المقالات والسياسه والادب

مسلسل دفء مفقود  الحلقة الأولى



بقلم / عبير عبده

مسلسل دفء مفقود  الحلقة الأولى

المشهد الأول – بيت ندى
شباك كبير مفتوح على الشارع، صوت عيال بيلعبوا تحت في الحارة.
ندى قاعدة على السفرة مع بناتها حور (14 سنة) ورنا (10 سنين)، وأولادها مازن (12 سنة) وزين (8 سنين).
الجو دافي، في ضحك وهزار، وهي بتقسم عليهم الفطار.

حور (متحمسة):
ماما، النهاردة هتخلصي الشغل بدري؟

ندى (تضحك):
لو خلصت الديزاين اللي عندي، ممكن آخدكم نتمشى شوية ع البحر.

رنا (تصفق بفرح):
بجد يا مامااا؟

مازن وهو بيأكل:
ماما، إنتي مش بتتعبي من كل ده؟ شغل وبيت وولاد؟

ندى تبص له بحنان، وتحط إيدها على كتفه:
التعب بيروح… لكن وجودكم في حياتي هو اللي بيديني طاقة.

لقطة قريبة: ندى بتضحك مع ولادها، بس في عينيها لمعة شجن… كأنها بتخبّي فراغ جواها.

المشهد التاني – بيت طارق
شقة كبيرة، بس جوها بارد.
طارق قاعد في الصالة، لابس تيشيرت بسيط، فاتح اللاب قدامه.
أولاده سليم (12 سنة) وريم (9 سنين) وهبة (14 سنة) قاعدين حواليه، بيتفرجوا على كارتون.
أم طارق (ست كبيرة) قاعدة جنبهم، بتحوك بلوفر.

طارق يبص لولاده بابتسامة:
حد جاع؟

سليم (متحمس):
أنا يا بابا!

طارق يقوم يروح المطبخ، يقطع خيار وطماطم، يعمل ساندوتشات.
الأولاد يجروا وراه يساعدوه.

ريم (وهي بتضحك):
إنت أشطر من ماما في المطبخ يا بابا.

طارق (يحاول يخفي حزنه بابتسامة):
المهم الأكل يطلع لذيذ.

لقطة طويلة: الكاميرا تتحرك ناحية باب أوضة مقفول… ورا الباب أمل (زوجة طارق) نايمة من بدري، لابسة بيچامتها، ملامحها باردة.

المشهد التالت – عودة أمل من الشغل
الساعة 8 بالليل.
باب الشقة بيتفتح… أمل داخلة، لابسة بدلة شيك، ماسكة شنطة لابتوب.
أم طارق ترفع عينيها من الكروشيه:
حمد الله على السلامة يا بنتي.

أمل (ببرود، من غير ما تبص):
الله يسلمك.

تعدي على طول وتدخل أوضتها وتقفل الباب.

الأولاد يبصوا لبعض بحيرة.
ريم (بصوت واطي):
هي ماما زعلانة مننا؟

طارق (بهدوء وهو بيحاول يغير الموضوع):
محدش يزعل نفسه… ماما تعبانة من الشغل.

إضاءة خافتة: أم طارق تبص لابنها بعيون مليانة قلق، كأنها عارفة جواه إيه.

المشهد الرابع – بداية التواصل مع ندى
ليل.
البيت هادي.
طارق قاعد في الصالة قدام اللاب، فاتح رسائل الماسنجر.
يكتب لـ ندى:
“عارفة يا ندى… ساعات البيت بيبقى مليان ناس، لكن القلب فاضي.”

ندى، قاعدة في بيتها بعد ما نام ولادها، تقرأ الرسالة.
تتنهد وتكتب:
“حاسه بالكلمة دي جدًا… يمكن عشان أنا كمان بعيش ده، بس بطريقتي.”

طارق (بعد تردد):
“البرود أصعب من الخصام. الخصام على الأقل فيه مشاعر.”

ندى تسكت لحظة، وبعدين تكتب:
“يمكن ربنا بيبعت لينا ناس معينة عشان يعلمونا إزاي نكمّل الطريق.”

طارق يفضل ساكت، عينيه تلمع، يحس لأول مرة من سنين إن في حد بيسمعه بجد.

المشهد الخامس – توازي البيتين
الكاميرا تنقسم نصين (Split screen):

في الناحية الأولى: ندى قاعدة وسط أولادها، بتحاول تضحك وتكون قوية، بس أول ما يناموا، عينيها تدمع.

في الناحية التانية: طارق في الصالة، نور خافت، ماسك كباية شاي، سايب اللاب مفتوح على رسائل ندى، وأمه خارجة تبص عليه من بعيد بحزن.

موسيقى هادية حزينة تبدأ تعلى…

الكاميرا تقرب على وش طارق… وبعدين على وش ندى…
وبعدين الشاشة تسود.

“يمكن الوحدة تجمع قلوب… زي ما بتفرقها.

“كانت ندى قاعدة في مكتبها الصغير، الألوان متناثرة حواليها، لوحات مرسومة نصها خلصان، وأفكار بتتجمع في دماغها بسرعة، زي كل مرة بتغرق في الشغل عشان تهرب من فراغ حياتها.
أولادها حوالين البيت، حور في أوضة بتسمع مزيكا وبتحاول تكتب خواطر مراهقة مليانة مشاعر متلخبطة، ورنا ماسكة الموبايل وبتتواصل مع صحابها. أما مازن الكبير فكان الصغير مرهق، بيرمي نفسه على الكنبة كأنه شايل الدنيا فوق كتافه وزين الصغير كان بيجري ناحيته، يحكي له بحماس عن مباراة كورة لعبها في الشارع.

ندى بصتلهم بحنان، لكن في قلبها غصة…
“هو أنا لحد إمتى هافضل شايلة كل ده لوحدي؟ الولاد محتاجين أب… سند… وأنا محتاجة نفس!”

في نفس الوقت، كان طارق قاعد في أوضته في بيت العيلة الكبير، اللاب مفتوح على مكتبه، بيكتب خطط تسويقية لحملة جديدة. من برة باين إنه ناجح، مرتب، عنده بيت وأولاد، لكن جواه كان فاضي.
أمل، مراته، داخلة من باب الشقة لابسة فورمل، راجعة من الشغل. عدت من جنبه كأنه مش موجود، دخلت أوضتها تقفل على نفسها.
طارق تنهد وقال في سره:
– “يا ترى دي حياة؟ كل يوم نفس الروتين، لا مودة، لا رحمة، لا كلمة حلوة… حتى العيال بقت بينهم وبينها فجوة.”

أولاده الخمسة قاعدين في الصالة، سليم الكبير بيلعب على الموبايل، ريم بتحاول تذاكر لكنها بتشتت، هبة قاعدة بتشوف فيديوهات على التابلت، وعلي وزياد الصغيرين بيتخانقوا على ريموت التلفزيون.
طارق حس إنهم بيكبروا بعيد عنه، بس هو الوحيد اللي بيحاول يحتويهم. ساعات يقوم يعمل لهم أكل لو جاعوا بالليل، ساعات يسهر معاهم، وأوقات كتير يحاول يضحكهم رغم إن جواه حزن.

وبالصدفة… السوشيال ميديا جمّعت خطين متوازيين.
ندى وطارق التقوا في جروب متعلق بالشغل، مشروع تسويقي محتاج ديكور معين. بدأت المراسلات في الأول مهنية بحتة، لكن مع الوقت بقوا يحكوا عن تفاصيل يومهم.
ندى لقت في طارق أب حقيقي مش لأولاده بس، لكن لأي طفل محتاج حضن وسند. وطارق لقى في ندى المرأة اللي عندها حياة وروح، مش مجرد جسد بارد زي أمل.

كانت رسائلهم ساعات طويلة بالليل، هو على اللاب وهي في مكتبها. يضحكوا، يفضفضوا، يشاركوا صور من يومهم. والاتنين حسوا بحاجة بترجع تدق في قلبهم من جديد.

في لحظة صمت، كتب لها طارق:
– “تعرفي يا ندى؟ ساعات بحس إن ربنا بعتك ليّ عشان أفتكر إن لسه فيه حياة… لسه فيه دفء.”

ندى قعدت قدام الموبايل دقايق مش عارفة ترد، لكن جواها حاجة اتحركت. هي كمان محتاجة تسمع الكلام ده. محتاجة تحس إنها مش لوحدها.

مقالات ذات صلة