محطة القطر قصة قصيرة

كتب سمير لوبه 

 

 

” محطة القطر ” قصة قصيرة

انتهى لتوِه من جردِ المخازنِ ، وقد تأخر الوقتُ في ذلك اليومِ المطيرِ ، يسرعُ ليلحقَ ربما بالقطارِ الأخيرِ ، يدخلُ محطةَ القطارِ ، والتي خلت من روادِها ، إلا من جسدٍ ملقى على أرضيةِ الرصيفِ لمسنٍ مشردٍ ، قد اكتسى جلدُه العاري بأثرِ الوحلِ ، ملابسُه رثةٌ باليةٌ ، تكشفُ عن كثيرٍ من جسدِه الملطخِ بالوحلِ ؛ يتلقى صفعاتِ الصقيعِ بلا شفقةٍ أو هوادةٍ ، لا يكترثُ به ويمضي ، يتمدد ظلُه أمامَه ، فلا أثرَ لحياةٍ في المحطةِ إلا من خطواتِه المتثاقلة ، وضوءِ مصباحٍ وحيدٍ يفترشُ أرضيةَ الرصيفِ ، يتبعُ بعينيه ظلَه المتمددَ أمامَه ، حتى وصل لنهايةِ الرصيفِ ؛ ليجلسَ على مقعدٍ حجري باردٍ ، يلملمُ جسدَه في معطفِه ؛ أملاً في بعضِ الدفءِ ، تتصارعُ في رأسِه الأرقامُ ، وما تبقى من أيامِ الشهرِ ؛ حتى يأتيه راتبُه الشهري ؛ ليواجَه به مسئولياتِه الحياتيةَ ، يقطعُ حبلَ أفكارِه شبحُ شخصٍ ما قادمٌ نحوَه ، لا يتبينُ ملامحَه حتى اقترب منه :

 

– ممكن تولعلي
– أسف لا أدخن
ينتابُه القلقُ من الرجلِ الذي يظهرُ جلياً في وجهِه أثرَ جرحٍ قطعي قديمٍ ، وعينُه تكادُ أن تكونَ مغلقةً ، تتلعثمُ الكلماتُ وهي تخرجُ من فمِه متثاقلةً ، فيتنحى جانباً
– الساعة كام يا أستاذ ؟
فما أن أخرج هاتفَه القديمَ ذا الأزرارِ ، حتى فُوجِئ بالرجلِ شاهراً مطواةٍ :
– طلع إللي في جيبك من غير كلام
وفي فزعٍ تتلعثمُ كلماتُه ، ويرتفعُ عِندَه ” الإدرينالين ” ، وقد أخرج ما في جيبِه ، محاولاً السيطرةَ على الرعدةِ التي أصابت جسدَه المتهاوي
– هذا كل ما معي

 

– بس
يختطفُهم بسرعةٍ ، ويقفزُ إلى القضبانٍ مهرولاً ، حتي ابتلعه الظلامُ المعتمُ ، تعوي صافرةُ القطارِ تعلنُ قدومَه ، يجلسُ على كرسي لجوارِ النافذةِ ؛ لعلَّه يستطيعُ التقاطَ أنفاسِه من هولِ ما لاقاه ، فإذا بحجرٍ طائشٍ قذفته يدٌ عابثةٌ ؛ يرتطمُ برأسِه
– أه .. آااه .. دم .. دم
يتلفتُ ، لا أحدَ غيره في العربةِ ، يتألمُ ، يجففُ الجرحَ ، النزيفُ لا يتوقفُ ، ينزلُ إلى محطتِه ، يسرعُ الخطو غيرُ مكترثٍ ببركِ المياه الراكدةِ جراءَ المطرِ ، يدخلُ الحارةَ الضيقةَ ، تخترقُ فتحاتِ أنفِه عطنُ أكوامِ القمامةِ المكدسةِ أمامَ البيوتِ المتهالكةِ في تلك المنطقةِ العشوائيةِ ، تعوي الكلابُ الضالةُ ، تنبشُ في القمامةِ ؛ بحثاً عن طعامٍ ، يصيبُه الاضطرابُ ؛ فتزل قدمه ؛ يطيحُ أرضاً في بركةِ ماءٍ عطنٍ :

 

– يا لها من ليلةٍ عصيبةٍ
يصعدُ سُلمَ بيتِه المظلمِ ، وما زال الجرحُ ينزفُ ، وما أن يفتحَ بابَ شقتِه الصغيرةِ ، حتى يتنفسَ الصُعداءَ ، يتحسسُ جُرحَه :
– مالك يا بابا ، وإيه الدم ده ؟
– لا عليك يا ولدي ..
– على فكرة يا بابا النهاردة أخدوا صورَ بطاقاتِ السكانِ في المنطقة كلها … قالوا لنا المنطقةُ من العشوائياتِ وسيتمُ هدمُها
– أخيراً …

– بابا .. النزيف وقف !