أدب وثقافه

ميكروباص نص الليل قصة قصيرة

كتب سمير لوبه :

 

في إحدى الليالي يلح عليّ ظرف طارئ بسرعة التوجه للقاهرة ، فأقرر السفر ليلا في سيارة
ميكروباص من محطة مصر ، وهناك قابلته ، رجل ضخم يرتدي معطفا يزيد من ضخامته ، ينفث دخان
سيجارته فتغطي ملامح وجهه المكفهر ، والذي تعلوه علامات غضب ينادي بصوت أجش وهو يشير
إليّ :
– واحد القاهرة
– نعم .. مسافر للقاهرة
– تفضل يا أستاذ اتبعني .
اتجه للحارة الضيقة المظلمة ، وأنا أتبعه بحذر ، فلمحت السيارة وبها ركاب ، فتبعته وركبتها ، لينطلق بنا ، أشعر أن كل من في السيارة ينظر إليّ بعينين متحجرتين ، فيتوجه بنا إلى شارع المشرحة فأسأله :
– لماذا استدرت بنا ؟!
– سأحضر حقيبتي من صديقي عامل المشرحة
– يا ساتر يا رب
وما إن أخذ حقيبته انطلقنا في طريقنا إلى الطريق الصحراوي متجهين صوب القاهرة ، وعند بوابة الإسكندرية أطفأ نور السيارة ، ودلف بنا بعيدا ، ومرّ من البوابة لا يشعر به أحد ، وكأن الواقفون على البوابة لا يرون السيارة مطلقا ، تعجبت محدثا نفسي : ربما يكون ذلك باتفاق مسبق بين الواقفين وسائقي الأجرة ، ولكن كيف ذلك ؟!! فأبادره متسائلا :
– لم فعلت ذلك يا أسطى ؟!
لم ينطق ببنت شفه ، واكتفى بالنظر إليّ في المرآة ، فلم أتمالك نفسي عندما رأيت نظرته لي كانت مرعبة يملؤها الغضب ، فنظرت لمن بجواري فلم يلتفت لي أحد ، وكأن على رؤوسهم الطير ، أحاول التحدث إليه لأبدد خوفا تملكني
– ألن تضئ النور لنا ؟!
فأجابني بصوت غاضب خشن
– اهدأ يا أستاذ .
ينتابني الشك في سلوك هذا السائق حتى الركاب كأنهم الأصنام تنبعث من أجسادهم برودة ، وكأنهم قد فرغت من أجسادهم دماء الحياة ، أهيم في خيالي ، فتغفو عيناي فأغط في نوم عميق ، لأفيق وقد شعرت ببرودة شديدة ، فإذا بي ملقى في حطام سيارة أجرة علاها الصدأ أثر حريق قديم أتى على كل ما فيها ، فأفزع لما أنا فيه أخرج من حطام السيارة بسرعة ، أتحسس جسدي أتلفت حولي ، أسرع لطريق الأسفلت ، كل ظني أنني وقعت في زمرة لصوص خدروني وسرقوا مالي ، فمددت يدي لأجد مالي كما هو لم ينقص قرشاً ، لم أفقد شيئا ، ليس بي أي أثر لحادث أو غيره ، أسير على حافة الأسفلت ، أتلفت حولي ، حتى لمحت من بعيد رجل يقف أمام إطارات كاوتشوك قديمة ، فهرعت إليه مهرولا فزعا في هذا الخلاء الرهيب ، تتصارع الأسئلة في رأسي لا أجد إجابة شافية لما حدث لي
– السلام عليكم
– وعليكم .. تفضل هل انفجر إطار سيارتك بعيداً من هنا ؟!
– أبدا كنت مسافرا في سيارة أجرة
فبادرني الرجل بابتسامة قائلا :
– ووجدت نفسك ملقى في حطام السيارة المحترقة الملقاة داخل الرمال بجانب الأسفلت ،
فاندهشت وارتعدت خوفا
– نعم وكيف عرفت ؟!
– إنها سيارة قد انفجر إطارها ، فانقلبت بركابها ، واشتعلت فيهم النيران ، لقد شاهدت الحادث بنفسي ، وشاركت في إنقاذ الركاب ولم ينج فيها أحد ، وكل فترة نقابل شخصاً مثلك تحضره الأشباح إلى هنا ، يعلم الله متى يتوقف ذلك ،
يضطرب لساني من شدة الهول فأقول :
– سأجلس معك من فضلك ، حتى يبزغ نور الصباح ، وأعود مع أي سيارة
– كما تحب .
انشغل ناظري بالطريق لألمح سيارة ؛ فأشير لها لتقلني بعيداً عن هذا المكان المخيف ، ها هي سيارة قادمة ، أشير لها فتقف ، تردد الطمأنينة إلى جوارحي ، أستدير لأشكر الرجل .. فلا أجد شيئا صحراء ممتدة لا أثر لإطارات ولا أثر للرجل بالمرة .
بقلم سمير لوبه

٠

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى