منهج النبي ﷺ في معالجة وتصحيح وتصويب الأخطاء الجزء الثاني

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فالخطأ والأخطاء واردة الوقوع من آحاد الناس صغارهم وكبارهم مثقفيهم ومحدودي الثقافة لكن الفن الحقيقي ، والمهارة الدقيقة العالية الجيدة هي ما تكون في كيفية معالجة وتصحيح وتصويب هذا الخطأ حتي لا يكبر وينتشر ويتعدي من الخطأ إلي الخطيئة.

وهذا بدوره يحتاج إلي نوع خاص من فقه معالجة وتصحيح وتصويب الخطأ حتي يتم تقليلها أولا ثم عدم تكرارها في المستقبل مرة أخرى من باب أولى.

،لا بد لمن يتصدر لتصويب الأخطاء من معرفة طبيعة النفس البشرية فالضَّعْفِ جزء أصيل في تكوينها . 

قال الله تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)

 ( سورة النِّسَاءِ ، الآية: 28).

وقال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

(سورة الشمس، الآيات: 7_10)

فمهما كان صلاح العبد لن يسلم من الوقوع في الذنب والمعصية إلا أن تداركه رحمة الله تعالي ويكون في معينه

فقد صح من حديث رسول الله ﷺ :

“كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”. (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ).

والمدرك لمعالجة وتصويب وتصحيح الأخطاء يعرف أن به قوام الدنيا واستمرارها.

وقد عالج القرآن بمنهجه القويم وعلي عين وحياة رسول الله ﷺ أخطاء قد وقعت بالفعل في زمانه ووجوده صلي الله عليه وسلم.

فقد نَزَلَتْ آيَاتٌ تُبَيِّنُ أَخْطَاءَ أَفْرَادٍ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، فَحِينَمَا تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مُنَبِّهًا عَلَى خَطَئِهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى:

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ). ( سورة الْحُجُرَاتِ ، الآية: 2).

، وَلَمَّا أَفْشَى حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ قُرَيْشٍ أَنْزَلَ اللَّهُ تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) ( سورة الْمُمْتَحَنَةِ ، الآية: 1).

وكذلك لَمَّا جَاءَتْ قَافِلَةُ تِجَارَية وَالرَّسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَخْطُبُ بِالنَّاسِ انْفَضَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ إِلَيْهَا وَتَرَكُوا الْخُطْبَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ) ( سورة الْجُمُعَةِ ، الآية: 11).

وغيرها من الأحداث التي كانت فيها أخطاء.

لكن كيف تكون المعالجة وفق منهج نبوي رشيد؟

من هذه الأمور المهمة في المعالجة والتصويب:

رابعاً: ينبغي لمن يصوب الخطأ ويصححه ويغيره أن يلتمس منهج وهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ليست كل الأخطاء تعالج فور ظهورها دون معرفتها جيداً أو التمهيد لتصحبحها بعد الإلمام بها وبطرق علاجها

 فرُبَّمَا كان السكوت عَنِ الْخَطَأِ دَرْءًا وَدَفْعًا لِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ المسلمة: تَحَمُّلُ أَدْنَى الْمَفْسَدَتَيْنِ لِدَرْءِ أَعْلَاهُمَا، فَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَكَتَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْهُمْ مَعَ ثُبُوتِ كُفْرِهِمْ وَخِيَانَتِهِمْ دَرْءًا لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ ألا وهي : “حَتَّى لَا يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ”، وَمِنَ الأحداث

 و الْوَقَائِعِ الْمُؤَكِّدَةِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الأصيلة:

قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَاءَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالصَّحَابَةُ جُلُوسٌ حَوْلَ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَامَ ذَاكَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَجَعَلَ يَبُولُ فِيهَا، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَزَجَرُوهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “دَعُوهُ، اتْرُكُوهُ، لَا تُرْزِمُوهُ”، حَتَّى قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: “إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ”. فَنَلْحَظُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى الصَّحَابَةَ عَنِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ خَطَأٌ وَتَدْنِيسٌ لِلْمَسْجِدِ، كُلُّ ذَلِكَ دَرْءًا لِمَفْسَدَةِ تَحَرُّكِ الْأَعْرَابِيِّ أَثْنَاءَ بَوْلِهِ وَتَنْجِيسِهِ لِأَمَاكِنَ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ.

فأحياناً بل وعلي الدوام إدراك الواقع مع الإلمام بظروفه وملابساته أمر مهم جدا في التصحيح علي أي طريقة يبدأ التغيير والتصويب.

خامساً: ينبغي لمن يصوب الخطأ ويصححه ويغيره أن يلتمس منهج وهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ في ضرورة تَذْكِيرُ الْمُخْطِئِ بِتقوي ومُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، فقد رَأَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَدَ أَصْحَابِهِ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ فَنَادَاهُ: “اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ”.

 فَقَالَ الصَّحَابِيُّ مُتَذَكِّرًا عَظَمَةَ اللَّهِ وَعُقُوبَتَهُ: وَاللَّهِ لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ”.

فقد يغيب عن البعض ذلك فيأتي الدور بضرورة التَّذْكِيرَ بِعُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وهو مِنْ أَقْوَى وَأَنْفَعِ الْأَسْبَابِ في حينه فِي عِلَاجِ وتصويب الْأَخْطَاءِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْحَيَّ إِذَا ذُكِّرَ أَوْ تَذَكَّرَ عِنْدَ الْخَطَأِ شِدَّةَ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى نَدِمَ وَتَابَ وَاسْتَغْفَرَ، وَاللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ رَبَطَ بَيْنَ أَفْعَالِ الْمُخْطِئِينَ وَتَذَكُّرِهِمْ لِعَظَمَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا) 

(سورة آلِ عِمْرَانَ، الآية: 135).

سادساً: ينبغي لمن يصوب الخطأ ويصححه ويغيره أن يلتمس منهج وهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ في هَجْرُ الْمُخْطِئِ وَتَرْكُ الْكَلَامِ مَعَهُ وَإِظْهَارُ عَدَمِ الرِّضَا عَلَيْهِ، وهو لبعض المخطئين حسب حالتهم علاج مفيد وناجح للوصول للتغيير .

 فهَذَا الْهِجْرَانُ أُسْلُوبٌ تَرْبَوِيٌّ مُفِيدٌ؛ وَذَلِكَ لِمَا يُحْدِثُهُ مِنَ الْأَثَرِ الْبَالِغِ فِي نَفْسِ الْمُخْطِئِ، وَيَتَأَكَّدُ الْهِجْرَانُ إِذَا عَظُمَ الْخَطَأُ، فَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِهِ خَمْسِينَ لَيْلَةً؛ لِأَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَكَانَ ذَلِكَ الْهِجْرَانُ سَبَبًا فِي زِيَادَةِ نَدَمِهِمْ وَصِدْقِ تَوْبَتِهِمْ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ: أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كَانَ إِذَا اطَّلَعَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كَذِبَ كِذْبَةً لَمْ يَزَلْ مُعْرِضًا عَنْهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً.

وَلأن أي قاعدة لها أجزاء من الاستثناءات فالْهِجْرَانُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ حَالِ الْمُخْطِئِ وَمَكَانَةِ الْهَاجِرِ فِي نَفْسِهِ وَقُرْبِهِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْهِجْرَانُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَدَمُ الْمُخْطِئِ وَزَجْرُهُ عَنْ فِعْلِهِ فَهَذَا أُسْلُوبٌ نَافِعٌ وَعِلَاجٌ صَحِيحٌ، أَمَّا إِنْ كَانَ الْهِجْرَانُ لَا يَزِيدُ الْمُخْطِئَ إِلَّا بُعْدًا وَإِصْرَارًا عَلَى الْخَطَأِ، فَإِنَّ هَذَا الْهِجْرَانَ حِينَئِذٍ لَيْسَ بِأُسْلُوبٍ فِي الْعِلَاجِ.

 بل ينبغي التَنْبِيهُ للْمُخْطِئِ عَلَى خَطَئِهِ وَإِدْرَاكُهُ لَهُ أَمْرٌ مُهِمٌّ، لكن كيف يُرْشَدَ وَيُوَجَّهَ لِلْفِعْلِ الصَّحِيحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟ 

هذا هو الأهم.

، الصَّحَابِيُّ الجليل أَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ يَسْعَى إِلَى الْمَسْجِدِ لِيُدْرِكَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ، فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ: “زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ”.

نعم كن متميزاً في التغيير وليكن نصحك بيان محب لمحب بلا تجريح أو فضح إنما أنت للبناء وفقط.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.