مِرآة| عثمان المصري

24

في مَسيرِهِ المُتهادي وسط شوارِعِ الحياةِ، مُوَزِّعًا مصائرَ الناسِ يَمنَةً ويَسرَةً، لا بُدَّ للقَدَرِ مِنْ أنْ يضَعَ في وَجهِكَ -كَنِعمَةٍ أو هُزءًا بِكَ،

لا أدري- شخصًّا يكونُ كالمرآةِ لِنَفسِكَ، يَنتَصِبُ أمامَكَ فجأةً كصَفعَةٍ مُدَوِّيَةٍ -لَمْ تَكُن تحسبُ لها حِسابًا- تأتيكَ بَغتَةً،

تُريكَ نجومَ كُلِّ ساعاتِ النَّهارِ ولَيسَ الظُّهر فقط..

ark season 3. D

شَخصٌ يَضَعُكَ أمامَ نَفسِكَ، فَتُبهَتُ صامِتًا، لا تحورُ جوابًا لِأسئلَةٍ لَمْ تُطرَح ولَن تُطرَح…
شخصٌ كُلَّما أرَدتَ مُحادَثَتَهُ، تترُكُهُ، وتغوصُ في صَمتِكَ نحوَ ذاتِكَ الهائمَةِ بَينَ كَلِماتِهِ، تَلتَقِطُ روحَكَ المُبَعثَرَةَ بَينَ حركاتِهِ وسَكَناتِهِ،

كَطِفلٍ يُلَملِمُ بقايا أشلاءِ دُميَةٍ وَجَدَتها لَهُ والِدَتُه، بَعدَ أن أعمَلَ فيها عقلَهُ الإجرامِيَّ تَفكيكًا ومِنْ ثَمَّ أضاعَها…
هو شَخصٌ عِندَما يَتَكَلَّمُ، يصوغُ في مَقاطِعِ كلامِهِ كُلَّ ما يَعتَمِلُ في خَلَدِكَ، فلا تَجِدُ أيَّ مَعنًى لأنْ تَفتَحَ فَمَكَ، لأنَّكَ

حُكمًا سَتَتَفَوَّهُ بِتُرَّهاتِ مَخمورٍ أو -في أفضَلِ الأحوالِ- ساذَجٍ يُلقي كلامًا يُثيرُ ضَحِكَ أكثَرِ المُستَمعينَ عقلًا ورزانَةً…
لا بُدَّ أنَّ لِلقَدَرِ حِساباتٍ خاصّة، تَجعَلُهُ يَفعَلُ كُلَّ ذاكَ عَنْ رِضًى تامٍّ بِوَضعِكَ أمامَ أكثَرِ غُرَفِ رأسِكَ وَحشَةً لِتَجِدَ

نُسخَةً مِنها مُشَرَّعَةَ الأبوابِ، تَتَراءى لَكَ أمامَ ناظِرَيكَ عَبرَ كُوَّةِ عيونِ ذاكَ الشَّخصِ الذي رماهُ القَدَرُ أمامَكَ أم رماكَ أمامَهُ،

لا فَرقَ. نُسخَةٌ أُخرى مِن خَوفِكَ ويأسِكَ وحُطامِكَ المُخَبَّأ كَحُطامِ سُفُنِ قَعرِ الكاريبي، نُسخَةٌ تأخُذُكَ نَحوَ صمتٍ، ذهولٍ، وجُنونٍ…