أدب وثقافه

مقال قراءة في الشعر الإيراني الحديث

كتب سمير لوبه :

:

ليست دراسة نقدية بقدر ما هي استجلاء للشعر الإيراني الحديث وعرض لبعض نماذجه في مراحل تطوره نحو الحداثة والتجديد ، وأنا إذ أكتب عنه لا أزعم أنني ملم بكافة جوانب حركة الحداثة والتجديد الواسعة في تطور الشعر الإيراني ، وإنما هي قراءة و ملاحظات حول رواد الحداثة والتجديد في الشعر الإيراني وما طرأ عيه من تطور …

كان الشعر الكلاسيكي الإيراني قد صار في نهاية المطاف شكليا ومحبوسا في القافية والايقاع ، ولقد طرأت عليه منذ شعر ( عصر عودة ) الذي ظهر في القرن التاسع عشر ، ويعني العودة بالشعر إلى الماضي والتراث من خلال إعادة تشكيل اللغة الشعرية التي سادت القرون السابقة تحولات واسعة . ولم يكن بوسع الحالة الشعرية في إيران أن تبقى على أنماطها وقوالبها التقليدية ، كوسيلة إعلامية تسعى لتعزيز وتكريس نظام الحكم القائم.

ففي عام 1897 ، وُلد الشاعر “علي اسفندياري” والذي اختار لنفسه الاسم الأدبي (نيما يوشيج) ، ويعد واحدا من أهم مؤسسي الشعر الحديث في ايران ، ذاعت شهرته مع قصيدته الثانية (أيها الليل) ، التي نظمها في عام 1922 ، تلتها قصيدة (أفسانة) وتعني الأسطورة. وتعد هذه القصيدة الركيزة الأساسية للشعر الإيراني الحر. وتكمن أهميتها وأهمية شعر ” نيما ” بشكل عام ، في أنه كتب لها مقدمة يعرّف فيها القارىء بطبيعة الشعر الذي يكتبه ، واختلافه عن الشعر المعروف آنذاك في الشكل والبناء وهناك أهمية أخرى ، هي أن ثورة ” نيما ” في الشعر اتسعت لتشمل الشكل والمضمون معاً ، متفوقاً على بقية معاصريه الذين كانوا يهتمون بتطوير الشكل فقط. ومن شعر نيما يوشيج نسوق هذا النموذج لنلقي الضوء على شعره الحر حيث يقول :

« وتلك الرشيقة القوام

ذات السيقان الوردية

التي زرعتها بروحي

وسقيتها من روحي

وا أسفي تذبل بين يديّ

أمل بعيد

لعل بابًا يفتح

عبثا أترقب

أن يفتح أحد

فأبوابهم وجدرانهم المحطمة

تنهار على رأسي » .

أهم العوامل المؤثرة في توجهات نيما الشعرية :

1 – كانت والدة الشاعر متعلمة تقوم بتنويم ولدها الصغير من خلال رواية قصص شعرية من مختلف الرومانسيات الفارسية في القرون الوسطى

2 – تلقى الشاعر تعليمه من رجل الدين في القرية التي يعيش فيها وقدمت له قرية ( يوش ) بانوراما خضراء رائعة بجبالها البارزة المغطاة بالضباب وغاباتها فغدت مصدر إلهام الشاعر .

3 – حينما بلغ نيما يوشيج الثانية عشرة سافر الى طهران ودخل مدرسة ( سانت لويس ) الفرنسية ليتعرف على الشعر الفرنسي وبتشجيع من استاذه ” نظام وفا ” بدأ بكتابة قصائده على النمط الكلاسيكي في الشعر الإيراني وانتهج اسلوب الشاعر ” خراساني “

4 – معرفته بالأدب الفرنسي منحته آفاقا جديدة حيث قدم في وقت لاحق الشعر الحر الجديد في الأدب الإيراني .

كانت قصيدته السردية «أفسانة» التي عرضنا لها سلفا والتي نشرت في عام 1922 م أول قصيدة حديثة في الشعر الإيراني بشرت بثورة أدبية جديدة في إيران ، وبدأت القصيدة الإيرانية تستريح من الايقاع الكلاسيكي المقفى والرتيب .

خصائص وسمات القصيدة عند ” علي اسفندياري ” نيما يوشيج :

1 – لقد اتسمت قصائد نيما بحساسية شديدة ، وبساطة في التركيب تم استيعابها وفهمها بسهولة ، وتم تقييمها وتقديرها .

2 – كان الإنسان محور معظم قصائده ، حيث يقول أن «نواة شعري دائما هي الالم ،وعلى الشاعر ان يكون قد عانى منه ، لقد كان ألمي هو الذي يدفعني لكتابة الشعر».

تطور الشعر بعد نيما يوشيج :

• يظهر “أحمد شاملو” (رائد قصيدة النثر) ، ويُعتبر شعر شاملو معيارًا لاكتشاف ازدهار المفردات وتساميها وكيفية استخدامها على النحو الأمثل.

• أما “سهراب سيهري” فهو صاحب أسلوب خاص يعتمد على الخيال الحر

• أما “مهدي اخوان ثالث” فقد اعتبُر شعره جسراً بين الأنماط الكلاسيكية والشعر الحر

• وتُعتبر الشاعرة “فروغ فرخزاد ” ذات تجربة حقيقية ، فقد كانت الشواعر الإيرانيات قبلها ، ينتهجن شعراً ذا لهجة رجولية ، ومقلداً لشعر الرجل ، أما ” فروغ ” فكانت تنظر إلى الأشياء ببساطة وتكتب ببساطة الشعر الحر ذا النزعة الإنسانية ، وكانت مجموعتها نقطة فارقة في تطور الشعر الإيراني الحديث ، مقتربا من العالمية.

ومن شعر ” فروغ فرخزاد ” نسوق ذلك النموذج للتوضيح :

“إذا جئتَ إلى بيتي

ايها الحنون

هات لي سراجاً

ونافذةً صغيرة

أنظرُ من خلالها

إلى ازدحام الزقاق السعيد”

“آه

كأن غيمة ثقيلة سوداء

ترتمي على ذاتي

فكلما تمتزج قبلتك بشفاهي

أحسُ

كأن عطراً عابراً

يموت..”

التيارات الجديدة في القصيدة الإيرانية :

1 – وفي الستينات ظهرَتْ قصائد (التيار الجديد) كفرع جديد لشعر الحداثة، وكان غصناً تفرّع من قصيدة النثر ، وامتاز بأنه يضرب بجذوره في أسلوب الحوارات والنثر غير الأدبي.

2 – بعد ذلك ظهر عدد من التنويعات على هذا التيار الشعري مثل (قصيدة الحجم) وهي الشكل المنظم والمشذّب له ،

3 – عقد السبعينات ( الشعر التشكيلي ) وهو شعر امتاز بوضوح التعابير وتحاشي الغموض وتكريس النزعة التصويرية في لغة الشعر.

4 – ثم جاء (الشعر الخالص) وهو شكل موجز ومتبلور من (التيار الجديد) ، ومن روّاده “هرمز علي بور” و” آريا آريا بور”. وكان هذا الشعر يتقدم في مسيرته عندما وقعتْ الثورة الإيرانية فتفرق شعراؤه ووقفت مسيرته.

الشعر الإيراني اليوم :

أثمرت المزاوجة بين الشعر الحديث والشعر التقليدي في السنوات الأخيرة ، غزلاً جديداً يُطلق عليه (الغزل التصويري) ، الذي يعتمد القالب التقليدي كشكل ، لكن لغته وخياله يمتازان بالرصانة والحداثة.

يضاف لذلك ، غزل ( شعراء الثورة ) الذي احتضن أغراضا حماسية – دينية ، ويتجلى هذا النمط في الشعر الذي أُنتج بعد الثورة الخمينية.

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن الشعر الإيراني اليوم ، استوعب قضايا مجتمعه الراهنة فبلغ مكانة جيدة من التماسك والغًنى من حيث الشكل والمضمون ، ولا يزال يتفاعل ويتطور .

ومن الشعر الإيراني الآن نورد هذه القصيدة للشاعرة فاطمة راكعي
” إلى أطفال فلسطين
بأمومة أغسل جروحك
دموعي تنتهي
وليس
لجراحك
نهاية
أصعد تلةً
صنعتها من الحجارة
كم الصبح قريب ” .
وأخيراً ، يحفل الشعر الإيراني بنماذج شعرية متعددة ، فهو جزءّ من روح العالم من حولنا ، فالشعر لغة كونية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى