نارا نور آغا

20

الحب، الوله، الهيام و العشق، هم الدستور الأوحد والقانون الأسمى

في مملكتي الخاصة، حيث أسمو بروحي من كل ما هو دنيوي وفاني،

وأرتقي إلى عالم الخلود والأبدية…

الأميرة (نارا) هو إسمي وريثة عرش مملكة (أنوبين)، أعظم الممالك

وأكثرها قدرة على دَبِّ الرعب في قلوب من يجرؤ على الإقتراب من

حدودها المترامية الأطراف، ملكها وحاكمها (كاريس) والدي، عمل

طوال حياته على حماية حدودها من مطامع الأعداء، وخاصة مملكة

(شيفون) التي تحكمها ساحرة شمطاء لطالما سعت بكل قواها لتدبير

المكائد بهدف إزاحة والدي عن عرشه والسيطرة على مملكته، ودائماً ما

باءت محاولاتها بالفشل،حتى ذلك اليوم المشؤوم….

إحتفالات ضخمة تعمُّ المملكة، التنانين تجوب السماء مطلقة شراراتها

النارية والفرسان يعتلون صهواتها مستعرضين مهاراتهم برشاقة

منقطعة النظير، الرعية يجوبون الطرقات رقصاً وغناءً فرحين بتنصيب

أميرتهم كملكة ووريثة للعرش،يتجهون مهللين نحو باحة القصر

للمشاركة في مراسم التنصيب، وها قد حانت اللحظة التي يترقبها

الجمع الغفير، تقدمتُ نحو المنصة المخصصة للتتويج، وما إن وطأتها

قدماي حتى أحسست بصعقة تخترقني، رفعت ناظريّ نحو مصدرها

لأرى الساحرة الشريرة (آرامكا) ترمي نحوي شباكاً مسحورة تتوهج

بحقد أبديّ صبت تعاويذها الملعونة فيها، ثم أحكمت سيطرتها عليها

حتى شلَّت حركتي وسحبتني نحوها، لأجد نفسي مقيدة وعاجزة عن

الإتاء بأي حركة، فقط صوتها يتسرب إلى مسامعي، قبل أن أذهب إلى

المجهول، وصدى ضحكاتها تتردد في كل مكان.
…………………….

جميلة هي كنسمة ربيعية محملة بعبق الياسمين، رقيقة هي كفراشة

تتنشق رحيق الأزهار ، أحببتها، لا بل أدمنتها حد الثمالة، دوماً ما كنت

أسترق اللحظات لأراها خلسة بالبلورة السحرية، شعرها البني اللامع

يضاهي لون العسل بصفائه، عينيها الزمردتين تبثان أماناً كحضن أم

لطفلٍ لم يرَ نور الحياة، بشرتها الذهبية تعكس أشعة الشمس المتلألئة

كالعقيق، فمها، وآهٍ من ذلك الفم،أذوب بين شفتيها مع كل حرف تنطق
به،
أعشقها وأدري بأن عشقي لها ضرب من الجنون، وبأن طريقينا لم ولن

يتقاطعا معاً، ولكن من يثني هذا القلب الولهان عن النبض بإسمها ولها.
……………………….

الظلام يلفني، العتمة تسيطر على تفكيري ، تفقدني القدرة على الحركة

وليس بي طاقة للتفكير بالمجهول الذي أسقط فيه بلا هوادة، ضحكات
متقطعة وكلمات
بالكاد أسمعها وانا أسبح بين الواقع والأحلام، لأستيقظ أخيراً نافضةً عني رماد النوم.

قفص، سجن، قضبان نارية هو ما استطعت تمييزه للوهلة الأولى،

لأستعيد كامل وعيي من هول الصدمة حين وقع ناظري على ذلك

العملاق الضخم كريه الرائحة الذي يجلس متأملاً حالتي، حينئذ أدركت

بأنه سجّاني الذي إئتمنته الساحرة الشمطاء ليحرسني كي لا أجرؤ على الهرب.

حين تأكد من رؤيتي له، اقترب نحوي بخطواته العملاقة، لينظر نحوي مباشرة ويتكلم بصوت يكاد يصم الآذان :

-نارة أنتِ سجينتي التي سأسعى بكل ما أوتيت من قوة على حراستكِ

ومنعكِ بشتى الطرق من الهرب، وإلا فإن سيدتي الساحرة ستزهق روحي ثمناً لهربك ِ من بين يديها.

أجبته باستخفاف :

-ألا تخجل من نفسك أيها الضخم كريه الرائحة بأن تكون خادماً وعبداً

لتلك الشمطاء، إعلم جيداً بأن والدي وفرسان مملكته سيفصلون رأسك

الفارغ هذا عن جسدك ويحرقون سيدتك حيّة ثمناً لما فعلته بأميرتهم.

وكان هذا أول وآخر حديث جرى على ألسنتنا فقد تعمدت تجاهله

وعدم الخوض في أحاديث مع هذا الكائن المثير للشفقة والقرف في آنٍ معاً.
……………………………….

فتاة أحلامي خُطفت، وما بيدي من حيلة لإنقاذها، فأنا أضعف من أن

أواجه خاطفيها، عشقها يدمرني ويزلزل كياني، يدفعني للتمرد وكسر

الحواجز التي تكبلني وتمنعنا من أن نكون سوياً، ولكن مهلاً لن أسلم

راياتي بل سأعمل على خلق مستقبل يضمنا سوياً، يلفنا بالعشق والوَلَه،

عالم خاص بنا دون سوانا، عالم تلتقي به أرواحنا بعيداً عن كل ما هو دنيوي زائل، إنه عالم الأرواح……

…………………………….

أيام تلتها شهور مرت وأنا أسيرة ذلك الكريه الذي لا يفعل شيئاً في

أيامه الطوال سوى مراقبتي خشية عقاب سيدته الساحرة إن استطعت

الهرب، ولكن يبدو أن الهرب من هذا السجن في تلك القلعة المهيبة والبعيدة وتحت حراسة ذلك الغول يُعد ضرباً من الجنون.

اعتدت سجني ووحدتي وحاولت الهرب بروحي إلى عالمٍ آخر حيث

تحلق عالياً في سماء الحرية دون قيود، لطالما سمعت من الجواري في

القصر عن عالم الأرواح الذي يذهبن إليه بواسطة التأمل ولكنني لم

أجرؤ يوماً على تجربته خوفاً من أن تعلق روحي فيه ولا أستطيع

العودة إلى حياتي، أما الآن فليس لدي ما أخسره بل أرحب جداً ببقاء

روحي عالقة في ذلك العالم، جلست باسترخاء وتركيز شديدين لأحثَّ روحي على الخروج من جسدي.

دوامة تتلقفني وتدفعني في جميع الإتجاهات ، شعور بالغرق

ثم التماهي مع تلك الأمواج المتصارعة، طغى على حواسي حتى

هبطت بسلام في عالم لا يمت للواقع بصلة.
……………………………………
راقبت جلوس نارا بهدوء واسترخاء، وأدركت حينها بأنها تمارس التأمل لتستطيع إرسال روحها إلى عالم الأرواح، وتلك كانت فرصتي التي انتظرتها طويلاً لأركع أمام قدميها معترفاً بعشقي لها ، وما هي إلا ثوان حتى كانت روحي تحلق عالياً نحوها ، نحو عالم من نوع آخر حيث تلتقي أرواحنا بأشكال جديدة لا تمت لأجسادنا بصلة.
حلَّقت روحي نحو ذلك العالم حتى وصلت، وجلستُ أراقب ذهولها ودهشتها بكل ما تراه حولها، وتمسُّه بيديها وكأنها تتأكد ما إذا كان حقيقةً أو خيال….
……………………………………….
أشجار ملونة متحركة، زهور ناطقة، أحصنة أحادية القرن بألوان مبهجة، جنيات ضئيلات الحجم يرفرفنَّ هنا وهناك،أنهار من ذهب خالص وبساط من العشب الأخضر يفرض سيطرته أينما تركت العنان لنظرك بالتجول في ذلك المكان الذي يشبه الجنة، لا بل هو قطعة حقيقية من الجنة، محروم منها الكثيرون.
تجولت كثيراً والذهول يرافقتي مع العنقاء التي اختارت أن تكون دليلي في تلك البقعة المأخوذة من الأحلام حتى لمحت طيفه، فارس جميل المُحيّا، بهي الطلعة، يشبه إلى حد كبير ما تناقلته الألسن عن آلهة الإغريق، وبدون أدنى خجل أو تردد توجهت نحوه علني أحظى بصحبة بعد طول غياب عن عالم البشر في سجني المقيت تحت حراسة ذلك الضخم الكريه…..
……………………………….
ما إن رأتني نارا حتى توجهت نحوي ودقات قلبي تكاد تصمُّ أذني، كدت أفقد وعيي من فرط التوتر لم أرَها بهذا القرب من قبل، وعيناها تناظران عيناي وتقترب مني على استحياء، بادرت نحوها على عجل قبل أن أفقد فرصتي بهذا الحدث الجلل، وتوجهت نحوها قائلاً :
-أهلاً بكِ مولاتي، عالم الأرواح بكل ما فيه سعيد جداً بوجودك معنا.
ارتسمت على وجهها إبتسامة دافئة كادت تخلع قلبي من صدري، وأجابتني قائلة :
-بل أنا المحظوظة بدخولي إلى هذا العالم الرائع، وإني لشديدة الندم إذ لم أفكر في زيارته مسبقاً.
طال الحديث بيننا حتى أخبرتني بكل ما اعتمل في صدرها من عذاب جراء سجنها في تلك القلعة الملعونة وداخلي يحترق ألماً وكمداً على عدم استطاعتي تحريرها، وحين قررت العودة إلى أرض الواقع، ودعتني على أمل لقاء قريب يتجدد يومياً…..
……………………………………..
صحوت من تأملي وعدت إلى سجني البغيض، وذكريات ذلك العالم الساحر تلفني، وتغمرني بفيض هائل من المشاعر الدافئة اللذيذة، وذكرى واحدة تخلق نبضاً مختلفاً عن باقي نبضات قلبي وترسم إبتسامة حالمة على ثغري.

تكررت زياراتي إلى ذلك العالم الخيالي، وتكررت معه لقاءاتي مع ذلك الغريب الذي أصبح أقرب لقلبي من نبضاته،أحببته بل عشقته حتى النخاع، لأخبره بضرورة لقائنا بعد أن أتحرر من الأسر، فامتقع وجهه و كأنه يرفض ذلك اللقاء ، فبادرته بالسؤال:
– ألا تريد أن نلتقي في العالم الحقيقي؟
أجابني بلهفة :
– مبلغ مناي أن ألقاكِ.
أجبته بفرحة يشوبها الحزن :
-أريد منك أن تعاهدني عهد الفراق، إن لم نلتقِ بعد تحريري، لن تراني هنا مجدداً .
لمحت في عينيه نظرة كسيرة يشوبها حزن دفين ، ثم قال بهدوء :
-لن يكون بيننا فراق.
وقبل أن تُتاح لي فرصة سؤاله عن سبب حزنه، استيقظت من جلسة التأمل على مشهد مهيب لتنانين مملكتي يحلقون عالياً في السماء، ويطلقون اللهب نحو العملاق الذي فرّ هارباً لدى رؤيته لذلك الهجوم، وتم تحريري من اللعنة ومن الأسر وها أنا حرة من جديد، أتوق لرؤية والدي، ولقاء معشوقي.
……………………………

تحررت نارا أخيراً، حينها أيقنت بأن صلواتي ودعواتي بخلاصها قد قُبلت، فرحتي بذلك عظيمة، بيد أن عِظَمَ خوفي بانكشاف هويتي أمامها أكبر، ومعرفتها لشخصيتي القابعة خلف عالم الأرواح…..

إستيقظت من التأمل لأجد التنانين من حولي تبث نارها، و فرسان مملكة (أنوبين) يمتطونها ببراعة، لأهرب منهم، و انا أراهم يحررون معشوقتي من اللعنة و من السجن، نعم أنا ذلك العملاق الكريه الذي فر هارباً من بطش الفرسان …..
و في غابة الضياع، وقفت لالتقاط أنفاسي ، و التفكير بخسائري حين أنفذ وعدي لها بلقيانا كما تعاهدنا، لكنني أخذت القرار، سأذهب و ليكن ما يكون…
…………………………………..
وقفت بانتطاره و قد أثلجت أطرافي من التوتر والقلق، فتلك ستكون المقابلة الأولى لنا، يقولون دائماً أن الإنطباع الأول يدوم وذلك يشعرني بخوف يجعل قلبي ينتفض بداخلي وأسمع دقاته بوضوح كالطنين بأذني ،
رأيت طيفه يقترب و مع كل خطوة تزداد دقات قلبي من الشعور بالإثارة و لكن فجأة…..
كانت الصدمة، وانتهى كل شيء قبل أن يبدأ.
……………………………