منهج النبي  في معالجة وتصحيح وتصويب الأخطاء الجزء الخامس

بقلم د/ محمد بركات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فالخطأ والأخطاء واردة الوقوع من آحاد الناس صغارهم وكبارهم مثقفيهم ومحدودي الثقافة لكن الفن الحقيقي ، والمهارة الدقيقة العالية الجيدة هي ما تكون في كيفية معالجة وتصحيح وتصويب هذا الخطأ حتي لا يكبر وينتشر ويتعدي من الخطأ إلي الخطيئة.
وهذا بدوره يحتاج إلي نوع خاص من فقه معالجة وتصحيح وتصويب الخطأ حتي يتم تقليلها أولا ثم عدم تكرارها في المستقبل مرة أخرى من باب أولى.
،لا بد لمن يتصدر لتصويب الأخطاء من معرفة طبيعة النفس البشرية فالضَّعْفِ جزء أصيل في تكوينها .
قال الله تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)
( سورة النِّسَاءِ ، الآية: 28).
وقال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)
(سورة الشمس، الآيات: 7_10)
فمهما كان صلاح العبد لن يسلم من الوقوع في الذنب والمعصية إلا أن تداركه رحمة الله تعالي ويكون في معينه
فقد صح من حديث رسول الله ﷺ :
“كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ).
والمدرك لمعالجة وتصويب وتصحيح الأخطاء يعرف أن به قوام الدنيا واستمرارها.
ثامنا: من يتصدر لإصلاح وتصويب أخطاء الآخرين عليه في المقام الأول تُذْكَرُ محاسن الشخص، وصفات الكمال التي فيه، وأنه قريبٌ منَ الكمال؛ لكنه ينقصه كذا وكذا، بِخِلاف تناسِي الحسنات، والتَّركيز على الأخطاء، فهذا مظنَّة عدم الاستجابة، فالمُوَجَّه يقع في نفسه أنه لا خير فيه، فلا يَحْرص على تصحيح الأخطاء، والتَّرَقِّي في درجات الكمال.
فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنتُ غلامًا شابًّا، وكنتُ أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرَأَيْتُ في النَّوم كأنَّ مَلَكَينِ أَخَذَانِي، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطويَّة كَطَيِّ البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلتُ أقول: أعوذ بالله منَ النار، قال: فَلَقِيَنا مَلَكٌ آخر؛ فقال لي: لم ترع، فَقَصَصْتها على حفصة، فَقَصَّتْها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نِعْم الرَّجل عبدالله، لو كان يُصَلِّي منَ الليل، فكان بعدُ لا ينام منَ اللَّيل إلاَّ قليلاً.
(رواه البخاري (1122)، ومسلم (2479).
بل عليك أيها الناصح الأمين حينما يُخْطِئ الشَّخص لا تنظر هذا الخطأ بمفرده بمعزل عن صاحبه، وبذله، وسابقته في الإسلام؛ بل ينظُر في حسناته، وهل له منَ الأشياء التي تشفع له، فحينما نَقَلَ حاطِب بن أبي بَلْتَعَة أخبارَ المسلمين إلى كُفَّار قريش، قال عمر بن الخطاب: إنَّه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فَدَعنِي أَضْرب عُنُقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(يا عمر، وما يُدريكَ؟ لعلَّ اللهَ قدِ اطَّلَع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجبتْ لكم الجنة))، قال: فدمعتْ عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.
(رواه البخاري (6259)، ومسلم (2494).
فعذره النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخطأ، الذي هو في اصطلاح المتأخرين الخيانة العظمى؛ لسابقته في الإسلام، وشهود بَدْر.
إن من يتصدر لإصلاح الأخطاء وعلاج العيوب لا بد أن يتمتع بنوع كبير من الذكاء الإجتماعي الذي يؤهله لحل هذه المشكلات في أسلوب ليس فيه تعنت ولا تسفيه من الآخرين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.