لَيْلَةُ الْقَدْرِ ليلة العمر

19

بقلم د/ محمد بركات

لَيْلَةُ الْقَدْرِ ليلة العمر {2}

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

ثم لعظم وقدر هذه الليلة المباركة انظر ما يُشرَعُ فيها
المسألة الأولى: القيامُ
يُشرَعُ في هذه الليلةِ الشَّريفةِ قيامُ لَيلِها بالصَّلاةِ.

الدَّليل منَ السُّنَّة:

عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (ومن قامَ ليلةَ القَدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقَدَّمَ مِن ذَنبِه )(رواه البخاري (2014)، ومسلم (760).

كذلك يُشرَعُ في ليلةِ القَدرِ الاعتكافُ؛ فقد كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يعتَكِفُ في العَشْرِ الأواخِرِ؛ التماسًا لِلَيلةِ القَدْرِ.

ودليل ذلك ما جاء عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (من كان اعتكَفَ معي، فلْيعتكِفِ العَشرَ الأواخِرَ، وقد أُريتُ هذه الليلةَ ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ مِن صَبيحَتِها فالتَمِسوها في العَشرِ الأواخِرِ، والتَمِسوها في كُلِّ وِترٍ )
(رواه البخاري (2027)، واللفظ له، ومسلم (1167).

ومما يُشرَعُ في هذه الليلة المباركة الدُّعاءُ فيها والتقَرُّبُ به إلى اللهِ تبارك وتعالى.

لما جاء عن أم المؤمنين عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: (قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ عَلِمْتُ أيُّ ليلةٍ ليلةُ القَدرِ، ما أقولُ فيها؟ قال: قُولي: اللَّهُمَّ، إنِكَّ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفوَ فاعْفُ عَنِّي )
(رواه أحمد (6/171) (25423)، والترمذي (3513)، وابن ماجة (3850)، والنسائي في (السنن الكبرى) (4/407) (7712)، والحاكم (1/712)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (3/338) (3700).
قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال النووي في (الأذكار)(247): إسناده صحيح، وصححه ابن القيم في ((أعلام الموقعين) (4/249)، والألباني في (صحيح الترمذي) (3513) قال الدارقطني رحمه الله في سُنَنِه (3/233): “هذه كلها مراسيلُ؛ ابنُ بُريدةَ لم يسمَعْ من عائشةَ شَيئًا” وقال البيهقي في السنن الكبرى(7/118):”وهذا مرسلٌ؛ ابنُ بريدةَ لم يسمَعْ من عائشةَ” .
ويشرع فيها كذلك العَمَلُ الصَّالِحُ
قال الله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [سورة القدر، الآية: 3].

قال كثيرٌ مِنَ المُفَسِّرينَ: أي: العَمَلُ فيها خيرٌ مِنَ العَمَلِ في ألفِ شَهرٍ، ليس فيها ليلةُ القَدْرِ؛ ففي تلك الليلةِ يُقسَمُ الخيرُ الكثيرُ الذي لا يُوجَدُ مِثلُه في ألفِ شَهرٍ (تفسير القرطبي) (20/131).

وما هو وقتُ ليلةِ القَدرِ وعلامَتُها؟

ليلةُ القَدْرِ تقع في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وهي في الأوتارِ أقرَبُ مِنَ الأشفاعِ، وهو مذهبُ الشَّافِعيَّة (قال النووي: (مذهَبُنا ومذهَبُ جُمهورِ العُلَماءِ أنَّها في العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ وفي أوتارِها أرجى) (روضة الطالبين) (2/389)، (مغني المحتاج) للشربيني (1/449).

(كشاف القناع) للبهوتي (2/344)، وينظر: (المغني) لابن قدامة (3/182).
(القوانين الفقهية) لابن جزي (ص 85)، (الفواكه الدواني) للنفراوي (2/740).

قال ابنُ تيمية: (ليلةُ القَدرِ في العَشرِ الأواخِرِ مِن شَهرِ رمضان، هكذا صحَّ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ أنَّه قال: هي في العَشرِ الأواخِرِ مِن رمضان، وتكونُ في الوِترِ منها) (مجموع الفتاوى) (25/284).

قال الصنعاني: (وجمع بين الرِّواياتِ بأنَّ العَشرَ للاحتياطِ منها، وكذلك السَّبع والتِّسع لأن ذلك هو المَظِنَّة، وهو أقصى ما يُظَنُّ فيه الإدراكُ) (سبل السلام) (2/176).

قال ابنُ باز: (والرَّاجِحُ أنَّها متنقِّلةٌ في ليالي العَشرِ كُلِّها، وأوتارُها أحرى، وليلةُ سَبعٍ وعشرين آكَدُ الأوتارِ في ذلك، ومن اجتهَدَ في العَشرِ كُلِّها في الصَّلاةِ والقُرآنِ والدُّعاءِ وغَيرِ ذلك مِن وُجوهِ الخَيرِ، أدرك ليلةَ القَدْرِ بلا شكٍّ، وفاز بما وعَدَ اللهُ به مَن قامَها، إذا فعل ذلك إيمانًا واحتسابًا) (مجموع فتاوى ابن باز) (6/399).

(قال ابنُ عُثيمين: (وليلةُ القَدْرِ في العَشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ.. وهي في الأوتارِ أقرَبُ من الأشفاعِ.. وهي في السَّبعِ الأواخِرِ أقرَبُ..) (مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين) (20/346-347). ، والحَنابِلة ، وقولٌ للمالكيَّة ، واختاره ابنُ تيميَّةَ والصنعانيُّ ، وابنُ باز ، وابنُ عُثيمين .
والأدِلَّة علي ذلك منَ السُّنَّة المطهرة:

ما جاء عن أم المؤمنين عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (تَحَرَّوْا ليلةَ القَدْرِ في الوِترِ مِنَ العَشرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ ) ( رواه البخاري (2017)، ومسلم (1169).

وما جاء عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، (أنَّ رجالًا مِن أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُرُوا ليلةَ القَدْرِ في المنامِ في السَّبعِ الأواخِرِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرى رُؤيَاكم قد تواطَأَتْ في السَّبعِ الأواخِرِ، فمن كان مُتَحَرِّيَها فلْيتحَرَّها في السَّبعِ الأواخِرِ ) رواه البخاري (2015)، ومسلم (1165).

وكذلك عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (رأى رجلٌ أنَّ ليلةَ القَدْرِ ليلةَ سَبعٍ وعشرينَ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أرى رُؤياكم في العَشْرِ الأواخِرِ، فاطلُبوها في الوِترِ منها )( رواه البخاري (6991)، ومسلم (1165).

وما جاء عنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((التَمِسُوها في العَشرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ، ليلةُ القَدْرِ في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى )رواه البخاري (2021). .

و هل ليلةُ القَدْرِ تتنقَّلُ أم هي ثابتةٌ؟
في الحقيقة والثابت أنها لا تختَصُّ بليلةٍ مُعَيَّنةٍ في جميعِ الأعوامِ، بل تتنقَّلُ في ليالي العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، وهو مَذهَبُ الشَّافِعيَّة ، والحَنابِلة ، وقولٌ عند المالكيِّة وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العلم .
(المجموع) للنووي (6/450).
(الإنصاف) للمرداوي (3/354).
(الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي) (1/551)، وينظر: (القوانين الفقهية) لابن جزي (ص: 85)، (المقدمات الممهدات) لابن رشد (1/267).
(المقدمات الممهدات) لابن رشد (1/267)، (فتح القدير) للكمال ابن الهمام (2/389).

جاء عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (كنتُ أجاوِرُ هذه العَشْرَ، ثم قد بدا لي أن أجاوِرَ هذه العَشْرَ الأواخِر، فمن كان اعتَكَفَ معي فلْيَثْبُتْ في مُعتَكَفِه، وقد أُرِيتُ هذه الليلةَ، ثم أُنْسِيتُها
( مِن أسبابِ إخفاءِ ليلةِ القدْر عن العِباد؛ ليَكثُرَ عملُهم في طَلَبِها في تلك الليالي الفاضِلة، بالصَّلاةِ والذِّكرِ والدُّعاءِ؛ فيزدادوا قُربةً مِنَ الله وثوابًا، وكذلك ليتبيَّنَ مَن كان جادًّا في طَلَبِها، حريصًا عليها، ممَّن كان كسلانَ مُتهاوِنًا، فإنَّ مَن حرَص على شيءٍ، جَدَّ في طَلَبِه، وهان عليه التَّعبُ في سبيلِ الوُصولِ إليه، والظَّفَرِ به.ينظر: (( مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين) (20/347).

، فابتَغُوها في العَشْرِ الأواخِرِ، وابتَغُوها في كلِّ وِترٍ، وقد رأيتُني أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ، فاستهَلَّتِ السَّماءُ في تلك الليلةِ فأمطَرَت، فوَكَف المسجِدُ في مُصَلَّى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليلةَ إحدى وعشرينَ، فبَصُرَتْ عيني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونَظَرْتُ إليه انصَرَفَ مِنَ الصُّبْحِ ووجهُه ممتلئٌ طينًا وماءً )
( رواه البخاري (2108)، واللفظ له، ومسلم (1167).

عن عبدِ اللهِ بنِ أُنَيسٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (أُرِيتُ ليلةَ القَدْرِ ثمَّ أُنْسِيتُها، وأُراني صُبْحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ، قال: فمُطِرْنَا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرينَ، فصلَّى بنا رسولُ الله، فانصرَفَ، وإنَّ أثَرَ الماءِ والطِّينِ على جَبهَتِه وأنفِه ) رواه مسلم (1168) .

اللهم ارزقنا ثواب الطاعة والعبادة واجعلنا من أهل ليلة القدر يا أرحم الرّاحمين