مقال شعر الحلاج في العشق الإلهي 

التعريف : 

أحدُ أعلام الصوفيَّة والتصوُّف في العالم الإسلاميّ، هو الحُسَيْن بن منصور، يُكنَّى أبا المغيث والشهير باسم الحلَّاج، وُلدَ في قرية البيضاء الفارسيّة عامَ 1207م، رَحَلَ إلى العراق وتربَّى ونشأ في مدينة واسط، وخلال حياتِه قضاها متنقِّلًا في كثير من المدن إلى أن حطَّت رحاله أخيرًا في بغداد، تفقَّه في علوم الدين، ودرسَ التصوَّف على يدِ شيخه سهل بن عبد الله التستري، كفَّره كثير من علماء الدين في ذلك العصر فحُكم عليه بالإعدام بعد محاكمة طويلة، فأعدم وأحرقَت جثته عام 1273م وهو في السادسة والستين من عمره، تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الأشعار والأقوال التي انتشرت بشكل واسع، وفي هذا المقال سيدور الحديث حول أدب الحلاج وبعض قصائده : 

قصيدة : أشار لحظي بعين علم

أشار لحظي بعين علِم

بخالصٍ من خِفِّي وَهْم

ولائحٌ لاح في ضميري

أدقّ من فهم وهم همِّي

وخضتُ في لجّ بحر فكري

أمُرُّ فيه كمرِّ سهم

وطار قلبي بريش شوقي

مركَّب في جناح عزمي

إلى الذي عن سُئلتُ عنه

رمزت رمزًا و لم أسمِّي

حتّى إذا جُزْتُ كلَّ حدٍّ

في فلوات الدنو أَهْمِي

نظرت إذ ذاك في سجَالٍ

فما تجاوزتُ حدَّ رَسْمي

فجئتُ مستسلمًا إليه

حدَّ قيادي بكفِّ سلْمي

قد وسم الحبُّ منه قلبي

بميسم الشوق أي وسم

وغاب عنِّي شهود ذاتي

بالقرب حتّى نسيتُ اسمي 

أدب الحلاج : 

يُعدُّ الحسين بن منصور الحلاج أحد أشهر رموز الصوفية على الإطلاق، وهو من أكثر الرموز التي تمَّ توظيفُها في العصر الحديث واستخدمه شعراء كثيرون من أمثال البياتي وصلاح عبد الصبور وغيرهم، وفي الحديث عن أدب الحلاج يجدر بالذكر القول بأنَّ الحلاج هو أديب وشاعر المتصوفة على مرِّ العصور، جعلَ من التصوُّف نضالًا وجهادًا من أجل إحقاق الحقّ وردِّ الباطل ولذلك كُرِّسَ كرمزٍ في الأدب العربي الحديث، ليُعبَّرَ به عن الثورة والنضال من أجل الحق، ولم يكتفِ الحلاج باعتناق الصوفية مذهبًا شخصيًا للعبادة فقط وعلاقةً خاصةً بين الخالق والمخلوق، بل عملَ على جعل مفهوم التصوُّف عمومًا مفهومًا آخرَ مختلفًا عمَّا كان عليه عندما وظَّفه للنضال في وجه الطغيان والظلم والاستبداد الذي يلحق بالمجتمع، وكلُّ ذلك انعكسَ على أدب الحلاج والذي تمثَّل أكثر ما تمثَّل في أشعاره الكثيرة :

قصيدة : عجبت منك ومني

عجبتُ منك ومنِّي

يا مُنـْيـَةَ المُتـَمَنِّي

أدنيتني منك حتَّى

ظننتُ أنَّك أنِّي

وغبتُ في الوجد حتَّى

أفنيتَني بك عنِّي

يا نعمتي في حياتي

وراحتي بعد دفني

ما لي بغيرك أُنسٌ

من حيث خوفي وأمني

يا من رياض معانيهِ

قد حوَتْ كلَّ فنِّ

وإن تمنَّيْت شيئًا

فأنتَ كلُّ التمنِّي 

خصائص شعر الحلاج : 

ويتميَّزُ أدب الحلاج من أشعار وأقوال تركَها خلفه بأنَّه يحملُ ملامحَ جليَّةً من المذهب الصوفي الذي يعتنقه حيثُ تعدُ أشعار المتصوِّفة من أجمل الأشعار في الأدب العربي، إضافةً إلى كون أدب الحلاج يتميَّز بالمغالاة في إظهار الحب الإلهي والروحانيات والدعوة إلى الحب النقي والتقشُّف والزهد في الحياة الدنيا، حيثُ يدعو أدب الحلاج إلى اعتناق الحب الذي يبلغُ أعلى درجات السمو حتى يصلَ إلى أعماق الإنسان ويصل بحبِّ الله لدرجة الفناء بالذات الإلهيَّة، كما يتزيَّن أدب الحلاج وخاصَّة أشعاره الشهيرة بثوبٍ لغويٍّ يحملُ شعريَّةً طافحةً جعلت من أشعاره قصائدَ خالدة ما زال الناس يرددونها ويتغنَّونَ بها رغم مضيِّ قرون طويلةَ على مقتَل الحلاج : 

قصيدة : والله ما طلعت شمس ولا غربت

والله ما طلعتٌ شمس ولا غربتْ

إلَّا وحبُّك مقرونٌ بأنفاسِي

ولا جلستُ إلى قوم أحدِّثُهم

إلَّا وأنتَ حديثي بينَ جلَّاسي

ولا ذكرتكَ محزونًا ولا فرحًا

إلَّا وأنت بقلبي بينَ وسواسي

ولا هممتُ بشربِ الماءِ من عطشٍ

إلا رأيتُ خيالًا منكِ في الكاسِ

ولو قدرتُ على الإتيانِ جئتكمُ

سعيًا على الوجهِ أو مشيًا على الراسِ

ويا فتى الحيِّ إن غنيَّت لي طربًا

فغنِّني واسفًا من قلبك القاسي

ما لي وللناس كم يلحونَني سفهًا

ديني لنفسي ودينُ الناسِ للناسِ 

إعداد سمير لوبه