مسلسل “ما وراء الطبيعة” بقلم الإعلامي / يوحنا عزمي

41

هل يمكن لـ “دلق القهوة” أن يكون خيرا حقا ؟

البعض لم يتمكن من الوصول للتقرير ، لا حرق للأحداث..!

إنها الثالثة عصرا، الشمس توشك أن تميل ناحية الأفق الغربي بينما تقرأ أحد الكتب في استمتاع تام ،

الطقس لطيف وأنت على مقعد خشبي في إحدى الحدائق الجامعية الواسعة، لكنك تغفل لوهلة فإذا

بالكتاب يسقط من يديك، الأسوأ من ذلك أن الكتاب وقع على واجهة غلافه واتسخ ، وقد

كنت سعيدا بالحصول عليه وأكثر سعادة بشكله في مكتبك ، لكن مهلا!

أليس ذلك غريبا بعض الشيء..! إنه ما حصل نفسه مع كتاب سابق لك ، لقد وقع على

واجهة غلافه الأنيق واتسخ ، هل يمكن أن يتأمر الكون ولو لوهلة خفيفة كي يُنغص عليك حياتك..!؟

بالنسبة للدكتور رفعت إسماعيل ، بطل روايات “ما وراء الطبيعة” الذي يؤدي دوره

الممثل المصري أحمد أمين في مسلسل يحمل نفس الأسم بدأ عرضه يوم 5 (نوفمبر/تشرين الثاني)

على منصة “نتفليكس” فإن تلك هي الحقيقة ، في الواقع فإن عدد فناجين القهوة التي انقلبت

بلا سبب واضح على مكتبه تدعونا بالفعل للقلق ، “دلق القهوة خير” كما يقولون ، لكن بهذه

الطريقة سيكون هناك ضغينة شخصية للخير تجاه مادة الكافيين في القهوة ، أو هكذا قال..

الطفل لا يقيء وهو في الحمام أبدا..!

ما أثاره موقف الكتاب من أفكار في دماغك هو نفسه ما يحدث في حالة رفعت إسماعيل ،

يُسمى “قانون ميرفي” وهو عبارة عن مجموعة من الأقوال المأثورة الساخرة التي تنص

على أنه “إن أمكن للأمور أن تسير في الاتجاه الخاطئ ، فسوف تسير في الاتجاه الخاطئ”..

تنويعات متفرقة لهذا القانون تشمل حكما ساخرة مثل ” كل شيء يتعطل في الوقت نفسه”

و” أي سلك تقطعه حسب طول معين هو أقصر من اللازم” ، و”احتمال حدوث خطأ يتناسب طرديا مع الضرر الذي سيسببه هذا الخطأ” إلخ..

لكن رغم كل السخرية الملتفة حول هذا القانون ، هل يمكن أن يكون كل من رفعت إسماعيل وميرفي على حق؟!

يهتم روبرت ماثيوز ، أستاذ علم الحاسوب من جامعة أستون الإنجليزية ، بالإجابة

عن هذا السؤال ، في الواقع اهتم الرجل تحديدا بأحجية الكتاب الخاص بك ، للوهلة

الأولى تظن أن احتمالات أن يقع الكتاب على واجهة الغلاف تساوي احتمالات

أن يقع على الجانب المقابل ، وبالتالي فإن سقوطه المتكرر على الوجه شيء غريب ،

لكن حينما قام ماثيوز ببعض الحسابات البسيطة وجد أن الأمر يعتمد بالأساس

على دوران الكتاب حول نفسه بينما يقع على الأرض..

بوضع عجلة الجاذبية الأرضية في الحسبان ، ومكان الكتاب لحظة سقوطه ،

الذي عادة ما يكون المسافة من أطراف أصابعك وأنت واقف ، إلى الأرض أسفلك ،

فإن أي كتاب سيكون أكبر من أن يصنع دورة كاملة حول نفسه قبل الوصول إلى الأرض ،

وبما أنك تقرأ الكتاب وصفحة الغلاف للأعلى ، فإن الاحتمال الأكبر هو أن الكتاب ، حينما

يقع لن يتمكن من عمل دورة كاملة تُعيد واجهته الأنيقة للأعلى مرة أخرى ، بالتالي يكون وجه غلافه الأنيق للأسفل..

بهذه الطريقة فسر ماثيوز أحد أشهر تنويعات قانون ميرفي التي

تقول “لا بد أن يسقط التوست على الجانب الذي دهنته بالزبد” لأنك تدهن الزبد

أعلى هذا النوع من الخبز ثم يقع من يديك فلا يتمكن من أداء دورة كاملة..

وبالطريقة نفسها يمكن أن نقارن بين “وقوع القهوة” و”وقوع الشاي” مثلا ،

فكوب الشاي ذو قاعدة كبيرة مقارنة بأعلاه ، لو اهتزت الطاولة لأي سبب فإنه

من غير المحتمل أن يقع ، أما كوب القهوة فقاعدته أصغر مقارنة بأعلاه ،

كذلك فإنه قد لا يستقر في مكانه بسهولة على الطبق ، الذي يسمح بدوره

للفنجان بمساحة صغيرة ، بالتالي فهناك احتمال أكبر أن يقع مقارنة بالمشروبات الأخرى كالشاي أو العصير..

كل حل يخلق مشاكل جديدة..!

لكن بما أننا منذ بداية نقاشنا معا نتحدث عن احتمالات ، فدعنا ننتقل إلى

نقطة أكثر إثارة في هذا الموضوع يُلخصها الرياضي البريطاني الشهير

أوغست دي مورجان حينما قال “ما يمكن أن يحدث سوف يحدث إذا قمنا بعدد كافٍ من المحاولات”

ينص قانون الأعداد الكبيرة حقا (Law Of Truly Large Numbers)

على أنه في عينة ضخمة كفاية يمكن لأي حدث مهما كان شاذا أن يحدث ،

والفكرة هنا هي أنه مع الأعداد الكبيرة للغاية من الأفراد ، في العينة موضع التأمل ،

فإن الاحتمالات الصغيرة للغاية تبدأ في اتخاذ إمكانية جوهرية..

أحد أشهر التعليقات التي نقولها دلالة على ضعف احتمال أمر

ما هو “يحدث مرة في المليون” لكن في شعب عدد أفراده 350 مليون شخص ،

فهناك بالفعل شيء يحدث مرة في المليون ، بل إنه في هذا الشعب قد يحدث 350 مرة ،

الحدث نادر بالفعل ، لكن حدوثه أصبح شبه مؤكد في أعداد ضخمة. بصورة أكثر وضوحا

يمكن القول إنه في عينة ضخمة كفاية سوف تتفق النتائج العملية مع الفرض النظري بشكل دقيق للغاية..

خذ مثلا لعبة لف العملة “ملك أم كتابة” هناك احتمال بقيمة 50% أن تكون النتيجة “ملك” و50% أن تكون

“كتابة” لكن حينما نقوم بلف العُملة أربع مرات ربما لا نحصل على النسبة بدرجة صحيحة ،

فيكون الناتج مثلا ثلاث مرات “ملك” أي 75%، ومرة “كتابة” أي 25%، لكن حينما نرفع حجم

العينة تدريجيا، أي أن نرفع عدد اللفات ، فسوف نجد أن النتيجة تقترب من 50% شيئا فشيئا ،

بحيث إنه حينما نلف العُملات عشرين ألف مرة فسوف نجد أن النتائج تقترب للغاية من 50% ملك أو كتابة..

تلك هي الطريقة التي تستخدمها شركات التأمين في حساب أرباحها ، وهي الطريقة التي

ينجح بها محللو الانتخابات غالبا في توقع نتائج شبه دقيقة للتصويت حتى قبل بدء الانتخابات ،

أما حينما نحاول حساب احتمال أن يتوافق عيد ميلاد ثلاثة أطفال للعائلة نفسها فسوف نقوم

بضرب 1/365 في نفسها أكثر من مرة ، ما يجعل هناك احتمالا بقيمة 1 إلى 135 ألف أن

يحدث ذلك ، إنه احتمال ضعيف لكن في دولة بها 20 مليون عائلة ذات ثلاثة أطفال سوف يكون ممكنا..

إن أمكن للأمور أن تسير في الاتجاه الخاطئ ، إذن فإن هناك احتمالا أن تسير في الاتجاه

الخاطئ بالفعل ، الأغرب من ذلك أن أحد قوانين الطبيعة الأساسية التي نعرفها هي القانون

الثاني للديناميكا الحرارية ، الذي يقول إن منظومة مغلقة إذا تركت لحالها ستصبح أكثر

اضطرابا ، ومع الزمن فإن هناك احتمالية متزايدة لهذا الاضطراب أن يحدث ، بالتالي

فإن قانون ميرفي هو بشكل أو بآخر صورة ساخرة من عالم الديناميكا الحرارية ، إلا

أن ما يدفعنا لتأمل تأثرنا الشديد بهذا القانون حقا ليس الاحتمالات ، ولكن سوء فهمنا لطبيعتها..

أحد أشهر الأمثلة هنا هو مشكلة عيد الميلاد (Birthday Problem)، نحن في قاعة

محاضرات بها 100 فرد ، السؤال البسيط هو ؛ في هذه المجموعة، كم احتمال أن يتشابه

فردان في عيد ميلادهما معا في اليوم نفسه؟! للوهلة الأولى تتصور أن هذا الاحتمال قائم بالفعل ،

لكن ربما بقيمة 1% مثلا أو 10% إذا كنت متفائلا ، فالقاعة بها مئة فرد فقط وعدد أيام السنة هو 365 يوما ، لكن في الواقع فإن نسبة الاحتمالات هي نحو 99.99997%!

ملك الخداع..!!

الإجابة صادمة، والسبب في أنها صادمة هو أننا لا نعرف الكثير عن قواعد

نظرية الاحتمالات التي تقول إنه لتقييم تلك التجربة يجب أولا أن نعد “العلاقات الممكنة”

بين 100 شخص وبعضهم بعضا وليس فقط “عدد” الـ 100 شخص، لكننا عادة ما نميل

إلى تقييم السؤال ببديهتنا التي غالبا ما تكون أكثر سذاجة من البيانات والقوانين،

وهذه ليست إهانة، إنها فقط طبيعتنا التي ورثناها عن أجدادنا قبل مئات الآلاف من السنين..

لهذا السبب فإننا كثيرا ما نقيم احتمالات كبيرة على أنها ضعيفة لكنها حدثت لنا ،

إذا كنت في مصلحة حكومية ما وكان هناك أربعة طوابير ، فإنك تنظر إلى قانون

ميرفي على أنه يتعلق بأنك ستوضع دائما في طابور بطيء ، لكن بالنسبة لنظرية

الاحتمالات فإن الاحتمال أن تكون في أسرع طابور هو “الربع ” فقط ، وهناك

احتمال بقيمة “ثلاثة أرباع” أن تكون في “أي طابور آخر أبطأ منه”، وبما أنك ستتأمل دائما أسرع

طابور فإنك قد تقيم احتمالاتك بشكل خاطئ فتظن أنها “النصف”، لسبب واحد وهو

أنك مثل كل البشر ترى العالم وكأنه يدور حولك.. 이가은

من جانب آخر فإننا ، نحن البشر ، نتحيز بسهولة لتصديق أن “هناك شيئا ما كبيرا” مقارنة

بالمصادفة ، تأمل مثلا ما يسمى بتحيز التناسب (Proportionality bias)،

ويعني أننا كوننا بشرا نميل إلى إرجاع الأحداث المؤثرة إلى أسباب مؤثرة مثلها،

بالتالي ستقول لنفسك إن مجرد “مصادفة” أو “احتمال” لا يمكن أن يُفسر حدثا

بضخامة وقوع القهوة على ملابسك قبل أن تذهب إلى فرح صديقك الذي ستلتقي

فيه بـ “رنا” زميلتك في معمل الكيمياء ، وتحبها ، لا بد أن هناك سببا أكبر من ذلك..الكنانة نيوز

ذاكرتنا تعمل بالطريقة نفسها ، فتميل إلى الاحتفاظ بهذا الحدث المؤثر مقارنة

كل الأحداث الشبيهة لكنها لم تقترن بوقوع القهوة على ملابسك ، إلى جانب

ذلك فإن ذاكرتنا تُضخم الحدث وتجعله محط انتباهك بحيث يقل عدد الحوادث الأخرى ،

يشبه الأمر أن تود شراء سيارة ما ، لتكن من العلامة التجارية “تويوتا كورولا”، في كل

يوم تنزل إلى الشارع فإنك لا ترى هذه السيارة كثيرا، لكن بداية من اللحظة التي اتخذت

فيها القرار بشرائها فإنك ستراها كثيرا لدرجة أنك ستعتقد أن عددها زاد فجأة في الشوارع ،

إلا أن عددها واحد في الحالتين ، لكن انتباهك قد تحول إليها حينما اتخذت القرار ، فتغير كل شيء آخر..

ربما ذلك نفسه هو ما يحدث حينما يقع “الحبهان” تحت أسنانك بينما تأكل ، فرغم أن مئات

وجبات الغداء قد مرت بسلام ، فإن تلك المرات القليلة التي دخل الحبهان المتآمر فيها تحت

أسنانك تلفت انتباهك بحيث تُضخم من حجمها، وبالتالي من حجم احتمالاتها ، فتظن أن

طبيعة الأشياء هي أن تلك الحبات الصغيرة المسالمة تستهدفك لأغراض استخباراتية..

الأمر إذن معقد ، فما بين قوانين طبيعية تتفق مع قانون ميرفي وأخرى لا ندركها بسهولة

فنظن أنها تتفق معه ، نقف نحن البشر لنعطيه أكثر من لقب ، في مكان ما يسمونه قانون ميرفي ،

وهنا نطلق عليه لقب “النحس” طور رفعت إسماعيل هذا القانون ليصبح “قانون رفعت”

على خلاف ميرفي عمل رفعت خلال مغامراته على تطوير قوانينه بما يتناسب مع الحالة الراهنه ،

التي كانت تتنقل بين السيئ والأسوأ ، لكن رفعت إسماعيل حالة خاصة لا شك، أنت ربما

مطارد بمخاوف بسيطة نسبيا تتضمن رسالة على واتساب من صديقة تقول لك “أحبك” لكن

بعد فاصل زمني قدره ثلاث ثوانٍ تضيف “كأخي” أما رفعت إسماعيل فهو مطارد من ملك

الخداع في الكون كله ؛ كان ميرفي ليحرق قوانينه أمام ذلك..!