من هو محمد حافظ رجب بيان من الكاتب السيد حافظ

53

جاء من أقصى مدينة الاسكندرية رجل يسمى محمد حافظ رجب

إلى القاهرة الساهرة وأحيانًا الكافرة كما قال الشاعر الكبير

أحمد عبد المعطي حجازي فى ديوانه (مدينة بلا قلب) يحمل أحلامًا

كبيرة ممتطيا جواد أفكاره الإشتراكية والعدالة الإجتماعية منبهرًا

بالادب الروسي والكاتب العالمى مكسيم جوركي ودستوفيسكى وأن

البسطاء والفقراء هم سر الأرض وملحها.. حين ترك الإسكندرية ترك

الأسرة ترك أباه صاحب المطاعم في شارع شكور (ثلاثة مطاعم متنوعة) …
ترك أباه وحيدًا وهو الإبن الأكبر الذي عاش له من إحدى عشر طفلًا

ولدتهم أمه فسموه تبركًا “الشحات”.. فتزوج أبوه من سيدة فاضلة

أخرى وأنجب منها تسعة أطفال عاش منهم أربعة (السيد كاتب معروف

وله أكثر من 150 كتاباً مؤلفاً.. وأحمد وكيل وزارة التربية السابق وله كتابين ..
والدكتور رمضان طبيب كتب ثلاثة وثلاثون كتابًا فى علوم الدين والطب..
والدكتور عادل باحث وكتب أكثر من 25 كتابًا فى الرياضة والسياسة الخليجية).

قرر محمد حافظ رجب أن يكون مثل طائر النورس لا يهدأ أبدًا واجه

أباه وأعلن رفضه أن يكون معه في التجارة والإشراف على المطاعم

واشتكى والده من مصاريفه التى كان ينفقها فى شراء كتب الأدب فهى

تحتاج إلى ميزانية خاصة فقرر الإنفصال عن الأسرة والبحث

عن وظيفة تمكنه من القراءة والكتابة لأنه كان يؤمن بمستقبل كبير وأنه سوف يصبح كاتبًا عالميًا ، لكن الأب أصر على بقائه معه فزوجه وهو في سن الثامنة عشر لكن جنون الفن والإبداع كان يحاصره فتزوج ونتج عن الزواج طفلتين وطلب من أبيه أن يستقل بحياته بعد شجار واستقل بحياته وعمل فاترينة في محطة الرمل لبيع الفستق واللي والسجائر والجرائد والمجلات والكتب وكانت هذه فرصة لتأتيه الكتب كل يوم مجاناً من دور التوزيع ليقرأ ويستمتع ويتابع وبدأ ينضم إلى الخلايا الشيوعية في الإسكندرية ورفض أن يكمل تعليمه الجامعي واكتفى بشهادة الإبتدائية القديمة وهى شهادة تعادل الثانوية العامة الآن وكان خطه جميلًا جدًا ” تخرج من مدرسة الطائفة الاسرائيلية بشارع شكور” وهى مدرسة للطبقة البرجوازية بالاسكندرية..
وعاش منعزلاً عن الأسرة وبدأ يراسل المجلات الأدبية والفنية في القاهرة وكان يذيل القصص بتوقيعه محمد حافظ رجب بائع الفستق واللوز في محطة الرمل .. ونظرًا لأن الصحافة تحتوي على جزء من الشر الحقير والإثارة الرخيصة فكانت تنبهر وتذهب إليه الكاميرات تصوره وهو يقف يبيع في الفاترينه بحوار مطعم
” على كيفك ” كانت قصصه الأولى تميل إلى الواقعية الإشتراكية التي تمجد حياة الفقراء والبسطاء وتندد بالرأسمالية الفاسدة وبينما صوره تملأ الجرائد والمجلات كان الأب يستشيط غبضا فهو يريده للعمل معه وحدث صدام شديد بين الولد وأبيه وزوجته فترك أباه وزوجته وهاجر إلى القاهرة الساحرة .. لمَ لا واسمه ينزل في المجلات بونت 36 واسم يوسف إدريس الشاب الصاعد معه بونت 16 وفي القاهرة وما أدراك ما القاهرة استقبله الكاتب الكبير يوسف السباعي هو والقاص محمد عباس وسأل محمد حافظ رجب كم يكفيك بالشهر مرتبًا؟؟ فقال عشرة جنيهات وقال محمد عباس ثلاثون جنيها وتم تعينهما في المجلس الأعلى للثقافة (وكان هذا الخطأ الأول فى حياته فى تحديد المبلغ الذى يكفيه).
الحرب المعلنة
تم تعينه (محمد حافظ رجب) في الأرشيف وبدأ سعد أفندي مدير الأرشيف يكلفه بما لا طاقة له به ، (كان المجلس الأعلى للثقافة يقع في 9 شارع حسن صبري في الزمالك – حاليًا المركز القومي للمسرح ) ثم في برنامج تلفزيوني عام 1960 كان يتم اختيار قصة قصيرة له وقام سيد خميس بإعداد السيناريو لها وقدمت فى سهرة تمثيلية قصيرة وناقش العمل الأستاذ فؤاد دواره مع محمد حافظ رجب .. وفى أثناء الحوار أجاب محمد حافظ رجب على سؤال من أستاذك الذى يعجبك فى الأدب ؟ فأجاب (نحن جيل بلا أساتذة) وفى اليوم التالى قامت صحيفة الجمهورية بفتح النار عليه ” محمد حافظ رجب يقول نحن جيل بلا أساتذة” وفى مقهى ريش قابل الأستاذ نجيب محفوظ محمد حافظ رجب وقال له نحن لنا أساتذة يا أستاذ حافظ .
أنا تلميذ سلامة موسى وهو أستاذي وأنت تكتب قصص سريالية. من أستاذك قل لى خبرنى؟ فلم يرد محمد حافظ رجب وكانت هذه المقولة بمثابة فتح أبواب جهنم عليه ومنع نشر أى قصة له في العدد الخاص للقصة القصيرة في مجلة الهلال التي يرأس تحريرها الأستاذ رجاء النقاش وقتذاك وعندما سأل حافظ عن سبب المنع قال النقاش حضر لى مجموعة من القصاصين هم (محمد البساطي وإبراهيم منصور ومحمد إبراهيم مبروك ويحيى الطاهر عبد الله) وطلبوا منى عدم وجودك معهم وانا استجبت لضغوطهم !!
ترى لماذا فعل أبناء الجيل الإبداعي هذا الموقف الغريب الذى ليس له تفسير سوى الغيرة والحقد والتآمر فيما بينهم .
كما منعت قصصه من النشر في صفحة الأدب بجريدة المساء التي يشرف عليها عبد الفتاح الجمل الناقد الشهير وكانت آخر قصة نشرت له في المساء بعنوان (موت جلد بائع جلد الساعات) ومن هذا الاسم بالذات تأثر محمد إبراهيم مبروك فكتب قصته الشهيرة (نصف صمت صوت طائر) .
وهكذا اسودت الدنيا فى وجه محمد حافظ رجب خاصة وأن هذا الزمن الأدبى كان زمن القصة القصيرة .
ولا ننسا الذين وقفوا مع تجربة محمد حافظ تاريخيًا (الأستاذ يحيى حقي رئيس تحرير مجلة المجلة) والأستاذ محمد عبد الحليم عبد الله (رئيس تحرير مجلة القصة).
أسئلة يجب أن تطرح الآن بعد رحيل الكاتب العظيم المهضوم حقه …
من الذي رفض طلب محمد حافظ رجب التفرغ للكتابة ومن الذي أعطى الأمر إلى الأستاذة سنية قراعة ومن الذي كتب التقارير ضده من المثقفين في اللجنة ؟؟؟ لقد غضب الراحل محمد حافظ رجب.
وكتب قصته الشهيرة بعنوان ” ماذا قالت الرؤوس الصلعاء حين اجتمعت” وغضب يوسف السباعى عليه وتابعه يوسف الشارونى مساعد يوسف السباعى وأصبح فى المجلس الأعلى للثقافة فى شبه حصار لم يكن يسانده هناك إلا الشاعر فوزى العنتيل.. ترى ماذا تفعل حين يكون عملك هو الجحيم .
فكر محمد حافظ رجب أن يعمل صحفياً فذهب إلى أخبار اليوم فطلبوا منه أن يجرى لقاء صحفى مع الكاتب الكبير توفيق الحكيم وبالصدفة السعيدة كان توفيق الحكيم فى زيارة للمجلس الأعلى للثقافة فى الزمالك وجلس فى حديقة ممدداً ساقيه فى الشمس فاقترب منه محمد حافظ رجب وقال له صباح الخير يا أستاذ أنا محمد حافظ رجب أريد أن أجرى معك لقاء لصحيفة الأخبار، فنظر له الحكيم وقال له أنت أديب يا محمد ولست صحفياً . قال محمد أريد أن أترك الأدب وأن أعمل بالصحافة فقال له الحكيم الصحفيون كلاب صيد صيدهم لغيرهم لا تعمل فى هذه المهنة.
ماذا فعل لويس عوض مع محمد حافظ رجب ؟
أرسل حافظ رسالة طويلة إلى محمد حسنين هيكل شارحًا فيها رؤيته للعالم وللأدب وللفكر طالبًا تعيينه فى جريدة الأهرام وكان الأهرام يقع فى المبنى القديم وليس الحالى فاتصلوا به من جريدة الأهرام وطلبوا حضوره لمقابلة لويس عوض الناقد الكبير والمفكر فذهبت معه تركنا لويس عوض أربع ساعات فى مكتبه ننتظر المقابلة وفى النهاية اعتذر السكرتير عن المقابلة ولم يتم تعيينه فى الأهرام؟
وحين غضب حافظ رجب عن اضطهاده فى الأرشيف اعتصم فى المجلس وقام وأذن آذان الظهر تحت شجرة بصوت عالٍ وقام بالصلاة ومن هنا أعلن حافظ رجب طلاقه وكفره باليسار وأعلن يوسف السباعى ويوسف الشارونى أن الرجل قد أصابته حالة نفسية خطيرة لابد من دخوله مستشفى الأمراض النفسية وكانت التجربة الأولى لدخوله فيها.
ظلت قصص حافظ رجب تهز كيانات الكتابة التقليدية والواقعية الاشتراكية وبدأ الجميع يتغير فقام نجيب محمود مثلاً بتغيير أسلوبه فى رواية ثرثرة فوق النيل وسرق تكنيك محمد حافظ رجب ؟ ماذا فعل أصحابه الذين خانوه :
فمثلاً إبراهيم أصلان الذى كان يكتب له رسائل كل أسبوع وهو فى الإسكندرية كل رسالة حوالى 16 صفحة كان وقتها حافظ يبيع الجرائد وإبراهيم أصلان موزع بريد فى قرية البدرشين من قرى الجيزة غير كل كتاباته وأسلوبه وكان يسخر من حافظ رجب من خلفه .
ماذا فعل إبراهيم منصور حين قام بالهجوم على محمد حافظ رجب فى كل مكان (إبراهيم منصور) لم يكتب إلا قصة وحيدة فى حياته اسمها (اليوم 24 ساعة)؟
ماذا فعل يحيى الطاهر عبد الله الذى كثر زجاجة البيبسى فى مقهى وادى النيل فى ميدان التحرير وفى حضور الأبنودى وأراد أن يقتله حينما قال أن الكتابات القديمة قد انتهت بما فيها نجيب محفوظ مع إيمان محمد حافظ رجب الكبير بنجيب محفوظ.
ماذا قال محمود أمين العالم وهو تحت آثر البنج من عملية فى المستشفى حين كان مديراً للهيئة العامة للكتاب وحوله مجموعة من الأدباء “حرام عليكم أطبعوا كتاب محمد حافظ رجب”.؟
ماذا فعل رؤساء الهيئة العامة للكتاب طوال سبعين سنة مع محمد حافظ رجب؟
لماذا أنكر إبراهيم أصلان مقولة محمد حافظ رجب نحن جيل من الأساتذة ونسبها إلى سيد خميس وسيد خميس نسبها إلى كاتب آخر؟
كل هذه الخيانات سلسلة متواصلة فى هذا الجيل.
بينما صمت إبراهيم فتحى الأب الروحى لليسار المصرى والنقد الحديث عن شهادته عن محمد حافظ رجب أو الدفاع عنه.
ماذا جرى فى مكتب نجيب محفوظ فى هيئة السينما
عندما قرر محمد حافظ رجب أن يودع القاهرة ويعود إلى الإسكندرية مهزوماً كان ينتظر من الكاتب الكبير نجيب محفوظ الذى يعشقه أن يقول له لا تسافر يا محمد واستمر فى القاهرة أو ينقله موظفًا فى هيئة السينما بدلاً من المجلس.
وكان وقتها نجيب محفوظ رئيس هيئة السينما وعندما دخل عليه محمد حافظ رجب قال له نجيب محفوظ خير يا أستاذ .. قال له جئت أودعك وأترك القاهرة وأعود للأسكندرية ثانية وضحك نجيب محفوظ ضحكته الساخرة تودعنى ودعنى يا حبيبى ودعنى وقام وحضنه وتركه ؟
ماذا جرى فى اتحاد كتاب مصر الذى نسى أن يصرف له معاش طوال أربعين سنة؟
أيها السادة أنعى إليكم رائد القصة القصيرة الحديثة من مصر والوطن العربى محمد حافظ رجب .
متى يخجل المثقفون وتاريخ مصر الأدبي من هذه الجريمة وقد لوثت أيدى المثقفين طوال التاريخ بقتل بعضهم بعضًا.
لقد مات ورحل أخى محمد حافظ عن عمر يناهز 86 عامًا .
كما رحل منذ عامين شقيقى الكاتب السياسي الدكتور عادل حافظ عن عمر 59 عاماً وفقدت الأسرة كذلك الدكتور رمضان حافظ 55 عاماً .
أيها السادة هذه الأسرة ابتليت بالكتابة والإبداع والعطاء وأذكركم بما قاله الراحل محمد حافظ رجب فى مجلة الثقافة الجديدة، نوفمبر 1964 :
نحن المخدرين، نقول كلمتنا.. نتناول العقار المخدر، ثم نقول كلمتنا، نهش به وجه المقت والغل وجهكم، ونحاسبكم. نحن المهلوسين الأبناء غير الشرعين لهذا الزمن، لهذا المكان نقول كلمتنا: كلمات العذاب واليأس (منكم) والتشنج. نحن المتقلصة أمعاؤنا أبداً، نرد عليكم، على البرجوازي الصغير، الموظف الخبيث المقنع بقناع الوظيفة حامل المسئولية، بينما هو يختبئ داخل درج مكتبة يأكل مال النبي نرد على البرجوازية المتوسطة المتربعة على عرش بعض مجلات الدولة تدافع عن قيم ثابتة تربة لاتهتز، وتسحق بحذائها ديدان الأرض: نحن ديدان الأرض، ويرشنا رجالها الجدد (مصححو المقالات في المطبعة) بالتوكسفين. نحن جوالو الطرق العشر المعفرة، متشردو الشوارع الضيقة، جامعو القروش من عطاياكم الهزيلة نقول كلماتنا. نقولها ونحن أنصاف مجانين، أنصاف عرايًا، أنصاف أفندية ومثقفين، نقول لكم كفوا عن اصطناع معركة الوهم، والهجوم المتوحش لخلق بالون الضجة المفتعلة، لا تجرونا إلى الخدعة، إلى الكذبة الوارمة : أنتم حراس البؤساء، فرسان قضية الجياع والمساكين وأبناء السبيل (فجأة وجدناكم ملائكة تعزفون لسنابل القمح الذهبية، وتغنون بأغاني الحصاد) وفجأة وجدنا أنفسنا غرباء منبوذين، خوارج مرفوضين. نحن الوهم وأنتم الحقيقة، وبقيتم منفردين بمزاميركم في الميدان، لكي تظلوا تعزفون ثم تبحثون عن محاربين، تجعلونهم أعداءً لكم… فأنتم تكتبون كل يوم وكل لحظة وتنشرون لكن لا تقولون شيئاً رغم ذلك (رد المؤلف ” صيحة نحن جيل بلا أساتذة ” على هجوم مجلة الثقافة الجديدة، نوفمبر 1964).
وأذكركم بشهادة الأستاذ يحيى حقي فى حق الراحل محمد حافظ رجب :
من يعرف القصص التي أتيح للأستاذ محمد حافظ رجب نشرها (واحدة منها في عد سابق من المجلة) لن تفاجئه هذه القصة. إنه يتميز بأسلوب يدل عليه ويكاد هو ينفرد به.
وأعنى بالأسلوب : المضمون والشكل واللغة. أسلوب يعد فى نظرى من نسل المذهب الريالى الذى يظهر في أوروبا حين ساد شعور بالحيرة والتمزق والضياع بعد الحرب العالمية الأولى. ثار على الرومانسية والواقعية معاً وغطس لأذنيه فى عالم الأحلام واللوعى والتلقائية، يزعم أنه يرفض إحناء الرأس للنفاق والخداع الاجتماعي. له احتقار للمعنى المفهوم لصالح غموض كاشف لعوالم اخرى، الوضوح فطرى ساذج والمنطق وهم متعارف عليه، كلهما يهوى محطماً إلى الأرض لحظة سفوره. إن كان لهما قدرة على التوصيل فقدرتهما على التغلغل مهدةة بالتبدد السريع أو على الأقل غير مضمونة الأثر، إنه في النهاية ينتزع الناس من نفوسهم لكى تبرز لهم دمامة الواقع المألوف وزيفه. جزاؤه الأكبر هو نشوة الحرية وتملك القدرة والحركة.
وكما كان العهد بالمذهب السريالى فإن أسلوب محمد حافظ رجب لابد له ان يفرض الفرقة فى الآراء ، بل لعل هذا هو مطلبه اللذيذ ، سيشجب أناس هذا اللون من الأسلوب ولا يرون فيه إلا هذيانًا متصلاً لا طائل وراءه، ويطالبون بسد المسالك أمامه خشية ضرره إذا تفشى وسيرتاح له أناس آخرون ويرونه معبرًا أصدق تعبير عن مشاعرهم ، وله عندهم فوق ذلك طرافة الجديدة الذى ينقذهم من رتابة القديم الذى كاد أن يبلى هو وعصره . وسيقرأ أناس غيرهم باستخفاف ولا سخط ، من باب التسلية ، ثم يسلكونه بين بقية التقاليع ، كالتجريد واللامعقول.
ولكن مهما يكن الراى فيه فمن الخير أن نفسح له صدرنا ، فلو نبذناه فى محجر صحى لمات لتعالت صرخاته بأنه قضى شهيدًا ناقص عمر، ينبغى أن نرخى له الحبل السرى ويرى هو معنا إلى أن يسير فى الأرض أو فى العمر ، ويكون الفيصل بيننا وبينه فى يده ، ولا ظلم، يقبل معنا قدره إذا تعثر ونفق ، ونقبل معه قدره إذا انطلق وعاش، وربما يكون الأصدق فى الحكم عليه هو جيل لم يبزع بعد .
قرأت هذه القصة فتراءت فى ذهنى لوحة من تصوير دافئ، فنحن فى عالم مفتت مشوه، أهله قزم ، وأصم ، وأعور ، ومقطوع الساق وأصلع وامرأة استحالت إلى دمية، ومن عنوان القصة وحده نفهم أننا مقبلون على عالم متداخل، تختلط عناصره فى عجينة واحدة وتتبادل وظائفها ، تداخل وتبادل ليس بين الأحياء فحسب بل بين الأحياء والجماد. إنسان يسكن علبة سجائر وإنسان يدخل براد شاي أو ساقًا خشبية ، وإنسان ينفذ من إذن إنسان إلى داخله، حتى البيرة مختلطة بالشاى . والأشخاص مذكورون فى أحوال قليلة بالاسم، وفى أحوال كثيرة بالوصف ، ومرة بحرف واحد هو (س) رامزًا إلى أن كل الشخصيات مبهمة مجهولة.. هذا التبادل والتداخل والتجهيل وهو عودة لهذا الغموض الهذيانى الذى نبع منه العمل ولكن بصورة أحد. أنظر قوله : هل تتبادل أنت وأبى مكاننا ، وأخيراً أنا كرة اللحم فى رأسك الصلعاء. ويصير ابنك أنا ويصير أبى صينية القهوة وتصير أنت أبى وأصير أنا أبى وتصير أنت .. نفس مهددة بالفصام والتشتت لعجزها عن التماسك والتوحد.