لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب ووالي مصر تعالو نتعرف من يكون

35

كتب وجدي نعمان

قيس بن سعد بن عبادة، هو صحابي جليل، والده الصحابي سعد بن عبادة دليم الأنصاري.

وُلد قيس بن سعد عام 60 هـ الموافق 680م، والده هو الصحابي الجليل سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري، وأمه بنت عم أبيه، واسمها فكيهة بنت عبيد بن دليم. كان لأسرة قيس، على عادة أثرياء وكرام العرب يومئذ، مناد يقف فوق مرتفع لهم وينادي الضيفان إلى طعامهم نهارا أو يوقد النار لتهدي الغريب الساري ليلا وكان الناس يومئذ يقولون :” من أحبّ الشحم، واللحم، فليأت أطم دليم بن حارثة”… ودليم بن حارثة، هو الجد الثاني لقيس ففي هذا البيت العريق أرضع قيس الجود والسماح.وقيل عن أبوه سعد : ” كان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره، بالواحد من المهاجرين، أو بالاثنين، أو بالثلاثة. وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين “. وكان قيس بن سعد من أطول الناس ومن أجملهم وكان لا ينبت بوجهه شعر كان الأنصار يعاملونه كزعيم منذ صغره كانوا يقولون:لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا.

قبل الإسلام

حين كان قيس، قبل الإسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها إلا من يحسب لدهائه ألف حساب فلما أسلم، علّمه الإسلام أن يعامل الناس بإخلاصه، لا بدهائه ومن ثمّ نحّى دهاءه جانبا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية وصار كلما واجه موقعا صعبا، يأخذه الحنين إلى دهائه المقيد، فيقول عبارته المأثورة: ” لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب”.

في عهد الرسول

كان قيس حامل راية الأنصار مع رسول الله، وكان من ذوي الرأي من الناس. خدم قيس بن سعد النبي عشر سنين، وفي صحيح البخاري عن أنس، كان قيس بن سعد من النبي بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وشهد مع رسول الله المشاهد كلها، وأخذ النبي يوم الفتح الراية من أبيه فدفعها إليه.[1]

في عهد الخلفاء الراشدين

شهد فتح مصر، واختط بها داراً، ثم ولاه علي بن أبي طالب إمارتها.

والي مصر

وكان علي بن أبي طالب قد ولاه على مصر فضاق به معاوية وأعجزته فيه الحيلة، وكايد فيه علياً ولم يتبع معاوية من مكايدة أعجب من مكايدته لقيس حين امتنع عن مبايعته إذ قال لأهل الشام «لا تسبُّوا قيساً ولا تَدْعوا إلى غزوه، فإن قيساً لنا شيعة، وأنه يجري على إخوانكم النازلين عنده بخربتا أعطياتهم وأرزاقهم» ـ وكان هؤلاء ممن شارك في فتح مصرـ فلما انتشر الخبر في العراق اتّهمّ علي بن أبي طالب قيساً وبعث إليه يأمره بقتال أهل خربتا فرفض قيس لأنهم وجوه أهل مصر وأشرافهم وأهل الحِفاظ وأنهم رضوا منه أن يؤمن سربهم ويجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم، فأبى علي عليه إلا قتالهم، فأبى قيس أن يقاتلهم وكتب إلى علي «إن كنت تتهمني فاعزلني وابعث غيري» فبعث الأشتر.

الرجوع للمدينة ووفاته

وبعد على بن أبي طالب كان مع الحسن بن علي حتى صالح معاوية. ورفض قيس بن سعد مبايعة معاوية حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم، ولم يلن له حتى أرسل معاوية إليه بسجل قد ختم عليه في أسفله حتى يكتب فيه قيس ما يشاء، فاشترط قيس فيه له ولشيعة علي على الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال ولم يسأل معاوية في سجله ذلك مالاً لنفسه، فرجع قيس إلى المدينة فأقام فيها حتى وفاته. توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة ستين للهجرة.

آثاره

كان أحد الفضلاء الجلّة المشهورين بالنجدة والسخاء والشجاعة، وكان أبوه وجده كذلك. ويقال إنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة مطعمون متتالون في بيت واحد إلا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم، ولا كان مثل ذلك في سائر العرب أيضاً، إلا ما كان من عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف وآبائه وأجداده. فقد كان قيس في جيش العسرة، وكان ينحر ويطعم حتى استدان بسبب ذلك، فنهاه أبو عبيدة بن الجراح عن ذلك.
وروي أن رجلاً استقرض منه ثلاثين ألفاً فلما ردها عليه أبى أن يقبلها، وقال: إنّا لا نعود في شيء أعطيناه.
وعن نافع قال: «مرّ ابن عمر على أطم سعد فقال لي: يا نافع هذا أطم جده، لقد كان مناديه ينادي يوماً في كل حول: من أراد الشحم واللحم فليأت دار دليم، فمات دليم فنادى منادي عبادة بمثل ذلك، ثم مات عبادة فنادى منادي سعد بمثل ذلك، ثم قد رأيت قيس بن سعد يفعل ذلك، وكان قيس جواداً من أجواد الناس».
وقيل إن دليماً جده كان يهدي إلى مناة الصنم كل عام عشر بَدَنَات، ثم كان عبادة يهديها كذلك، ثم كان سعد يهديها كذلك إلى أن أسلم، ثم أهداها قيس إلى الكعبة.
وعن جابرt قال: خرجنا في بعث كان عليهم قيس بن سعد بن عبادة فنحر لهم تسع ركائب، فلما قدموا على رسول اللهr ذكروا له ذلك من فعل قيس بن سعد، فقال رسول اللهr: «إن الجود من شيمة أهل ذلك البيت».
ومن مشهور أخبار قيس بن سعد ابن عبادة أنه كان له مال كثير ديوناً على الناس، فمرض واستبطأ عُوَّادَه، فقيل له: إنهم يستحيون من أجل دينك، فأمر منادياً ينادي: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو له، فأتاه الناس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه.
وكان من دهاة العرب، من أهل الرأي والمكيدة في الحرب. قال الزهري كان دهاة الناس في الفتنة خمسة، فعدّ من قريش معاوية وعمرو ابن العاص، ومن الأنصار قيس بن سعد، ومن ثقيف المغيرة بن شعبة، ومن المهاجرين عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي.
وكان مع علي قيس بن سعد وعبد الله، واعتزل المغيرة بن شعبة. صحب قيس علياً وشهد معه مشاهده، الجمل وصفين والنهروان هو وقومه، ولم يفارقه حتى قتل، وهو القائل بصفين:
هذا اللواء الذي كنا نحـفُّ بـهمع النبي وجبريـل لنا مددماضرَّ من كانت الأنصار عيبتهألا يكون له من غيرهم أحدقوم إذا حاربوا طالت أكفهمبالمشرفية حتى يفتح البلد

كان الأنصار يعاملونه على حداثة سنه كزعيم .. وكانوا يقولون : ” لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا ” .. ذلك أنه كان أجرد، ولم يكن ينقصه من صفات الزعامة في عرف قومه سوى اللحية التي كان الرجال يتوّجون بها وجوههم . فمن هذا الفتى الذي ودّ قومه لو يتنازلون عن أموالهم لقاء لحية تكسو وجهه، وتكمل الشكل الخارجي لعظمته الحقيقية، وزعامته المتفوقة .. ؟؟ انه قيس بن سعد بن عبادة .. من أجود بيوت لعرب وأعرقها .. البيت الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام : ” ان الجود شيمة أهل هذا البيت ” … وانه الداهية الذي يتفجر حيلة، ومهارة، وذكاء، والذي قال عن نفسه وهو صادق : ” لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب “. . !! ذلك أنه حادّ الذكاء، واسع الحيلة، متوقّد الذهن . ولقد كان مكانه يوم صفين مع علي ضدّ معاوية .. وكان يجلس مع نفسه فيرسم الخدعة التي يمكن أن يؤدي بمعاوية وبمن معه في يوم أو ببعض يوم، بيد أنه يتفحص خدعته هذه التي تفتق عنها ذكاؤه فيجدها من المكر السيء الخطر، ثم يذكر قول الله سبحانه : (ولا يحيق المكر السوء الا بأهله) .. فيهبّ من فوره مستنكرا، ومستغفرا، ولسان حاله يقول : ” والله لئن قدّر لمعاوية أن يغلبنا، فلن يغلبنا بذكائه، بل بورعنا وتقوانا”.. !! ان هذا الأنصاري الخزرجي من بيت زعامة عظيم، ورث المكارم كابرا عن كابر .. فهو ابن سعد بن عبادة، زعيم الخزرج الذي سيكون لنا معه فيما بعد لقاء .. وحين أسلم سعد أخذ بيد ابنه قيس وقدّمه الى الرسول قائلا : ” هذا خادمك يا رسول الله ” .. ورأى لرسول في قيس كل سمات التفوّق وأمائر الصلاح .. فأدناه منه وقرّبه اليه وظل قيس صاحب هذه المكانة دائما ..
يقول أنس صاحب رسول الله : ” كان قيس بن سعد من النبي، بمكان صاحب الشرطة من الأمير ” .. وحين كان قيس، قبل الاسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها الا من يحسب لدهائه ألف حساب .. فلما أسلم، علّمه الاسلام أن يعامل الناس باخلاصه، لا بدهائه، ولقد كان ابنا بارّا للاسلام، ومن ثمّ نحّى دهاءه جانبا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية .. وصار كلما واجه موقعا صعبا، يأخذه الحنين الى دهائه المقيد، فيقول عبارته المأثورة : ” لولا الاسلام، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب ” … !! ولم يكن بين خصاله ما يفوق ذكائه سوى جوده.. ولم يكن الجود خلقا طارئا على قيس، فهو من بيت عريق في الجود والسخاء، كان لأسرة قيس، على عادة أثرياء وكرام العرب يومئذ، مناد يقف فوق مرتفع لهم وينادي الضيفان الى طعامهم نهارا … أو يوقد النار لتهدي الغريب الساري ليلا .. وكان الناس يومئذ يقولون : ” من أحبّ الشحم، واللحم، فليأت أطم دليم بن حارثة ” … ودليم بن حارثة، هو الجد الثاني لقيس .. ففي هذا البيت العريق أرضع قيس الجود والسماح .. تحّدث يوما أبا بكر وعمر حول جود قيس وسخائه وقالا : ” لو تركنا هذا الفتى لسخائه، لأهلك مال أبيه “.. وعلم سعد بن عبادة بمقالتهما عن ابنه قيس، فصاح قائلا : ” من يعذرني من أبي قحافة، وابن الخطّاب .. يبخلان عليّ ابني “.. !! وأقرض أحد اخوانه المعسرين يوما قرضا كبيرا .. وفي الموعد المضروب للوفاء ذهب الرجل يردّ الى قيس قرضه فأبى أن يقبله وقال : ” انا لا نعود في شيء أعطيناه ” .. !! وللفطرة الانسانية نهج لا يتخلف، وسنّة لا تتبدّل .. فحيث يوجد الجود توجد الشجاعة .. أجل ان الجود الحقيقي والشجاعة الحقيقية توأمان، لا يتخلف أحدهما عن الاخر أبدا .. واذا وجدت جودا ولم تجد شجاعة فاعلم أن هذا الذي تراه ليس جودا.. وانما هو مظهر فارغ وكاذب من مظاهر الزهو الأدّعاء … واذا وجدت شجاعة لا يصاحبها جود، فاعلم أنها ليست شجاعة، انما هي نزوة من نزوات التهوّر والطيش … ولما كان قيس بن سعد يمسك أعنة الجود بيمينه فقد كان يمسك بذات اليمين أعنّة الشجاعة والاقدام .. لكأنه المعنيّ بقول الشاعر :اذا ما راية رفعت لمجد   تلقاها عرابة باليمين
تألقت شجاعته في جميع المشاهد التي صاحب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حيّ .. وواصلت تألقها، في المشاهد التي خاضها بعد أن ذهب الرسول الى الرفيق الأعلى .. والشجاعة التي تعتمد على الصدق بدل الدهاء .. وتتوسل بالوضوح والماوجهة، لا بالمناورة والمراوغة، تحمّل صاحبها من المصاعب والمشاق من يؤوده ويضنيه .. ومنذ ألقى قيس وراء ظهره، قدرته الخارقة على الدهاء والمناورة، وحمل هذا الطراز من الشجاعة المسفرة الواضحة، وهو قرير العين بما تسببه له من متاعب وما تجلبه من تبعات … ان الشجاعة الحقة تنقذف من اقتناع صاحبها وحده .. هذا الاقتناع الذي لا تكوّنه شهوة أو نزوة، انما يكوّنه الصدق مع النفس، والاخلاص للحق … وهكذا حين نشب الخلاف بين عليّ ومعاوية، نرى قيسا يخلوبنفسه، ويبحث عن الحق من خلال اقتناعه، حتى اذا ما رآه مع عليّ ينهض الى جواره شامخا، قويا مستبسلا .. وفي معارك صفّين، والجمل، ونهروان، كان قيس أحد أبطالها المستبسلين .. كان يحمل لواء الأنصار وهو يصيح :

هذا اللواء الذي كنا نخفّ به مع النبي وجبريل لنا مدد ما ضرّ من كانت الأنصار عيبته ألا يكون له من غيرهم أحد ولقد ولاه الامام عليّ حكم مصر.. وكانت عين معاوية على مصر دائما … كان ينظر اليها كأثمن درّة في تاجه المنتظر … من أجل ذلك لم يكد يرى قيسا يتولى امارتها حتى جنّ جنونه وخشي أن يحول قيس بينه وبين مصر الى الأبد، حتى لو انتصر هو على الامام عليّ انتصارا حاسما .. وهكذا راح بكل وسائله الماكرة، وحيله التي لا تحجم عن أمر، يدسّ عند علي ضدّ قيس، حتى استدعاه الامام من مصر .. وهنا وجد قيس فرصة سعيدة ليستكمل ذكاءه استعمالا مشروعا، فلقد أدرك بفطنته أن معاوية لعب ضدّه هذه اللعبة بعد أن فشل في استمالته الى جانبه، لكي يوغر صدره ضدّ الامام علي، ولكي يضائل من ولائه له .. واذن فخير رد على دهاء معاوية هو المزيد من الولاء لعليّ وللحق الذي يمثله عليّ، والذي هو في نفس الوقت مناط الاقتناع الرشيد والأكيد لقيس بن سعد بن عبادة .. وهكذا لم يحس لحظة أن عليّا عزله عن مصر .. فما الولاية، وما الامارة، وما المناصب كلها عند قيس الا أدوات يخدم بها عقيدته ودينه .. ولئن كانت امارته على مصر وسيلة لخدمة الحق، فان موقفه بجوار عليّ فوق أرض المعركة وسيلة أخرى لا تقل أهميّة ولا روعة .. وتبلغ شجاعة قيس ذروة صدقها ونهاها، بعد استشهاد عليّ وبيعة الحسن .. لقد اقتنع قيس بأن الحسن رضي الله عنه، هو الوارث الشرعي للامامة فبايعه ووقف الى جانبه غير ملق الى الأخطار وبالا .. وحين يضطرّهم معاوية لامشاق السيوف، ينهض قيس فيقود خمسة آلاف من الذين حلقوا رؤوسهم حدادا على الامام علي .. ويؤثر الحسن أن يضمّد جراح المسلمين التي طال شحوبها، ويضع حدّا للقتال المفني المبيد فيفاوض معاوية ثم يبايعه .. هنا يدير قيس خواطره على المسألة من جديد، فيرى أنه مهما يكن في موقف الحسن من الصواب، فان لجنود قيس في ذمّته حق الشورى في اختيار المصير، وهكذا يجمعهم ويخطب فيهم قائلا : ” ان شئتم جالدت بكم حتى يموت الأعجل منا، وان شئتم أخذت لكم أمانا … واختار جنوده الأمر الثاني، فأخذ لهم الامان من معاوية الذي ملأ الحبور نفسه حين رأى مقاديره تريحه من أقوى خصومه شكيمة وأخطرهم عاقبة … وفي المدينة المنوّرة، عام تسع وخمسين، مات الداهية الذي روّض الاسلام دهاءه .. مات الرجل الذي كان يقول : لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة ” .. أجل .. ومات تاركا وراءه عبير رجل أمين على كل ما للاسلام عنده من ذمّة، وعهد وميثاق