محمد الفيتوري الشاعر السوداني في ذكري ميلاده

كتب وجدي نعمان
حدث في مثل هذا اليوم ميلاد  محمد مفتاح الفيتوري (1936-2015) شاعر سوداني بارز. يعتبر من رواد الشعر الحر الحديث، ويلقب بشاعر إفريقيا والعروبة. وتم تدريس بعض أعماله ضمن مناهج آداب اللغة العربية في مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كما تغنى ببعض قصائده مغنّون كبار في السودان.
ميلاده
ولد محمد مفتاح رجب الفيتوري، في 24 نوفمبر / تشرين الثاني عام 1936م في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور الحالية بالسودان، ووالده هو الشيخ مفتاح رجب الفيتوري وهو ليبي، وكان خليفة صوفي في الطريقة الشاذلية، العروسية، الأسمرية.
 
نشأته
نشأ محمد الفيتوري في مدينة الإسكندرية بمصر وحفظ القرآن الكريم في مراحل تعليمه الأولى، ثم درس بالمعهد الديني وانتقل إلى القاهرة حيث تخرج في كلية العلوم بالأزهر الشريف.
 
حياته العملية
عمل الفيتوري محرراً أدبياً بالصحف المصرية والسودانية، وعُيّن خبيرًا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة في الفترة ما بين 1968 و 1970. ثم عمل مستشارًا ثقافياً في سفارة ليبيا بإيطاليا. كما عمل مستشارًا وسفيرًا بالسفارة الليبية في بيروت بلبنان، ومستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب.
 
أسقطت عنه الحكومة السودانية في عام 1974 إبان عهد الرئيس جعفر نميري الجنسية السودانية وسحبت منه جواز السفر السوداني، لمعارضته النظام آنذاك، وتبنّته الجماهيرية الليبية وأصدرت له جواز سفر ليبي، وارتبط بعلاقة قوية بالعقيد معمر القذافي وبسقوط نظام القذافي سحبت منه السلطات الليبية الجديدة جواز السفر الليبي. أقام بعدها في المغرب مع زوجته المغربية رجات في ضاحية سيدي العابد، جنوب العاصمة المغربية الرباط. وفي عام 2014، عادت الحكومة السودانية ومنحته جواز سفر دبلوماسي.
 
أعماله الأدبية
يعتبر الفيتوري جزءًا من الحركة الأدبية العربية المعاصرة، وهو من رواد الشعر الحر الحديث، ففي قصيدة «تحت الأمطار» نجده يتحرر من الأغراض القديمة للشعر كالوصف والغزل، ويهجر الأوزان والقافية، ليعبر عن وجدان وتجربة ذاتية يشعر بها وغالبًا ما يركّز شعره على الجوانب التأملية، ليعكس رؤيته الخاصة المجردة تجاه الأشياء من حوله مستخدماً أدوات البلاغة والفصاحة التقليدية والإبداعية. ففي قصيدة «معزوفة درويش متجول» يقول الفيتوري:
 
في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
 
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
 
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
 
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
 
مملوكك لكني سلطان العشاق
 
تعد أفريقيا مسرحا أساسياً في نص الفيتوري الشعري، شكلت فيه محنة الإنسان الأفريقي وصراعه ضد الرّق و الإستعمار، ونضاله التحرري أهم الموضوعات التي تناولتها قصائده، وألف عدة دواوين في هذا المضمار منها ديوان «أغاني أفريقيا» الصادر في عام 1955، و «عاشق من أفريقيا» وصدر في عام 1964م، و«اذكريني يا أفريقيا» ونشر في عام 1965 ، وديوان «أحزان أفريقيا» والصادر في عام 1966، حتى أصبح الفيتوري صوتَ أفريقيا وشاعرها. يقول في إحدى إفريقياته:
 
جبهة العبد ونعل السـيد
 
وأنين الأسود المضطهد
 
تلك مأساة قرون غبرت
 
لم أعد أقبلها لم أعد
 
وللهّم العربي أيضاً مكانة في أعمال الفيتوري من خلال تناوله للقضايا العربية، خاصة القضية الفلسطينية. فقد تنقل الفيتوري بين العديد من بلدان الوطن العربي ومدنه من الإسكندرية وحتى الخرطوم ومن بيروت و دمشق حتى بنغازي و طرابلس، وكتب العديد من القصائد المهمة التي جعلته واحدًا من كبار الشعراء العرب المعاصرين، فهو يقول:
 
لقد صبغوا وجهك العربي
 
آه… يا وطني
 
لكأنك، والموت والضحكات الدميمة
 
حولك، لم تتشح بالحضارة يوما
 
ولم تلد الشمس والأنبياء
 
كتب الفيتوري عن الحرية والانعتاق ومناهضة القيود والاستبداد، والاعتزاز بالوطن منذ بداياته الشعرية، ففي قصيدة «أصبح الصبح» والتي تغنى بها المغني السوداني محمد وردي يقول:
 
أصبح الصبح ولا السجن فلا السجن ولا السجان باق
 
وإذا الفجر جناحان يرفان عليك
 
وإذا الحسن الذي كحل هاتيك المآقي
 
التقى جيل البطولات بجيل التضحيات
 
التقى كل شهيد قهر الظلم ومات
 
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور الذكريات
 
أبدا ما هنت يا سوداننا ويوما علينا
 
بالذي أصبح شمساً في يدينا
 
وغناء عاطرا تعدو به الريح، فتختال الهوينى
 
وفي قصيدة أخرى يقول:
 
كل الطغاة دُمىً
 
ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة
 
وهو يعلق أوسمة الموت
 
فوق صدور الرجال
 
أنه بطلاً ما يزال
 
إلى جانب نظمه للشعر نشر الفيتوري العديد من الأعمال النثرية والنقدية، وبعض الدراسات في الصحف والمجلات العربية وتمت ترجمة بعض أعماله إلى لغات أجنبية ومن بين تلك الأعمال المترجمة:
 
نحو فهم المستقبلية (دراسة)
التعليم في بريطانيا
تعليم الكبار في الدول النامية
جوائزه
حصل محمد الفيتوري على «وسام الفاتح» الليبي، و «الوسام الذهبي للعلوم والفنون والآداب» بالسودان .
 
دواوينه الشعرية
أغاني إفريقيا (أول دواوينه، 1955)
عاشق من إفريقيا (1964)
إذكريني يا إفريقيا (1965)
أحزان إفريقيا (1966)
البطل والثورة والمشنقة (1968)
سقوط دبشليم (1969)
سولارا (مسرحية شعرية) (1970)
معزوقة درويش متجول (1971)
ثورة عمر المختار (1973)
أقوال شاهد إثبات
ابتسمي حتى تمر الخيل (1975)
عصفورة الدم (1983)
شرق الشمس… غرب القمر (1985)
يأتي العاشقون إليك (1989)
قوس الليل… قوس النهار (1994)
أغصان الليل عليك
يوسف بن تاشفين (مسرحية) (1997)
الشاعر واللعبة (مسرحية) (1997)
نار في رماد الأشياء
عريانا يرقص في الشمس (2005)
وفاته

توفي محمد الفيتوري في يوم الجمعة 24 أبريل / نيسان 2015م، في المغرب التي كان يعيش فيها مع زوجته المغربية عن عمر ناهز 85 عاما بعد صراع طويل ومرير مع المرض.

اهم قصائد محمد الفيتوري
فى رثاء زعيم الحزب السوداني عبد الخالق محجوب
حين يأخذك الصمت منا
 
فتبدو بعيداً..
 
كأنك راية قافلة غرقت
 
في الرمال
 
تعشب الكلمات القديمة فينا
 
وتشهق نار القرابين
 
فوق رؤوس الجبال
 
وتدور بنا أنت..
 
يا وجهنا المختفي خلف ألف سحابه
 
في زوايا الكهوف التي زخرفتها الكآبة
 
ويجر السؤال، السؤال
 
وتبدو الإجابةُ نفس الإجابة
 
***
 
ونناديك..
 
نغرس أصواتنا شجراً صندلياً حواليك
 
نركض خلف الجنائز..
 
عارين في غرف الموت..
 
نأتيك بالأوجه المطمئنه
 
والأوجه الخائفة
 
بتمائم أجدادنا..
 
بتعاويذهم حين يرتطم الدم بالدم..
 
بالصلوات المجوسية الخاطفة
 
بطقوس المرارات
 
بالمطر المتساقط في زمن القحط..
 
بالغاب، والنهر، والعاصفة!
 
***
 
قادماً من بعيد على صهوة الفرس..
 
الفارس الحلم ذو الحربة الذهبيه
 
يا فارس الحزن..
 
مرِّغ حوافر خيلك فوق مقابرنا الهمجيه
 
حرِّك ثراها..
 
انتزعها من الموت..
 
كل سحابة موت تنام على الأرض
 
تمتصها الأرض..
 
تخلقها ثورة في حشاها
 
انترعها من الموت يا فارس الحزن..
 
.. أخضر..
 
قوس من النار والعشب..
 
أخضر..
 
صوتك..
 
بيرق وجهك..
 
قبرك..
 
لا تحفروا لي قبراً
 
سأرقد في كل شبر من الأرض
 
أرقد كالماء في جسد النيل
 
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
 
مثلي أنا ليس يسكن قبرا
 
لقد وقفوا..
 
ووقفتَ..
 
– لماذا يظن الطغاة الصغار
 
– وتشحب ألوانهم –
 
إن موت المناضل موت القضية
 
أعلم سر احتكام الطغاة إلى البندقية
 
لا خائفاً..
 
إن صوتي مشنقة للطغاة جميعا
 
ولا نادماً..
 
إن روحي مثقلة بالغضب
 
كل طاغية صنم..دمية من خشب
 
..وتبسمت
 
كل الطغاة دُمىً
 
ربما حسب الصنم، الدمية المستبدة
 
وهو يعلق أوسمة الموت
 
فوق صدور الرجال
 
انه بطل ما يزال
 
– وخطوت على القيد..
 
– لا تحفروا لي قبرا
 
سأصعد مشنقتي
 
وسأغلق نافذة العصر خلفي
 
وأغسل بالدم رأسي
 
وأقطع كفي..
 
وأطبعها نجمة فوق واجهة العصر
 
فوق حوائط تاريخه المائلة
 
وسأبذر قمحي للطير والسابلة
 
***
 
قتلوني..
 
وأنكرني قاتلي
 
وهو يلتف بردات في كفني
 
وأنا من ؟
 
سوى رجل واقف خارج الزمن
 
كلما زيَّفوا بطلا
 
قلت : قلبي على وطني!
 
قصيدة انا زنجي
أنا زنجي
قلها لا تجبن
قلها في وجه البشرية
ان زنجي
وابي زنجي الجد
وامي زنجية
انا اسود
اسود لكني حر امتلك الحرية
ارضي افريقية
عاشت ارضي
عاشت افريقية
ارضي والابيض دنسها
دنسها المحتل العادي
فلامض شهيدا
وليمضوا مثلي شهداء اولادي
فوراء الموت .. وراء الارض
تدوي صرخة اجدادي
لستم ببنينا ان لم تذر الارض رماد الجلاد
لستم ببنينا ان لم يجل الغاصب عنها مدحورا
ان لم تخلع اكفان الظلمة
ان لم تتفجر نورا
ان لم يرتفع العلم الاسود
فوق رباها منصورا
ان لم يحن التاريخ لكم جبهته فرحان فخورا
الفجر يدك جدار الظلمة
فاسمع الحان النصر
هاهي ذي الظلمة تداعي
تساقط تهوي في ذعر
ها هو ذا شعبي ينهض من اغمائته
عاري الصدر
ها هو ذا الطوفان الاسود
يعدو عبر السد الصخري
ها هي ذي افريقيا الكبرى
تتالق في ضوء الفجر
 
 
قصيدة أصبح الصبح محمد مفتاح الفيتورى
اصبح الصبح
ولا السجن ولا السجان باقي
واذا الفجر جناحان يرفان عليك
واذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي
والذي شد وثاقا لوثاق
والذي بعثرنا في كل وادي
فرحة نابعة من كل قلب يابلادي
أصبح الصبح
وها نحن مع النور التقينا
التقى جيل البطولات
بجيل التضحيات
التقى كل شهيد
قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض
بذور الذكريات
أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا
بالذي اصبح شمسا في يدينا
وغناء عاطرا تعدو به الريح
فتختال الهوينى
من كل قلب يا بلادي
فرحة نابعة من كل قلب يابلادي
 
 
قصيدة لو لحظة من رسني
لو لحظة من وسني
تغسل عني حزني
تحملني
ترجعني
الى عيون وطني
يا وطني ..
يا وطني يا وطن الأحرار والصراع
الشمس في السماء كالشراع
تعانق الحقول والمراعي
واوجه العمال والزراع
يا وطني ..
أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش
فارفعي راية اكتوبر فالثورة مازالت تعيش
وانا مازلت في البعد انادي
يا بلادي
يا مغاني وطني ..
أجمل من فراشة مجنحة على ضفاف المقرن الجميل
أجمل من نوّارة مفتحة ترقد تحت ذهب الأصيل
أجمل من رائحة النضال لم أشم رائحة في صبحك الجليل
يا فخر هذا الجيل
يا وطني ..