مقال قراءة في الرواية التقليدية والرواية البوليفونية 

كتب سمير لوبه

 

الروايةُ التقليديةُ الكلاسيكيةُ نصٌ سرديٌ طويلٌ ، يتضمَّنُ وصفَ شخصياتٍ قد تكونُ واقعيةً وقد تكونُ خياليةً ، وتدورُ فيها الأحداثُ ويكثرُ فيها الحوارُ ، وتعدُ أطولُ أنواعِ القصصِ ؛ فتكثرُ الشخصياتُ وتتوالى الأحداثُ مسلسلةً ، وللروايةِ صنوفٌ كثيرةٌ يمكنُ تفنيدُها حسبَ الأسلوبِ المتَّبعِ أو الموضوعِ الذي تتناولُه أو عددِ الشخصياتِ فيها ، والروايةُ تسعى إلى الإكثارِ من السردِ على حسابِ الحوارِ ، كما تسعى إلى الأسلوبِ غيرِ المباشرِ الحرِ ، متخذةً من رؤيةٍ إيديولوچيةٍ معينةٍ نقطةَ انطلاقِها ، ويتمُّ ترجيحُ تلك النقطةِ من خلالِ السردِ والحبكةِ والتقليلِ من شأنِ الإيديولوچياتِ المخالفةِ ؛ فيتمُّ الانتقاصُ منها عن عمدٍ ؛ وذلك لوجودِ الساردِ العارفِ المتحكمِ في مجرياتِ السردِ ، بُغيةَ التأثيرِعلى المتلقي و تعدُ الروايةُ الكلاسيكيةُ ذاتَ البناءِ التقليدي روايةَ الصوتِ الواحدِ لذلك أطلق عليها النقادُ الروايةَ المنولوجيةَ ، في حين نجدُ الروايةَ البوليفونيةَ روايةً قائمةً على تعددِ الأصواتِ والشخصياتِ واللغاتِ والأساليبِ والمواقفِ ، تجعل القارئ يندمجُ معها ؛ ليدلي برأيه ويختارَ من المواقفِ والإيديولوچياتِ ما يناسبُه ، وبذلك تكونُ روايةً ديمقراطيةً ، وعلى النقيضِ نجدُ الروايةَ التقليديةَ روايةً أحاديةَ الصوتِ ، يتحكمُ فيها الراوي المطلقُ والساردُ العليمِ بكلِ الأشياءِ .

مفهوم الرواية البوليفونية : 

 الروايةُ البوليفونيةُ نوعٌ أدبي للروايةِ الحديثةِ ، حيث تفسرُ الواقعَ من وجهاتِ نظرٍ متعددةٍ متراكبةٍ في آنٍ واحدٍ ، والواقعُ داخلها معقدًا للغايةِ ، حيث يطولُ السردُ أكثرَ مما هو معتادٌ ، فتصبحُ الروايةُ عملًا كونيًا ، وهذا النوعُ من الروايةِ سيحدثُ تأثيرًا كبيرًا على الأعمالِ الروائيةِ في وقتٍ لاحقٍ من خلالِ تناولِ الكتابةِ غيرِ المشروطةِ والتي تمكّنُ الروائي من إظهارِ كلَ ما هو تراچيدي وكوميدي ، نثري وشعري ، خرافي وفلسفي وأسطوري ، وهنا تتداخلُ وجهةُ النظرِ ونقيضتُها في الروايةِ البوليفونيةِ متعددةِ الألحانِ حتى تصلَ إلى مستوى من التعقيدِ ، وتندمجُ مع الحقيقةِ ذاتِها ، وقد تمَّ تقديمُ هذا المفهمومِ – متعددة الألحان – لأولِ مرةٍ مع الفيلسوفِ الروسي ” ميخائيل باختين ” استنادًا إلى مفهومِ تعددِ الأصواتِ الموسيقيةِ ، حيث قال : أنَّ تعددَ الأصواتِ سمةٌ من السماتِ المميزةِ للروايةِ كونَها نوعًا أدبيًا ، واحتذى ” باختين ” بنثرٍ للكاتبِ الروسي ” دوستويفسكي ” في تعددِ الأصواتِ ، فيقول ” باختين ” : أنَّ رواياتَ ” دوستويفسكي ” على عكسِ الروائيين السابقين لا تهدفُ إلى سردِ رؤيةٍ واحدةٍ ، بل تذهبُ إلى زوايا مختلفةٍ ، وكان ذلك في كتابِه ” مشكلاتٌ في شعريةِ دوستويفسكي ” ، وقد تولدت الرواياتُ الدراميةُ عِندَ ” دوستويفسكي” كاملةً من أفكارٍ وآراءٍ متباينةٍ إلى وضعٍ غيرِ متساوٍ في أوجهِها مثل روايتِه ” الإخوة كارامازوف” .

وكانت روايةُ ” دون كيخوت ” لـ “ميجيل دي ثيربانتس ” نقطةَ انطلاقٍ لهذا النوعِ الأدبي للروايةِ الحديثةِ متعددةِ الألحانِ ، والتي أظهرت تأثيرًا بالغاً على الأعمالِ الروائيةِ التي تلتها .

وبناءً على ما أسلفناه ذكراً ، إنَّ الروايةَ البوليفونيةَ تعبيرٌعن صورةِ الإنسانِ وأشكالِ الحيواتِ المتعددةِ ، وتعقيداتِ المعاناةِ الإنسانيةِ ، كما أنَّها تتصدي للتشيوءِ : تصدي لتشييءِ الإنسانِ ، وتصدي لتشييءِ العلاقاتِ الإنسانيةِ و القيمِ الإنسانيةِ تحتَ سطوةِ طغيانِ المادةِ ، ويعني هذا أنَّ رؤيةَ كاتبِ الروايةِ البوليفونيةِ رؤيةٌ إنسانيةٌ رافضةٌ لتحويلِ القيمِ المعنويةِ إلى قيمٍ ماديةٍ ، منافرةً لكلِ ما يُشييءُ العلاقاتَ الإنسانيةَ ، إنَّ الروايةَ البوليفونيةَ أو متعددةَ الألحانِ تفسرُ الواقعَ حسبَ وجهاتِ النظرِ المتباينةِ من خلال اختلافِ وتعددِ شخصياتِ الروايةِ والحواراتِ التي تدورُ فيما بينها و يتمُّ طرحُ مختلفِ وجهاتِ النظرِ فيها ، وبالتالي تتباينُ الرؤى الإيديولوچيةُ ، لذلك فهي روايةٌ تعدديةٌ تأخذُ منحى ديمقراطياً في طرحِ الأفكارِ، وتتحررُ من سلطةِ الراوي التي كان يفرضُها في الروايةِ التقليديةِ الكلاسيكيةِ ، وتبتعدُ عن المنظورِ الأحادي في الأسلوبِ واللغةِ واللهجةِ ومستوى الوعي ، فيصبحُ الواقعُ داخلَها معقداً جداً.

خصائص الرواية البوليفونية :

تتميَّزُ الروايةُ البوليفونيةُ متعددةُ الألحانِ بعددٍ من المَيزَاتِ الفنيةِ التي تميزُها عن غيرِها ومنها نذكرُ : 

– تعددُ الأفكارِ المطروحةِ فيها ، فنجدُها تقومُ على أفكارٍ متعددةٍ ومواقفٍ مختلفةٍ ووجهاتِ نظرٍ عديدةٍ ، بالإضافةِ إلى اختلافٍ في المنظوراتِ الإيديولوچيةِ .

– تعددُ الأصواتِ أو الشخصياتِ ، حيثُ تحوي مجموعةً من الأصواتِ والشخصياتِ في صراعٍ إيديولوچي وفكري ، فتظهرُ الشخصياتُ مستقلةً عن الكاتبِ ولها كاملُ الحريةِ في التعبيرِ عن أفكارِها .

– تعددُ مستوياتِ الوعي ، حيثُ تمتلكُ الشخصياتُ فيها مستوياتِ الوعي المتباينةَ بينَ الزائفِ منها والواقعي ، والمستحيلِ والممكنِ ، فنجدُ وعي الشخصياتِ قد يكونُ سلبيًا أو إيجابيًا، ويختلفُ ذلك الوعي نتيجةَ اختلافِ ثقافةِ الشخصياتِ .

– تعددُ اللغةِ والأسلوبِ ، حيثُ تعتمدُ الروايةُ البوليفونيةُ أيضًا أساليباً لغويةً تشكلُ بُعدًا حواريًّا تعدديًّا ، لذلك لا تكونُ اللغةُ الأدبيةُ فيها واحدةً .

– البناءُ المركبُ ، فقد تحتوي الروايةُ متعددةُ الأصواتِ على أنواعٍ وأشكالٍ أدبيةٍ أخرى صغيرةٍ أو كبيرةٍ فيها ، مثل حكايةٍ شعبيةٍ أو خرافةٍ أو أسطورةٍ أو قصةٍ قصيرةٍ .. إلخ وهذا ما نقصدُ به البناءَ المركبَ .

– التناصُ في الحوارِ ، ويكونُ إمَّا بالتضمينِ أو الاقتباسِ أو الاستشهادِ

– الفضاءُ الكرنڤالي ، حيثُ يقومُ ذلك على الجمعِ بينَ المتناقضاتِ والتنقلِ بينَ الجَدِ والهَزْلِ والاعتمادِ على الرموزِ والأقنعةِ والدلالاتِ والانتقالِ من التراچيديا إلى الكوميديا أو العكسِ ، وقد ظهر هذا الفضاءُ كثيرًا عند ” دوستويفسكي ” .

ومن أمثلة الرواية البوليفونية : 

” رواية دون كيخوت ” للأديبِ الإسباني “ميغيل دي سرفانتس ” ، وتعدُّ أوَّلُ روايةٍ حديثةٍ في الأدبِ الأوروبي ، وهي نقطةُ انطلاقِ الروايةِ متعددةُ الأصواتِ

” الأخوة كارامازوف ” للأديبِ الروسي ” دوستويفسكي ” ، واعتبرها معظمُ النقادِ واحدةً من أعظمِ الأعمالِ في الأدبِ العالمي . 

” ساحرة بورتوبيللو” للأديبِ البرازيلي ” باولو كويلو” وهي روايةٌ منفتحةٌ على عالمِ الروايةِ المعاصرةِ والحداثةِ   

” ميرامار” للأديبِ المصري ” نجيب محفوظ ” ، والتي تدورُ حولَ أفكارٍ عديدةٍ من خلالِ تعددِ الشخصياتِ ، وتلك أمثلة على سبيل الذكرِ لا الحصرِ .

خلاصة القول : 

تختلفُ الروايةُ البوليفونيةُ عن الروايةِ المنولوجيةِ التقليديةِ بشكلٍ جذري ، حيثُ تتميَّزُ الروايةُ المنولوجيةُ بأنَّها ذاتُ صوتٍ واحدٍ داخلي ، وتتضمنُ ذاتَ الإيديولوچيةِ والتي تسيرُ وفقَ الخطِ الذي يرسمُه الساردُ الذي يفرضُ سيطرتَه على كلِ شيءٍ في الروايةِ ، وتستندُ الروايةُ التقليديةُ إلى رؤيةٍ واحدةٍ وسردٍ واحدٍ ولغةٍ واحدةٍ وإيديولوچيةٍ واحدةٍ وأسلوبٍ واحدٍ على كاملِ خطِ الروايةِ ، وذلك عكسُ الروايةِ متعددةِ الأصواتِ التي تدورُ حولَ أفكارٍ عديدةٍ من خلالِ العديدِ من الشخصياتِ ، حيثُ تُعبر الشخصيةُ عن الفكرةِ ولا تكونُ الفكرةُ مجردةً دخيلةً على الروايةِ ، كما تنبني الروايةُ البوليفونيةُ التعددُ اللغوي ، وبهذا تكونُ مختلفةً عن الروايةِ المنولوجيةِ التقليديةِ التي تستندُ إلى الأحاديةِ في كلِ شيءٍ ، أضفْ على ذلك ، فقد استفادت الروايةُ العربيةُ الجديدةُ من الروايةِ البوليفونيةِ تصورًا وصياغةً ورؤيةً .

بقلم سميرلوبه