إياك أن تُمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك, فإنه يفسدها عليك فساداً يصعُب تداركه, ويُلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة, ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك, وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك, والذي يلقيه الشيطان في النفس لا يخرج عن الفكر فيما كان…لو كان على خلاف ذلك, وفيما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
أو في خيالات وهمية لا حقيقة لها, أو فيما لا سبيل إلى إدراكه من أنواع ما طوي عنه علمه. فيلقيه في تلك الخواطر التي لا يبلغ منها غاية ولا يقف منها على نهاية, فيجعل ذلك مجال فكره ومسرح وهمه.
وجماع إصلاح ذلك: أن تشغل فكرك…بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه, وفي الموت وما بعده إلى دخول الجنة والنار, وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها.
وبالجملة فالقلب لا يخلو قط من الفكر إما في واجب آخرته ومصالحها, وإما في مصالح دنياه ومعاشه وإما في الوساوس والأماني الباطلة والمقدرات المفروضة
[الفوائد]
● الشيطان يشمُّ قلب العبد ويختبره:
الشيطان يشمُّ قلب العبد ويختبره, فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضاً عن كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام بها, وإن رأى فيه حرصاً عليها وشدة طلبٍ لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها, فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها, قائلاً له: إن هذا خير وطاعة, والزيادة والاجتهاد فيها أولى, فلا تفتر مع أهل الفتور, ولا تنم مع أهل النوم, فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها, فيخرجه عن حدها, كما أن الأول خارج عن هذا الحدّ, فكذا هذا الآخر خارج عن الحدِّ الآخر, وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم, وصيامهم مع صيامهم, وقراءتهم مع قراءتهم, وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة, لكن هذا بدعة التفريط والإضاعة, والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف.