منهج النبي ﷺ في معالجة وتصحيح وتصويب الأخطاء الجزء الرابع

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فالخطأ والأخطاء واردة الوقوع من آحاد الناس صغارهم وكبارهم مثقفيهم ومحدودي الثقافة لكن الفن الحقيقي ، والمهارة الدقيقة العالية الجيدة هي ما تكون في كيفية معالجة وتصحيح وتصويب هذا الخطأ حتي لا يكبر وينتشر ويتعدي من الخطأ إلي الخطيئة.

وهذا بدوره يحتاج إلي نوع خاص من فقه معالجة وتصحيح وتصويب الخطأ حتي يتم تقليلها أولا ثم عدم تكرارها في المستقبل مرة أخرى من باب أولى.

،لا بد لمن يتصدر لتصويب الأخطاء من معرفة طبيعة النفس البشرية فالضَّعْفِ جزء أصيل في تكوينها . 

قال الله تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)

 ( سورة النِّسَاءِ ، الآية: 28).

وقال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

(سورة الشمس، الآيات: 7_10)

فمهما كان صلاح العبد لن يسلم من الوقوع في الذنب والمعصية إلا أن تداركه رحمة الله تعالي ويكون في معينه

فقد صح من حديث رسول الله ﷺ :

“كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ).

 

والمدرك لمعالجة وتصويب وتصحيح الأخطاء يعرف أن به قوام الدنيا واستمرارها.

سابعاً: ينبغي لمن يصوب ويصحح الأخطاء أن يمتلك الخبرة الواسعة والثقافة العريضة الواسعة اللازمة للتصحيح والتصويب.

فعليه وهذا يتأتي ويأتي بالممارسة إِيجَادُ الْبَدَائِلِ الصَّحِيحَةِ الْمُبْعِدَةِ عَنْ هَذِهِ الْأَخْطَاءِ، فَإن من يتأمل ويدقق في حال الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ يجده أنه لَمَّا مَنَعَ الْمُحَرَّمَاتِ شَرَعَ الْمُبَاحَاتِ الَّتِي يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ هَذَا الْحَرَامِ، فَلَمَّا حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الزِّنَا أَبَاحَتِ النِّكَاحَ، وَلَمَّا حَرَّمَتِ الرِّبَا أَبَاحَتِ الْبَيْعَ، وَلَمَّا حَرَّمَتْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَالْمَيْتَةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ وَمِخْلَبٍ، فِي الْمُقَابِلِ أَبَاحَتِ الذَّبَائِحَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا.

وليكن دور المصلحين في كل مكان التركيز الكامل علي التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ إِيجَادُ الْبَدَائِلِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي يَسْتَغْنِي بِهَا النَّاسُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، خُصُوصًا فِي هَذَا الْعَصْرِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ فَرَاغُ النَّاسِ وَتَفَنُّنُ أَهْلِ الْبَاطِلِ فِي تَزْيِينِ الْمُنْكَرَاتِ، وَفَتْنِ الْعِبَادِ بِالْمُحَرَّمَاتِ.

وعلينا دائماً مراعاة أننا بشر وحال البشر في أي مجتمع أنه يخطيء ويصيب المجتمع .

 هذا الخَطَأ والتقصير أمر بشري يحدث وسيحدث دائماً.. نعم يَحْصُل في بُيُوتنا، وفي شوارعنا، وفي مدارسنا، وفي مَقرِّ أعمالنا، وفي مساجدنا، ورسولنا المصطفي ﷺ قد بَعَثَهُ الله لإصلاح الدِّين والدُّنيا، فباتِّباعِ هَدْيِه يسعَدُ الناس في مَعَاشِهم ومَعَادِهم، وَلَعَلِّي أذْكُر طَرَفًا مِن مواقف النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم في تصحيح بعض الأخطاء، ودَفْع الناس إلى التَّرَقِّي في صفاتِ الكمال.

وكان دائماً بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها رسول الله ﷺ رسالته تصحيحُ الأخطاء، والتَّنبيه عليها، مِن غير ذِكْر مَن وَقَعَ فيها، فهذا مظنَّة الانتفاع أكثر، فلا يقع في نفس الشخص المُراد توجيهه شيءٌ، أو حَرَج، ولا يَتَعَرَّض لِقَدْح مِن بعضِ الناس، ومن هنا الخِطاب يكون عامًّا لكُلِّ مَن وَقَع في الخَطَأ، فيظنُّ أنَّه المقصود بالخطاب، بِخِلاف لو حدد الشخص؛ فعنْ أنس: أنَّ نَفَرًا مِن أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم سَأَلوا أزواج النَّبِي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أَتَزَوَّج النِّساءَ، وقال بعضهم: لا آكُل اللَّحْم، وقال بعضهم: لا أنام على فِراش، فحَمِدَ الله، وأَثْنى عليه، وقال: (ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا؛ لكني أُصَلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأَتَزَوَّج النساء؛ فَمَنْ رَغِب عنْ سُنَّتِي فليْسَ مني)

(رواه البخاري (5063)، ومسلم (1401).

، يقول تعالي ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [سورة التوبة ، الآية: 58]

، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

 [سورة التوبة ، الآية: 75].

 

فالتلميح، دون التَّصريح أحيانًا منهج نبوي وهدي اسلامي عظيم .

؛ فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطانِي، ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال: (يا حكيم، إنَّ هذا المال خضرة حلوة، فمَن أخذه بِسَخَاوَة نفس بورِكَ له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفس لَمْ يبارَكْ له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليدُ العليا خيرٌ منَ اليد السُّفلَى) ، قال حكيم: فقلتُ: يا رسول الله، والذي بعثَكَ بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدكَ شيئًا حتى أفارقَ الدنيا، فكان أبو بكر رضيَ الله عنه يدعو حكيمًا إلى العَطَاء، فيأبَى أن يقبَلَه منه، ثم إنَّ عمر رضي الله عنه دعاهُ لِيُعْطِيَه، فأبى أن يقبلَ منه شيئًا.

، فقال عمر: إنِّي أُشْهِدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أنِّي أعْرضُ عليه حَقَّه مِن هذا الفَيء، فيأبَى أن يأخذَه، فلم يرزأ حكيم أحدًا منَ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفِّي؛ (رواه البخاري (1472)، ومسلم (1035).

فتجد أنه حينما كَرَّرَ حكيم المسألةَ، كَرِه له النَّبِيِّ ﷺ ذلك، لا سِيَّما مع غِناه، فلَمْ يُصَرِّح له النبي صلى الله عليه وسلم بِكَراهة ذلك؛ بل رأى أنَّ التلميحَ كافٍ، فَلَمْ يَجْرح مشاعر حكيم بكلمة، وأَوْصَل ما يُريد إيصاله إليه؛ فلذا الْتَزَم حكيم بهذا التوجيه، ولم يأخُذْ حتى حَقَّه مِنَ العطاء.

إخوتي: الصغير تبدر منه الأخطاء مِن غير قصدِ الإساءَة، وتعمُّد إيذاء الآخرين، فلا ينبغي أن يُكْثَرَ معه العتب والتوبيخ، فضلاً عنِ العقاب، فَأَنَس بن مالك كان صغيرًا، وخَدَمَ النبي صلى الله عليه وسلم حين قدِمَ المدينة حتى لحقَ بالرفيق الأعلى، وكان يَتَوَانَى بالحاجة أحيانًا، ويقع منه ما يقع منَ الصبيان، ولم يَكُن يعتب عليه النبي صلى الله عليه وسلم أو يُوَبِّخه؛ فعَنْه قال: خدمْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، واللهِ ما قال لي: أفٍّ قط، ولا قال لي لشيءٍ فعلتُه: لم فعلتَ كذا، وهلاَّ فعلتَ كذا.

(رواه البخاري (6038)، ومسلم (2309).

والخطأ يقع من الجميع فحينما يُخْطئ الصغير، ويحتاج الأمرُ إلى تَنْبيهٍ وتوجيهٍ، كان مِن هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم التَّنبيه بكلماتٍ يسيراتٍ؛ ليتمَّ حِفْظها، وَوَعْيها مع اللُّطْف في العبارة، والرِّفْق بالتَّوجيه؛ فعن عمر بن أبي سلمة، قال: كنتُ غلامًا في حجْرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانتْ يدي تطيش في الصَّحفة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

(يا غلامُ، سَمِّ الله، وكُل بيمينكَ، وكُل ممَّا يليك)، فما زالتْ تلك طعمتي بعدُ.

(رواه البخاري (5376)، ومسلم (2022).

إن من يتصدر لإصلاح الأخطاء وعلاج العيوب لا بد أن يتمتع بنوع كبير من الذكاء الإجتماعي الذي يؤهله لحل هذه المشكلات في أسلوب ليس فيه تعنت ولا تسفيه من الآخرين.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.