المقالات والسياسه والادب

نعومة البدايات وفلسفة النهايات

نعومة البدايات وفلسفة النهايات

بقلم…هدى عبده 

 

تولد الأشياء في قلبي رخوةً

كزرقة فجرٍ يتعلمُ النورَ لأول مرة،

فتدنو إليّ الخطواتُ بريشة حلمٍ

وتصافحني الطرقاتُ

كأنها تعرفُ خفقان قدميّ

قبل أن أعرفَها.

في البدايات…

كل شيءٍ يتبرعم.

الكلمات تنضحُ بعطرها الأول،

والقلوب تتقنُ الكرم بلا تعليم،

والظن ينام بجانبنا

كطفل لا يعرف شكل الخيبة.

تمد الحياة لي خيطًا رقيقًا

فأتعلق به كما تتعلقُ النحلة

بنافذةِ ربيعٍ لم يأتِ بعد.

وأمضي…

أصغي لنبضي وهو يصدقُ

أن العالم يمكن أن يكون لينًا

مثل أطراف المطر.

لكن منتصف الدرب

كائنٌ آخر…

يخلعُ قناع الوداعة

ويكشفُ لي حقيقةَ الملامح.

هناك تتعرى الأرواحُ من زينتها،

فأعرف من ينمو دفؤه معي

ومن كان دفؤه

صدفةً على هيئة ابتسامة.

بعضُ العلاقات

تتجلّى كحبة رمانٍ

تتشققُ نضجًا

لا انكسارًا،

وتثبتُ كلما صفعها الهواء.

وأخرى…

تنهارُ قبل أن تبلغ الظلال،

لأن جذورها

كانت مُستعارةً من الغيم.

أما الحب…

فهو الطفلُ المتهور

الذي يركضُ داخل صدري

حافيًا من الحكمة.

يلونُ سماواتي

ويعلقُ على نافذتي

آمالًا أكبر من زجاجها،

ثم يدفعني أن أصدق

أن الكون يعيد تشكيل نفسه

من أجل ضحكة.

حتى أصل منتصف الحكاية…

حيث تنطفئ بعض اللمعات،

وتكبر الفوارق الصغيرة

كخطأٍ في نطق الاسم

لا يُغتفر مع الوقت.

هناك يتعلم الحب

أن يتحول من نشوةِ البدايات

إلى درسٍ طويل في الصبر.

ثم تأتي النهايات…

بهيئة ذهبٍ صقله العمر،

أو كريحٍ لا تنذر أحدًا.

منها ما يهبط عليّ

كورقةٍ خريفية تقبلُ الوداع،

فتغادر الأشياءُ بسلامٍ

له رائحة الامتنان.

ومنها ما يسقطُ

كحجرٍ على الذاكرة،

يمحو، ويكسر،

ويُعلمني أن اللطف

لا يحمي من الخذلان.

لكني—رغم كل ارتجاجاتي—

أعود.

أعود لألمس الباب الجديد

ولو بأصابع مرتعشة،

وأمنح قلبي

حق المغامرة مرةً أخرى،

لأن في داخلي سرًا قديمًا

يهمسُ لي كلما انطفأت:

أنتِ خُلقتِ لتبدئي

ولو كسرتكِ عشر نهايات.

وهكذا أعيش…

بين بدايةٍ تلاطف وجعي،

ونهايةٍ توقظ حكمةً في عظامي،

وطريقٍ يعيدني إلى نفسي

كلما ضللتُ عنها.

فالحياةُ ليست وداعًا مستمرًا،

بل تمرينًا طويلًا

على أن أجرؤ…

فأبدأ من جديد.

د. هدى عبده 🖋

مقالات ذات صلة