مقالي عن اهتمام الإسلام بالإنسان وصفات الرجوله في الإسلام

35
اعداد الكاتب سمير الشرنوبي
من باب اهتمام الإسلام بالإنسان الذي هو “بنيان الرب” كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي القرآن الكريم: “ولقد كرمنا بني آدم.” فإنه يهدف إلى صناعة الفرد الصالح والنموذج القدوة، فالفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ومن المعلوم أن أي مجتمع تتكون لبناته الأولية من الذكور والإناث، قال تعالى: “وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى.” وأقسم في سورة الليل: “وما خلق الذكر والأنثى.” وقال: “فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى.” لكن الإسلام لم يفرق بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات والمسؤولية والجزاء، قال تعالى: “فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض.” وقال: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.” ف “النساء شقائق الرجال.” كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لذلك استعمل القرآن الكريم والسنة النبوية مصطلح “الرجولة” عند الحديث عن المؤمنين بغير تمييز بين ذكورهم وإناثهم، فاللفظ عام كما يقول العلماء.. وباستقراء هذه النصوص الجليلة تكتمل لدينا الصورة العامة والنموذج المثالي الذي أراده الإسلام لأفراده من خلال الصفات التي اقترنت بالرجولة في النصوص المتعددة..
وفي البداية يطالعنا قول الله تعالى: “من المؤمنين رجال (و”من” هنا للتبعيض فليس كل ذكر رجلا! بل إن الرجولة صفات ومبادئ ومنها: ) صدقوا (فهؤلاء هم الرجال الحقيقيون أهل الصدق والمروءة وليسوا أصحاب العمائم والشوارب!) ما عاهدوا الله عليه (الوفاء بالوعود وحفظ العهود “يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود.” “والموفون بعهدهم إذا عاهدوا”) فمنهم من قضى نحبه (مات وبقي ذكره الحسن كما قال إبراهيم عليه السلام: “واجعل لي لسان صدق في الآخرين.”) ومنهم من ينتظر (التوفيق في الحياة الدنيا أو الفوز في الآخرة “النصر أو الشهادة” فهم يعلمون أن الحياة الدنيا لا تدوم لأحد) وما بدلوا تبديلا(فهم أهل الثبات على المبادئ والقيم).”
لذلك لما تكلم ربنا عن عمارة المساجد والقيام على أمرها وخدمتها قال: “في بيوت أذن الله أن ترفع (تعظيما لشعائر الله) ويذكر فيها اسمه (في الأذان والصلوات) يسبح له فيها بالغدو والآصال . رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.” وقال: “فيه رجال يحبون أن يتطهروا.” وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: “..ورجل قلبه معلق بالمساجد..” قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : “إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان.” فالساجد قبل المساجد والإنسان قبل البنيان وبناء البشر أهم من بناء الحجر ولقمة في فم جائع خير من بناء ألف جامع ولا يعرف ذلك إلا الرجال.
ولأن التصدر للدعوة والإصلاح يحتاج إلى قوة في الحق لا تخشى في الله لومة لائم فقد جعل الله الرجولة من لوازم النبوة فقال تعالى: “وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم.” وقال ردًّا على من زعم أن الله لا بد أن يرسل ملكا برسالته: “ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون.” وفي القرآن الكريم: “أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم.”
ومن صفات الرجولة بذل النصيحة العامة، وفي سورة القصص: “وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين.” وفي سورة ياسين: “وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون.” وفي سورة غافر: “وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم.” (وقصة مؤمن آل فرعون مشهورة) وعندما تزعزع إيمان قوم موسى ورفضوا دخول الأرض المقدسة وقف أهل الرجولة موقفا ثابتا فجاء في سورة المائدة: “قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله توكلوا إن كنتم مؤمنين.”
ومن صفات الرجولة أيضا النجدة والإغاثة وإعانة المحتاجين وهذا هو سيدنا موسى -عليه السلام- “ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان (تمنعان أغنامهما من ورود الماء) قال: ما خطبكما؟! قالتا: لا نسقي حتى يصدر (يعود بعد انتهاء السقي) الرعاء (الرعاة) وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل فقال: ربِّ إني لما أنزلت إلي من خير فقير.” مما جعل الفتاة تثني عليه بصفة القوة والأمانة وهما من لوازم الرجولة: “قالت إحداهما: يا أبت استأجره؛ إن خير من استأجرت القوي الأمين.”
كذلك من صفات الرجولة عدم التخلي عن المسؤولية في أوقات الشدائد والمحن.. فرغم علم يوسف -عليه السلام- بحدوث المجاعة ورغم أنه قدم الحل النظري المدروس في تفسيره للرؤيا وأبرأ ذمته أمام الله إلا أنه فضل خوض المعركة العملية على أرض الواقع بعيدا عن التنظيرات الفارغة “قال: اجعلني على خزائن الأرض؛ إني حفيظ عليم.” ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه فوضعها في مكانها الصحيح وأنزلها منزلتها الحقيقية..
وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجل الأمثل والنموذج القدوة الذي لابد أن يتأسى به كل الرجال “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.” حيث كان شهما شريفا شجاعا مقداما يقول عنه الصحابه في الحرب: كنا إذا اشتدت الحرب وحمي الوطيس احتمينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنه لأقربنا إلى العدو. فهو مصدر الأمان والثقة، وهو إلى جانب ذلك السند والظهر والركن الدافئ عند الملمات، وعليه المعول في قضاء الحوائج، فقد كان يقول: “لأن أمشي في حاجة أخي حتى أقضيها له أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرا.” وكان خافض الجناح في تواضع جم للضعفاء والمساكين فيقضي حاجة فتاة صغيرة ولا يأنف أو يتكبر أن يطوف معها أرجاء المدينة كلها وهي تمسك بيده الشريفة!
فصلى الله وسلم على هذا الخلوق النبيل الذي علم البشرية الشرف والنخوة والرجولة..تحياتي وتقديري لمعاليكم السامية وكل عام وانتم بخير وصحه وسلامه يارب العالمين
قد تكون صورة لـ ‏‏‏الاعلامي سمير الشرنوبي‏‏ و‏نص مفاده '‏#احمي# نفسك احمي بلدك‏'‏‏