محمد بركات يكتب من عجائب ولطائف القرآن الكريم الجزء الثالث

38

بقلم د/ محمد بركات

من عجائب ولطائف القرآن

 الكريم {الجزء الثالث}

الحمد لله رب العالمين، والصلاة

والسلام على المبعوث رحمة

للعالمين سيدنا محمد وعلى آله

وصحبه أجمعين وبعد:

وعندما نتحدث عن أسلوب

الإيجاز في القرآن الكريم، فإننا

نجد أنه من أبدع الأساليب في

كلام العرب.

الإيجاز غاية تتبارى إليها

فصحاؤهم، وقد جاء القرآن

الكريم بأبدع إيجاز، والمعاني

المتعددة تؤخذ من العبارة

القصيرة الوجيزة، ولولا إيجاز

القرآن لكان ما يتضمنه من

المعاني في أضعاف مقدار

القرآن.

وأسرار التنزيل في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حداً يدقّ عن تفطّن العالم، ويزيد عن تبصّره، ولا ينبئك مثل خبير، قال بعض بطارقة الروم لعمر بن الخطاب لما سمع قول الله: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [سورة النور ، الآية :52].

فقال: قد جمع الله في هذه الآية ما أنزل على عيسى من أحوال الدنيا والآخرة.

قال ابن قتيبة رحمه الله : “فإن شئت أن تعرف ذلك -يعني هذه العجيبة من عجائب القرآن وهي الإيجاز- فتدبر قوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [سورة الأعراف ، الآية :199].

كيف جمع بهذا الكلام المختصر الأخلاق كلها؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء الممانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله، وصلة الأرحام، وصَون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن المحرمات والحرمات”[تفسير السعدي: (313)].

وإنما سمي هذا وما أشبهه عُرفاً ومعروفاً؛ لأن كل نفس تعرفه وكل قلب يتوق إليه.

، وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه.

، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى: “هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس أن يأخذ العفو، أي ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به من قول أو فعل جميل، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم”[تفسير السعدي: (313)].

وهكذا قوله: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ قال -رحمه الله: “بكل قول حسن وفعل جميل وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك إما تعليم علم، أو حث على خير، أو صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصل مصلحة دينية أو دنيوية، ولما كان لا بد من أذية الجاهل أمر الله تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله، فمن آذاك بقوله أو فعله فلا تؤذه، ومن حرمك لا تحرمه، ومن قطعك فصِله، ومن ظلمك فاعدل فيه”.

[تفسير القاسمي: (2/ 8)].

وكذلك لو تأملنا قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [سورة النحل ، الآية :90].

فهذه الآية جامعة لجميع المأمورات وجميع المنهيات، ما بقي شيء إلا دخل فيها فهي قاعدة تندرج تحتها سائر الجزئيات، فكل مسألة تشتمل على عدل أو إحسان أو صلة فهي مما أمر الله به، وكل شيء يشتمل على فحشاء أو منكر أو بغي فهو مما نهى الله عنه، فتبارك من جعل في كلامه الهدى وشفاء الصدور والفرقان والنور.
وكذلك تأمل قوله تعالي : {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [سورة الزلزلة ، الآيتان :7، 8].

فإنك تراه شاملاً لكل خير، وكذلك لكل شر، وهكذا في الترغيب والترهيب.
وقال سبحانه وتعالى لما ذكر الأرض: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [سورة النازعات ، الآية :31].

كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتاً ومتاعاً للأنام من العشب والشجر والحب والثمر والحطب والعصف واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان والملح من الماء.

وينبئك أنه أراد ذلك قوله: مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [سورة النازعات ، الآية :33].

، وكذلك في وصف خمر الجنة: لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ [سورة الواقعة ، الآية :19]. كيف نفى بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقوله: وَلَا يُنْزِفُونَ عدم ذهاب العقل، وعدم ذهاب المال.

وكذلك عدم نفاد الشراب؛ لأن شراب الدنيا ينفد، وقرأ عامة قراء المدينة والبصرة وبعض قراء الكوفة “يُنزَفون” بفتح الزاي، يعني: ولا هم عند شربها تنزف عقولهم.

، وقرأ عامة قراء الكوفة: وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [سورة الصافات ، الآية:47].
بمعنى: ولا هم عند شربهم ينفد شرابهم، فلا يسكرهم ولا ينتهي.
وتأمل في قوله سبحانه مثلاً: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [سورة البقرة ، الآية :179]. فهي من جوامع الكلِم، وأقرب حكمة عند العرب لها: “القتل أنفى للقتل” يعني: لو أردنا أن نأتي بأحكم عبارة عربية من الكلمة العربية والأمثال العربية وما أبدعه العرب من الجمل القصيرة المحكمة قولهم: “القتل أنفى للقتل” في التعبير عن القصاص.
وهذه عبارة مختصرة فيها المعنى الكبير، “القتل أنفى للقتل”، القتل بالقصاص يدفع وينفي القتل الذي هو بالاعتداء.

ولكن قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [سورة البقرة ، الآية :179]، أبلغ وأجمل وأوعى وأنفع؛ لأنها في غاية الفصاحة والبلاغة مع ما فيها من الغرابة باشتمال الشيء وضده.

فإن القصاص قتل وتفويت للحياة، ومع ذلك فقد جُعِل حياة، لماذا؟ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌعني قتل القصاص- هذه أعجب من قولهم: القتل أنفى بالقتل!

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [سورة البقرة ، الآية :179].

، مع أن القصاص قتل، لكن قال فيه حياة؛ لأن القصاص يردع، فكثير من القتل والإجرام لن يحصل إذا أقيم القصاص؛ لأن القصاص سيرهب المجرمين والقتلة، فلن يقتلوا فيعيش كل من كانوا سيُقتلون.

فقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ -وهو قتل- حَيَاةٌ [سورة البقرة ، الآية:179]، أدهش وأبرع وأبلغ وأعجب وأعظم من القتل الأنفى للقتل.
بالإضافة إلى أنه سبحانه وتعالى عرّف القصاص ونكّر الحياة وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ هذه معرفة بأل التعريف، ثم قال: حَيَاةٌ. نكرة، ما قال: ولكم في قصاص الحياة.

قال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)
ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، فالتنكير للتعظيم، يعني: ولكم في القصاص حياة كثيرة، حياة عظيمة؛ لما في القصاص من الردع.
فتحيا نفوس كثيرة كانت ستقتل بدون تنفيذ حكم القصاص وبدون تقرير حكم القصاص في الواقع.
قال القاسمي -رحمه الله: “اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني البالغة أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبّروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل”. وأجود الألفاظ المنقولة عن العرب في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل.
ومن المعلوم لكل ذي لُبّ أن بين هذه العبارة العربية وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه – يعني هذا كلام الخلق وهذا كلام الله- وأنى لهذه العبارة عند العرب أن تصل لعذوبة القرآن وجماله وبلاغته”[تأويل مشكل القرآن: (14)].

ولذلك لا يشبه كلام الله كلام أحد من خلقه.
وساق القاسمي -رحمه الله- نحواً من عشرين وجهاً في بيان تفوق الآية على حكم العرب.
ومنها: أن الآية فيه مطّردة بخلاف المثل، فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له! وهو القتل ظلماً.
فقولهم: القتل أنفى للقتل، القتل عامة تشمل القتل بحق والقتل بباطل.
لكن قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ [سورة البقرة ، الآية :179].

فالقصاص عدل، القصاص القتل بحق، بجرد كلمة قصاص تعني قتل بحق، بينما قول العرب “القتل أنفى للقتل” القتل هذه الأولى عامة تحتمل قتل بحق وقتل بباطل.

فإذا كان قتلاً بباطل فهذا فتح باب القتل وليس إغلاق الباب، فتأمل الفرق بين دقة القرآن وعجائب القرآن وبين الحكم الأخرى ماذا يمكن أن تنفتح، أن يرد عليها من الإيرادات وينفتح عليها من الاعتراضات.

ثم إن الآية الكريمة خالية من تكرار رفض القتل الواقع في المثل والخالي من التكرار أبلغ من المشتمل عليه في قواعد الفصاحة.
وكذلك تجد أن الآية اشتملت على فن البديع، وهو جعل أحد الضدين، ما هما الضدان؟ الموت والحياة.

حيث جعل أحد الضدين محلاً ومكانا ًلضده، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، وكذلك إن لفظ القصاص مشعر بالمساواة، وينبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل، القتل أنفى للقتل.
ثم إن الآية رادعة عن القتل والجرح معاً، (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ ) حتى في الجروح الناتجة عن الاعتداءات المتعمدة.

 

، ثم إن الآية رادعة عن القتل والجرح معاً لشمول القصاص لهما بخلاف عبارة العرب “القتل أنفى للقتل” ما فيها ذكر الجراح، فالآية أبلغ وأوعى وأوعب.

سبحان من هذا كلامه وكتابه سبحان الله العظيم.

اللهم اجعل القران العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا وغمومنا وحجة لنا لا علينا يا أرحم الرّاحمين.