المقالات والسياسه والادب

لطافة زهايمر ٣

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار صوت الأرض
‏(الراوي…عجوز ….عجوزة)

لطافة زهايمر ٣

‏الرَّاوِي:
‏سَيِّدَاتِي سَادَتِي…
‏اَلْعَجُوزَانِ اللَّذَانِ تَرَوْنَهُمَا أَمَامَكُمْ الآنَ هُمَا نَفْسُهُمَا اللَّذَانِ ظَهَرَا فِي الْعَرْضِ الْمَاضِي.
‏أَقُولُ: «نَفْسُهُمَا» لِأَنَّ هَذَا مَا تَقُولُهُ الْأَوْرَاقُ…
‏أَمَّا هُمَا، فَغَالِبًا لَا يُصَدِّقَانِ الْأَوْرَاقَ، وَلَا يُصَدِّقَانِ بَعْضَهُمَا، وَلَا يُصَدِّقَانِ نَفْسَيْهِمَا.
‏رَاقِبُوا جَيِّدًا… سَتُلَاحِظُونَ أَنَّ الذَّاكِرَةَ عِنْدَهُمَا قَصِيرَةٌ،
‏وَلَكِنَّ الشِّجَارَ… ذَاكِرَتُهُ حَدِيدِيَّةٌ.
‏الْعَجُوزُ:
‏مَنْ أَنْتِ؟ وَلِمَاذَا تَجْلِسِينَ فِي غُرْفَةِ جُلُوسِي كَأَنَّكِ قِطْعَةُ أَثَاثٍ قَدِيمَةٌ؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏قِطْعَةُ أَثَاثٍ؟!
‏وَأَنْتَ مَاذَا تَكُونُ؟!
‏تَبْدُو لِي كَعَلَّاقَةِ مَلَابِسَ بِلَا مَلَابِسَ: تَقِفُ فِي الْوَسَطِ، وَلَا فَائِدَةَ مِنْكَ.
‏الْعَجُوزُ:
‏وَقِحَةٌ!
‏وَأَنْتِ مِثْلُ تِلْفَازٍ بِلَا إِشَارَةٍ: ضَجِيجٌ بِلَا صُورَةٍ.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏وَأَنْتَ مِثْلُ جِهَازِ تَحَكُّمٍ ضَائِعٍ: الْجَمِيعُ يَبْحَثُ عَنْهُ، وَعِنْدَمَا يَجِدُونَهُ يَكْتَشِفُونَ أَنَّهُ لَا يَعْمَلُ!
‏الْعَجُوزُ:
‏قُولِي لِي… مَنْ أَنْتِ أَصْلًا؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏الْحَمْدُ لِلَّهِ!
‏أَخِيرًا اعْتَرَفْتَ أَنَّكَ لَا تَعْرِفُنِي. هَذَا تَقَدُّمٌ فِي عَلَاقَتِنَا!
‏الْعَجُوزُ:
‏عَلَاقَتِنَا؟!
‏مَنْ وَضَعَ هَذَا الْفَخَّ فِي إِصْبَعِي؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏هَذَا خَاتَمُ الزَّوَاجِ!
‏الْعَجُوزُ:
‏زَوَاجٌ؟!
‏يَا لِلْمُصِيبَةِ… وَقَعْتُ فِي هَذَا مَرَّتَيْنِ إِذًا!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏أَرْبَعُونَ سَنَةً وَأَنَا أَعِيشُ مَعَكَ، وَأَنْتَ تَتَفَاجَأُ بِي كَأَنِّي فَاتُورَةُ كَهْرَبَاءٍ!
‏الْعَجُوزُ:
‏غَرِيبٌ… أَشْعُرُ أَنِّي أَعْرِفُ هَذَا الصَّوْتَ… إِنَّهُ نَفْسُ الصَّوْتِ الَّذِي يُوقِظُنِي وَيُزْعِجُنِي وَيَطْلُبُ مِنِّي أَشْيَاءَ.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏لِأَنِّي زَوْجَتُكَ.
‏الْعَجُوزُ:
‏وَأَيْنَ كَانَتِ الشُّرْطَةُ عِنْدَمَا حَدَثَ هَذَا؟
‏الرَّاوِي:
‏هَذَا الْحِوَارُ… دَارَ بَيْنَهُمَا أَمْسِ، وَقَبْلَهُ بِسَنَوَاتٍ، وَسَيَدُورُ غَدًا أَيْضًا.
‏إِنَّهُ الشَّيْءُ الْوَحِيدُ الَّذِي لَمْ يَنْسَيَاهُ قَطُّ.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏هَلْ أَكَلْتَ الْيَوْمَ؟
‏الْعَجُوزُ:
‏لَا.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏كَذَبْتَ. أَكَلْتَ قَبْلَ نِصْفِ سَاعَةٍ.
‏الْعَجُوزُ:
‏مَعَكِ؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏لِلْأَسَفِ.
‏الْعَجُوزُ:
‏إِذًا أَنْتِ السَّبَبُ فِي جُوعِي! هَذِهِ مُؤَامَرَةٌ زَوْجِيَّةٌ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏وَأَنْتَ مِثْلُ سَلَّةِ مُهْمَلَاتٍ: لَا تَمْتَلِئُ أَبَدًا، وَلَكِنَّ الرَّائِحَةَ دَائِمًا مَوْجُودَةٌ!
‏الْعَجُوزُ:
‏وَأَنْتِ مِثْلُ ثَلَّاجَةٍ مَفْتُوحَةٍ: أَنْظُرُ إِلَيْكِ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَلَا أَجِدُ مَا أُرِيدُ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏وَأَنْتَ نَسِيتَ أَيْنَ وَضَعْتَ أَسْنَانَكَ أَمْسِ!
‏الْعَجُوزُ:
‏وَأَنْتِ وَضَعْتِهَا فِي كَأْسِ الْمَاءِ كَأَنَّهَا سَمَكَةٌ مَيِّتَةٌ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏كُنْتُ أَنْقَعُهَا!
‏الْعَجُوزُ:
‏ثَلَاثَ سَاعَاتٍ؟! كَأَنَّكِ تَزْرَعِينَهَا!
‏الْعَجُوزُ:
‏قُولِي لِي… هَلْ نَحْنُ مُتَزَوِّجَانِ فِعْلًا؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏لَا أَدْرِي… وَلَكِنَّنَا نَتَشَاجَرُ كَأَنَّنَا نَفْعَلُ ذَلِكَ مُنْذُ الْعَصْرِ الْحَجَرِيِّ.
‏الْعَجُوزُ:
‏إِذًا نَحْنُ زَوْجَانِ.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏لِلْأَسَفِ.
‏الْعَجُوزُ:
‏لِلْأَسَفَيْنِ.
‏الرَّاوِي:
‏هُنَا، عَادَةً، يَتَذَكَّرَانِ شَيْئًا جَمِيلًا… وَلَكِنَّ ذَاكِرَتَهُمَا الْيَوْمَ فِي إِجَازَةٍ. فَلْنُكْمِلِ الشِّجَارَ.
‏الْعَجُوزُ:
‏أَنْتِ تُشْبِهِينَ مِظَلَّةً مَكْسُورَةً: لَا تَحْمِينِي مِنَ الْمَطَرِ، وَلَا تَتْرُكِينَنِي أَبْتَلُّ بِكَرَامَةٍ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏وَأَنْتَ تُشْبِهُ دُرْجًا يُصْدِرُ صَوْتًا: تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ وَلَا فَائِدَةَ!
‏الْعَجُوزُ:
‏وَأَنْتِ مِثْلُ سَاعَةٍ رَمْلِيَّةٍ… كُلَّمَا قَلَبْتُكِ اكْتَشَفْتُ أَنَّ الْوَقْتَ ضَاعَ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏وَأَنْتَ مِثْلُ كِتَابٍ مُمِلٍّ… كُلَّمَا حَاوَلْتُ إِغْلَاقَهُ فُتِحَ عَلَى نَفْسِ الصَّفْحَةِ!
‏الْعَجُوزُ:
‏رَغْمَ ذَلِكَ… أَشْعُرُ أَنِّي أَعْرِفُكِ.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏وَأَنَا أَشْعُرُ أَنِّي نَدِمْتُ عَلَى ذَلِكَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
‏الْعَجُوزُ:
‏إِذًا نَحْنُ زَوْجَانِ فِعْلًا.
‏الْعَجُوزَةُ:
‏يَبْدُو ذَلِكَ.
‏الْعَجُوزُ:
‏عَفْوًا… مَنْ أَنْتِ؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏إِذَا كُنْتَ لَا تَعْرِفُنِي… فَأَنْتَ ضَيْفٌ.
‏الْعَجُوزُ:
‏ضَيْفٌ؟! عَظِيمٌ! وَأَيْنَ أَضَعُ حَقِيبَتِي؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏هُنَاكَ.
‏الْعَجُوزُ:
‏لَكِنَّ هَذَا… الْخَارِجُ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏بِالضَّبْطِ. هَذَا جَنَاحُ الضُّيُوفِ.
‏الْعَجُوزُ:
‏لَحْظَةً… أَشْعُرُ أَنَّنَا مُتَزَوِّجَانِ!
‏الْعَجُوزَةُ:
‏مُمْتَازٌ. اعْتَبِرْهَا إِجَازَةً زَوْجِيَّةً فِي الْهَوَاءِ الطَّلْقِ.
‏الْعَجُوزُ (مِنْ خَلْفِ الْبَابِ):
‏حَسَنًا… وَلَكِنْ… فِي أَيِّ بَيْتٍ كُنْتُ أَسْكُنُ؟
‏الْعَجُوزَةُ:
‏(تُفَكِّرُ) فِي الْحَقِيقَةِ… أَنَا أَيْضًا لَا أَعْرِفُ!
‏الرَّاوِي:
‏وَهَكَذَا… لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَنْ خَرَجَ، وَلَا مَنْ بَقِي…

‏وَلَكِنَّ الْمُؤَكَّدَ أَنَّهُمَا غَدًا سَيَتَشَاجَرَانِ مِنْ جَدِيدٍ… مِنْ أَوَّلِ التَّحِيَّةِ.

مقالات ذات صلة