيبقى محفورًا بالذاكرة..

تلك السرية التي استشهدت بأكملها ولم يتبقَ منها سوى هؤلاء الثلاثة..

قبيل وقف إطلاق النار في السادسة من مساء يوم 22 أكتوبر 1973 وقبيل عصر هذا اليوم تم تكليف البطل ممدوح سرور بقيادة مجموعة استطلاع من عشرة أبطال ليكونوا نقطة إنذار مبكر للكتيبة أمام جبل مريم في نقطة مجهزة مكونة من ثلاث غرف أسفل الأرض الأولى عند فتحة النقطة جهة الشمال ومخصصة للمعيشة والثانية التي تليها للأسلحة والذخائر أما الثالثة والأخيرة فللمراقبة والاشتباك من خلال فتحات مزاغل مساحتها 15×30 سم كان العدو يرصد تحرك هذه المجموعة ويصب عليهم وابلًا من قذائفه ولكنهم تمكنوا من الوصول للموقع وتحصنوا به ومع غروب شمس يوم 22 أكتوبر سقطت على موقعهم آخر قذيفة طيران تسقط على الجبهة قبل وقف إطلاق النار كانت عبارة عن قنبلة حوالي 2000 رطل أهالت الرمال على الموقع وأغلقت فتحته على من بداخله بعد حوالي النصف ساعة أفاق ممدوح ليجد نفسه بين ثلاثة من زملائه مصابين بإصابات بليغة حاول جاهدًا إسعافهم وهم علي عمار الذي استشهد في حوالي الثامنة مساءً وأحمد المكاوي الذي استشهد عند الواحدة بعد منتصف الليل وحسين حنفي الذي استشهد حوالي الثامنة من صباح اليوم التالي 23 أكتوبر.. ظل ممدوح سرور حبيسًا بهذا الموقع يتحرك بين زملائه الشهداء وبين المزاغل ليستنشق الهواء لمدة ثلاثة أيام أبلغت خلالها الكتيبة رسميًا باستشهاد جميع أفراد المجموعة العشرة الذين كانوا بهذا الموقع..

وعند الحادية عشرة من صباح يوم 25 أكتوبر تنبه ممدوح على أصوات حفر عند مكان مدخل الموقع وأصوات جنود ووقع أقدام عند فتحة المزغل فتوجه إلى فتحة المزغل سمع أصوات ولم يشاهد سوى البيادات وأطراف الأفرولات فعلم أنهم مصريون فأراد أن يلفت نظرهم لوجوده وكان خائر القوى ففك حربي البندقية المعدني وخبط بها على أقرب البيادات إليه فانحنى صاحب البيادة ليشاهد من بالداخل فتلاقت عينا ممدوح سرور مع عيني الملازم نشأت هدايت قائد الفصيلة الثالثة من سرية ممدوح الثانية ضمن وحدات الكتيبة 85 مظلات الذي سأله: هل يوجد أحد أخر على قيد الحياة؟

فأجابه ممدوح: لا لم يتبقَ غيري..

وبعد إخراج جثامين الشهداء تم إخراجه وطلب منه قائد الكتيبة الذهاب إلى العيادة والعودة إلى المؤخرة ليحظى بقسط من الراحة.. لكن ممدوح سرور أجابه بكل حسم أنه بخير وسيظل مع الكتيبة ولن يعود إلا معها.. 

كان أداء رجال المظلات رائعًا يتسم بالبطولة والإقدام الأمر الذي أذهل قيادات العدو بالثغرة وأرسلوا استغاثات إلى قياداتهم داخل الأراضي المحتلة التقطت قوات الاستطلاع المصرية إحداها وكانت لقائد عملية الثغرة أريل شارون يصرخ فيها مما فعله اللواء إسماعيل عزمي ولواؤه:

أنقذوني من قائد لواء المظلات المجنون وشياطينه.. مدرعاتي تدمر.. وقواتي تتآكل.. 

وقد أكد شارون على ذلك الأمر بعد المعركة بالإذاعة البريطانية عندما سئل في 26 يوليو عام 1978 لماذا لم تدخل الإسماعيلية؟؟ فأجاب: 

لو كنت أحارب شياطين الجن لدخلتها ولكني كنت أحارب قوات المظلات المصرية.

  ومن ضمن المعارك التي خاضتها وحدات المظلات في دفاعها عن الإسماعيلية ما أطلق عليها اسم “المعركة الموحولة” التي تمكن خلالها الرائد سعد مرجان (لواء فيما بعد) من تدمير جسر ترعة الإسماعيلية مما تسبب في غرز 60 دبابة للعدو في الوحل بمناطق أشجار الفاكهة فـ شلَّ حركتهم وأصبحوا هم وأطقمهم صيدًا سهلًا لرجال المظلات.. 

  بدءًا من يوم 5 نوفمبر 73 وحتى 22 فبراير 1973بدأ ما عرف بحرب الاستنزاف الثانية ضد القوات الإسرائيلية بالثغرة وانطلقت الكمائن ضد قوات العدو من جبل مريم.. كان العدو يستخدم برجًا معدنيًا يحمل مراقبًا وقناصًا فوق دبابة فكلف سرور بقيادة مجموعة من زملائه لتدمير أحد هذه الأبراج.. قام الرقيب حسن السقا بعمل دائرة تفجير بالسلك بعد القضاء على طاقم الدبابة بالسلاح الأبيض وبدأ إشعال فتيل التفجير ولما كان سرور آخر من يغادر المكان وشعر ببدء عملية التفجير قام بالتدحرج على الأرض مبتعدًا حتى وجد فجوة في الأرض احتمى بها لحظة سقوط البرج فوق المكان الذي يحتمي به وظل ليلتين محتجزًا بهذه الحفرة بالمنطقة التي تعج بالإسرائيليين وفي الليلة الثالثة عندما شاهد مغادرة الجنود الإسرائيليين للمكان قام بتخليص نفسه من الحفرة وعاد لوحدته بجبل مريم.. فوجد أن شهادة الوفاة الثالثة كانت قد صدرت له بعدما أبلغ زملاؤه قيادتهم أنه كان بمنطقة الانفجار.. 

  حدث اشتباك بتبادل النيران بالمدفعية بين القوات الإسرائيلية والقوات المصرية الموجودة بجبل مريم وأثناء الاشتباك أصابت شاظية ساق البطل ممدوح سرور فأزالت جزءًا من عضلة الساق فما كان منه إلا أن استخدم رباطه الميداني في تضميد الجرح حتى وصل إلى النقطة الطبية فطلب منه الطبيب أن يقوم بإخلائه إلى الخلف ليتلقى علاجه بالمستشفى ولكنه رفض مكتفيًا بالعلاج الميداني كما رفض طلب ضابط الشئون الإدارية يسري الشماع بعودته للخلف لتلقي العلاج ولكنه أصر على إكمال المعركة وقام بوضع بودرة البنسلين على الجرح بنفسه..

كلف ممدوح مرة أخرى بقيادة مجموعة بنسف أحد أبراج المراقبة المحمولة على عربتين مجنزرتين للحراسة بالقرب من إحدى القرى بالإسماعيلية وتم تنفيذ المهمة وتدمير البرج والمجنزرتين ولأن المدفعية الإسرائيلية بدأت في قصف المكان فدخل ممدوح إلى منطقة المنازل بالقرية للاحتماء بها وبدأ في إسعاف زميله الذي أصيب أثناء الاشتباك وكان بالخارج معركة واشتباك مدفعي فظل ممدوح وزميله محتمين بالمنزل الموجودين به لمدة يومين حتى هدأ الاشتباك فعادا إلى وحدتهما فوجدا أنه صدرت لهما شهادتي وفاة كانت الرابعة لممدوح سرور.. 

  وأثناء اشتباك للبطل مع قوات العدو خلف تبة حنيدق وكان يقود مجموعة ساترة للمجموعة التي يقودها الضابط سليمان الحضري لتلغيم الطريق الذي تمر عليه قوات العدو واستخدم ممدوح في اشتباكه قاذف آر بي جيه بحقيبة ليس بها سوى 3 طلقات ورشاش متوسط كلاشينكوف بعلبة بها 1000 طلقة أدت إلى قصف مدفعية العدو للمكان الذي يوجد به ولكنه تمكن من التسلل إلى إحدى الحفر بمنطقة شجرية وهدأ بها لمدة أربعة أيام حتى انتهى العدو من تمشيط المنطقة وعاد بعدها إلى وحدته بجبل مريم ليجد أن شهادة استشهاد جديدة قد صدرت له مع رسالة من قائد الكتيبة الذي علم بعودته يقول له: أنت غلّبت عزرائيل معاك..

وانتهت معركة أكتوبر وقد فرضت القوات المصرية إرادتها وأذاقت العدو صنوف العذاب وكانت أول أجازة لسرور بعد المعركة في 18مارس 1974 بعد سبعة أشهر وأسبوع قضاها على الجبهة بعد أخر أجازة له انتهت في 9 سبتمبر 1973

كان ممدوح هو الأخ الأصغر لثلاثة إخوة أكبر منه شاركوا جميعًا في حرب أكتوبر بأسلحة مختلفة: ماهر الأخ الأكبر كان ضمن وحدات المشاة بقطاع الجيش الثاني وأصيب خلال المعركة (متوفى حاليًا).

مختار كان مجند بالقوات الجوية مسئول عن تذخير الطائرات بقاعدة المنصورة.

محمد مجند بالدفاع الجوي بالسويس.

وصل ممدوح إلى مقر عمل والده بالجمعية العامة لمنتجي البطاطس بشارع القصر العيني في حوالي الثانية عشرة ظهرًا.. وقف والده أمامه مذهولًا وهو يرتدي زيه العسكري معلقًا حقيبته في كتفه حوالي عشر دقائق دون أن ينطق بكلمة واحدة قبل أن يتجه إليه متلمسًا كل جزء في جسده وممدوح يطمئنه أنه بخير فقال له والده: 

ألا تعلم أنني أبلغت بوفاتك ثلاث مرات.. وأقمت سرادقًا لتلقي العزاء فيك..

وطلب منه والده أن يذهب للمنزل ليطمئن الأسرة. 

كان إخوته الثلاثة قد سبقوه وإن كان الأكبر محتجزًا بالمستشفى لتلقي العلاج من إصابة أثناء المعركة.. أما والدته فقد بكت عندما رأته وقالت له: 

إيه اللي رجعك؟ أنت تعرف إنك برجوعك حرمتني من دخول الجنة كأم لشهيد.. لقد حمدت الله على عودة إخوتك الثلاثة واحتسبتك شهيدًا ستأخذ بيدي إلى الجنة.. ولكنك عدت!!

عقب حرب أكتوبر كان ممدوح ضمن وحدات المظلات التي تحمي حدود مصر شرقًا وغربًا ولعل أصعب الأوقات التي مر بها هي أثناء وجوده ضمن وحدة استطلاع متقدمة على الحدود الليبية عام 1978 لمدة 8 شهور بمنطقة وعرة تنتشر بها الزواحف والذئاب والألغام.

  شارك ممدوح ضمن التدريبات المشتركة بمناورة النجم الساطع مع الجانب الأمريكي ضمن 9 أفراد بقيادة أسامة الشيمي.. وكانت من ضمن التدريبات الهبوط على حبل معلق بطائرة وكان أقصى ارتفاع للهبوط على الحبل بالنسبة للأمريكان 30-40 مترًا وللصاعقة المصرية 60 مترًا.. ولكن سرور فجر مفاجأة عندما أعلن تحديه أمام الجميع بإمكانه الهبوط من ارتفاع 100 متر..

ولكن قائد الطائرة التي صعدت به لهذا الارتفاع الرائد طيار ماهر ميشيل طلب منه أن يكتب إقرارًا على نفسه قبل الصعود.. أما قائد اللواء العقيد أركان حرب عصام البرعي قال له: 

أنا غير مسئول عنك وإذا مت لن أقيم لك جنازة عسكرية..

ولكن ذلك لم يثنِ أسد المظلات عن تحديه ونفذ الهبوط على الحبل بنجاح من ارتفاع 100 متر محطمًا جميع الأرقام القياسية المصرية والعالمية الأمر الذي أدى إلى أن يأتي قائد قوات الانتشار السريع الأمريكي جنرال كانجستون قائد الفرقة 101 المحمولة جوًا والفرقة 82 مظلات ليقف بفخر أمام البطل ممدوح سرور ويؤدي له التحية العسكرية بل وخلع ونج المظلات الخاص به من على صدره ليعلقه للبطل ممدوح سرور..

  والآن بعد أن ترك البطل ممدوح سرور الخدمة العسكرية لم ينس دوره في تنمية الوطن فقد اشترى عدة أفدنة بالصحراء بالساحل الشمالي يقوم بزراعتها على ماء المطر لينتج قمحًا يساعد به في سد الفجوة الغذائية بمصر.. وهكذا أصحاب العطاء الجزيل لا يتأخرون عن بذل الجهد وبذر حبوب الخير.. والشجاعة 

وتفخر جمعية أصدقاء المحارب للتنم

ية أن يكون هذا البطل ضمن أعضائها ويحمل عضوية رقم (122)

مقالات ذات صلة