نفقة الأقارب

6

بقلم عاطف سيد المحامى بالنقض والإدارية العليا والدستورية العليا
اختلف العلماء في نفقة الأقارب على خمسة أقوال:
40 – الأول: ما عزوه إلى الشعبي – رحمه الله – من أنه لا يجبر أحد على نفقة أحد من أقاربه وإنما ذلك بر وصلة أي فهو مطلوب من جهة الديانة وليس واجبًا من جهة القضاء وقد استبعد ابن القيم – رحمه الله – نسبة هذا القول إلى الشعبي وقال إن الظاهر أنه أراد أن الناس كانوا أتقى لله من أن يحتاج الغني أن يجبره الحاكم على الإنفاق على قريبه المحتاج فكان الناس يكتفون بإيجاب الشرع عن إيجاب الحاكم أو إجباره أهـ أقول: ويؤيده ما حكاه ابن المنذر من إجماع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما واجبة في مال الولد.
41 – الثاني: مذهب مالك – رحمه الله – وهو أن نفقة الأقارب الواجبة محصورة في الأبوين وأولاد الصلب ذكورًا وإناثًا ليس إلا.
فيجب على الولد الموسر صغيرًا أو كبيرًا ذكرًا أو أنثى مسلمًا أو غير مسلم أن ينفق ما فضل عن حاجته وحاجة زوجته أو زوجاته على والديه المعسرين بنفقتهما كلاً أو بعضًا ولو خالفاه في الدين كلاهما أو أحدهما حيث كانا عاجزين عن الكسب فإن قدر عليه أحدهما أو كلاهما أجبر القادر منهما على الكسب على المعتمد من المذهب وقيل لا يشترط عجزهما عن الكسب وعليه اقتصر ابن جزي في قوانينه وهذا القول هو الموافق لمذهب أبي حنيفة – رحمه الله – على ما سيأتي في موضعه وهو الأرفق.
وفي منح الجليل: الأب المعسر تجب له النفقة على ولده الموسر ولو كان الأب قادرًا على الكسب وهذا هو قول الباجي ومن وافقه لكن المعتمد ما قاله اللخمي من أنه يجبر على عمل صناعته وهذا هو الظاهر قياسًا على الولد فإنه اشترط في وجوب نفقته على أبيه عجزه عن التكسب بصناعة لا تزري به. أهـ وتمامه فيه. أما إذا كان الولد معسرًا فلا تجب عليه نفقة والديه حتى لو كان قادرًا على التكسب لا يجب عليه التكسب لأجل الإنفاق على أبويه، ويجب على الولد الموسر أيضًا نفقة خادم الوالدين ونفقة خادم زوجة الأب التي هي أهل للإخدام كما يجب عليه إعفاف أبيه بزوجة أو أكثر إن لم تعفه الواحدة، وهل تجب نفقة زوج أمه الفقير عليه ؟ ثلاثة أقوال: ظاهر المدونة أنه لا يجب عليه ذلك لأن نفقة ذلك الزوج الفقير ليست واجبة على زوجته بخلاف نفقة زوجة الأب فافترقا وهذا القول هو المشهور، الثاني أنه يلزمه مطلقًا.
الثالث: أنها تزوجته معسرًا فلا نفقة له على ولدها وأن تزوجته موسرًا ثم أعسر لزم ولدها الموسر الإنفاق عليه، وإذا تعدد الأولاد وكانوا جميعًا موسرين فإن النفقة توزع عليهم على حسب اليسار إذا كانوا مختلفين فيه وقيل توزع عليهم على الرؤوس ولا يلتفت إلى تفاوتهم في اليسار وقيل توزع على نسبة الميراث الذكر ضعف الأنثى، وأرجح هذه الأقوال الثلاثة هو الأول وهو المشهور فإن كان بعض الأولاد معسرًا وبعضهم موسرًا وجبت النفقة على الموسر منهم لا غير على ما تقدم.
42 – وأما أولاد الصلب فإن نفقتهم تجب لهم على أبيهم بشرطين أن يكونوا صغارًا وأن لا يكون لهم مال وقد نصوا على أن الأب المعسر لا يجب عليه أن يتكسب من صناعة أو غيرها لينفق على ولده المعسر ونصوا أيضًا على أن الأم إذا استحقت أجرة على إرضاع ولدها كانت أجرتها في مال الولد الذي ترضعه فإن لم يكن له مال ففي مال أبيه إن كان مليًا فإن لم يكن له مال وجب عليها إرضاع الولد مجانًا بنفسها أو تستأجر له من ترضعه إذا قدرت على ذلك وأقول يؤخذ من هذا أن يسار الأب شرط لوجوب نفقة ولده عليه، قالوا: ويستمر وجوب نفقة الصبي على أبيه حتى يبلغ وأما الصبية فحتى يدخل بها زوجها، على تفصيل لهم في ذلك، فإن بلغ الصبي صحيحًا سقطت نفقته على الأب وإن بلغ مجنونًا أو مريضًا، زمنًا أو أعمى وهو لا يقدر على الكسب لم تسقط نفقته بالبلوغ على المشهور بل تستمر وقيل تنتهي إلى البلوغ، كالصحيح، ولو بلغ صحيحًا فسقطت نفقته ثم طرأ عليه شيء مما ذكر لم تعد النفقة وقيل تعود، وإن طلقت البنت بعد سقوط نفقتها لم تعد على أبيها إلا إذا عادت إليه وهي صغيرة غير بالغة أو كانت بكرًا أو بالغة زمنة، ولا يشترط اتحاد الدين لوجوب النفقة على ما تقدم.
والنفقة الواجبة لكل من الوالدين والأولاد سواء أكانت مؤونة أو كسوة أو سكنى تقدر على حسب مال المنفق وعادات البلاد.
تنبيه
من له أب وولد فقيران وقدر على نفقة أحدهما فقيل يتحاصان وقيل يقدم الابن وقيل يقدم الأب، وتقدم الأم على الأب والصغير على الكبير، والأنثى على الذكر عند عدم كفاية النفقة إلا لبعضهم دون بعض فلو تساوى الوالدان صغرًا أو كبرًا أو أنوثة تحاصا.
43 – وتسقط نفقة الأولاد والوالدين عن المنفق الموسر بمضي الزمن فإذا مضى زمن والذي يستحق النفقة من هؤلاء يأكل ويشرب عند غير من تجب عليه نفقته فليس له الرجوع عليه بنفقة تلك المدة الماضية لأن نفقة الأقارب إنما شرعت لسد الخلة ودفع الحاجة وقد حصل ذلك بخلاف نفقة الزوجة لأنها في مقابلة الاستمتاع بها فلا يسقطها مضي الزمن، لكن إذا حكم بتلك النفقة قاضٍ يراها أو قام بها شخص غير متبرع وأراد الرجوع فإن النفقة لا تسقط في هاتين المسألتين.
هذا ولا تجب نفقة الجد والجدة مطلقًا على ولد ولدهما ولا نفقة الولد على الجد لا فرق في ذلك بين كون الجد لأب أو لأم ولا بين كون الولد ذكرًا أو أنثى بل النفقة محصورة في الأبوين وأولاد الصلب دون سواهم.
44 – الثالث مذهب الشافعي – رحمه الله – وهو أوسع من مذهب مالك – رحمه الله – وجملة القول فيه أن القرابة التي تستحق بها النفقة هي قرابة الوالدين وإن علوا وقرابة الأولاد وإن نزلوا فيجب على الولد نفقة أبيه وأمه وجده وجدته من أية جهة كانوا، قال الله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، ومن الإحسان إلى الوالدين أن يقوم الولد بما يحتاجان إليه من نفقة وكسوة وسكني وسائر حاجات المعيشة وقال تعالى (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)، ومن المصاحبة بالمعروف مواساتهما والقيام بحاجاتهما قال – صلى الله عليه وسلم – (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه)، واسم الوالدين يتناول بعمومه الأجداد والجدات.
كذلك يجب على الأب أن ينفق على ولده قال تعالى (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) فإيجاب الأجرة لإرضاع الأولاد يقتضي إيجاب مؤونتهم وقال تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) أوجب سبحانه وتعالى على المولود له وهو الأب رزق الوالدات وكسوتهن فنبه بهذا على وجوب نفقة المولود على أبيه بالأولى، وقال – صلى الله عليه وسلم – من حديث هند المتقدم في الفقرة (16) الذي رواه الشيخان (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، وتجب على الأم أيضًا نفقة الولد لأنها إذا وجبت على الأب وولادته من جهة الظاهر فلأن تجب على الأم وولادتها من جهة القطع أولى، وكذلك تجب على كل من الأب والأم نفقة ولد الولد وأن سفل لأن اسم الولد يقع عليه ولأن العلاقة بين الإنسان وأصوله من جهة وبينه وبين فروعه من جهة أخرى علاقة البعضية فهو بعض من أصوله، وفروعه بعض منه، وبعض الإنسان كنفسه فكما يجب على الشخص أن ينفق على نفسه يجب عليه أيضًا أن ينفق على بعضه وعلى من هو بعض منه.
45 – ولا يشترط في نفقة الأصول على فروعهم ولا في نفقة الفروع على أصولهم اتحاد الدين لعموم الأدلة ولعلة البعضية لكنهم استثنوا المرتد والحربي إذ لا حرمة لهما وكذلك لا يشترط كون المنفق وارثًا للمنفق له لأن تلك النفقة حق وجب بالقرابة المحضة فألغيت معه من أجل ذلك صفات الإرث والذكورة والأنوثة واتحاد الدين إذ انتفاء هذه الصفات لا يقتضي انتفاء القرابة.
46 – ويشترط في هذه النفقة أن يكون من تجب عليه موسرًا أو مكتسبًا يفضل عن حاجته ما ينفقه على قريبه وأما من لا يفضل عن نتفقه شيء فلا وجوب عليه لما روى جابر – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال (إذا كان أحدكم فقيرًا فليبدأ نفسه فإن كان فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته) قالوا والمراد بالعيال هنا الزوجة فإن لم يكن له فضل غير ما ينفق على زوجته لم يلزمه نفقة القريب لهذا الحديث ولأن نفقة القريب مواساة ونفقة الزوجة عوض فقدمت على المواساة ولأن نفقة الزوجة تجب لحاجته فقدمت على نفقة القريب كما قدمت عليها نفقة نفسه ويشترط فيمن تجب له النفقة أن يكون محتاجًا فإن كان موسرًا فلا يستحق النفقة لأنها تجب على سبيل المواساة والموسر مستغنٍ عن المواساة، وإن كان معسرًا عاجزًا عن الكسب لعدم البلوغ أو للكبر أو الجنون أو الزمانة أو نحو ذلك استحق النفقة على قريبه لأنه محتاج لعدم المال ولعدم الكسب، وإن كان قادرًا على الكسب للصحة والقوة فإن كان من الوالدين ففيه قولان: أحدهما: أنه يستحق لأنه محتاج فاستحق النفقة على ولده ولا يكلف كسبًا لتأكد حرمته ولأن تكليفه الكسب مع كبر سنه ليس من المعاشرة بالمعروفة المأمور بها. ثانيهما: أنه لا يستحق لأن القوة كاليسار ولذا سوى بينهما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تحريم الزكاة فقال (لا تحل الصدقة لغني ولا الذي مرة قوي) [(4)]، وإن كان من المولودين فمن أصحاب المذهب من قال فيه قولان كالوالدين ومنهم من قال لا يستحق قولاً واحدًا لأن حرمة الوالد آكد فاستحق بها مع القوة وحرمة الولد أضعف فلم يستحق بها مع القوة، والقول بالتفرقة بين الأصول والفروع هو الأظهر كما نص عليه في التحفة وفيها أيضًا أن القادر على الكسب يكلفه إن كان حلالاً لائقًا به وإلا فلا وأن الصغير إذا أطاق الكسب أو تعلمه ولاق به جاز للولي أن يحمله عليه وينفق عليه منه فإن امتنع أو هرب لزم الولي الإنفاق عليه (انظر التحفة والروض وشرحه).
وجوب النفقة عند اجتماع الأقارب من جانب المنفق والمنفق عليه
47 – عند اجتماع الأقارب من جانب المنفق قد يشتركون جميعًا في الإنفاق وقد يؤمر به بعضهم دون بعض، وأقول إن الناظر في كتب الشافعية المعتبرة كالمهذب والروض وشرحه والتحفة يرى أنهم اختلفوا في مناط الترجيح فرجعوا فيه مرة إلى قرب القرابة وأخرى إلى الإرث وتارة إلى الذكورية وأخرى إلى التعصيب وقد يرجحون بقوة الدليل، من أجل ذلك تعددت الأقوال واختلفت وجهة النظر في التصحيح اختلافًا بيتًا وهناك جملة ما قالوه في ذلك:
( أ ) إذا كان الأقارب كلهم فروعًا وكانوا جميعًا موسرين فعند الاستواء في القرب والاشتراك في الميراث كابن وبنت تكون النفقة على السواء فعلى الابن نصف النفقة وعلى البنت النصف الآخر ولا عبرة بتفاوت اليسار، وقيل توزع النفقة على قدر الميراث فإن كان أحد الفروع وارثًا والآخر غير وارث كابن ابن وابن بنت وكبنت بنت وبنت ابن قدم الوارث لقوة قرابته فتجب عليه النفقة وحدها، وقيل هما سواء لأن القرابة المجردة عن الإرث موجبة للنفقة، وإن اختلفا في القرب فالنفقة على الأقرب منهما وإن كان أنثى كبنت وابن ابن فالنفقة على البنت وقيل هي على ابن الابن لأن له ولادة وتعصيبًا فيقدم عليها كما يقدم الجد على الأم وعليه اقتصر في المهذب وكابن بنت مع ابن ابن ابن الأصح أن النفقة على ابن البنت وإن لم يكن وارثًا لقرب قرابته (كذا في التحفة)، وإن كان له بنت وابن بنت ففيه قولان أحدهما إن النفقة على البنت لأنها أقرب والثاني أنها على ابن البنت لأنه أقوى وأقدر على النفقة للذكورية (كذا في المهذب).
(ب) وإذا كان الأقارب كلهم أصولاً وكانوا موسرين جميعًا فإن كان فيهم أب فالنفقة عليه وحده، ففي أب وأم موسرين النفقة على الأب وحده لقوله تعالى (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن) الآية ولحديث هند المتقدم ولأن الأب ساوى الأم في الولادة وانفرد بالتعصيب فيقدم، وفي أب وحد النفقة على الأب لأنه أحق بالمواساة من وراءه في الدرجة، وعند عدم الأب تجب النفقة على الجد الموسر وإن علا، وبعدهما تجب على الأم وإنما قدم الأب والجد على الأم لأنهما أقدر على القيام بالنفقة منها، فإن اجتمع أجداد وجدات موسرون لزمت الأقرب لقربه ولو لم يدل به الآخر (كذا في الروض وشرحه)، وفي المهذب: إن كان له أم وجد أبو أب وهما موسران فالنفقة على الجد لأن له ولادة وتعصيبًا فيقدم على الأم كما يقدم الأب عليها وإن كان له أم أم وأبو أم فهما سواء لأنهما يتساويان في القرب وعدم التعصيب، وإن كان له أم أم وأم أب ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء لتساويهما في الدرجة والثاني أن النفقة على أم الأب لأنها تدلي بالعصبة.
(ج) وإذا كانوا خليطًا من الفروع والأصول وكانوا جميعًا موسرين فعند اجتماع أب وابن النفقة على الأب لأن وجوب النفقة عليه منصوص عليه ووجوبها على الولد ثبت بالاجتهاد وقيل أنهما سواء لتساويهما في القرب والذكورية كذا في المهذب، وفي الروض وشرحه أنه عند اجتماع الفرع والأصل تلزم النفقة الولد أو ولد الولد وإن نزل أو كان أنثى دون الأم والأب وذلك لأنه أولى بالقيام بشأن أصله لعظيم حرمته أهـ وفي المهذب إن كان له أم وبنت فالنفقة على البنت لأن لها تعصيبًا.
48 – وإذا تعدد المحتاجون للنفقة وازدحموا على المنفق الواحد فإن وفى ماله بحاجتهم وجب عليه أن ينفق عليهم جميعًا وإن ضاق عنهم ماله بدأ بنفسه ثم بزوجته ثم بولده الصغير ومثله الكبير العاجز عن الكسب ثم بالأم ثم بالأب وقيل يقدم الأب على الأم وقيل يشتركان (وانظر المهذب) وقيل أيضًا بتقديم الأب على الابن، ثم بالجد ثم بأبي الجد وإن علا، ففي المهذب إن كان لشخص أب وجد محتاجان أو ابن وابن ابن كذلك وهو لا يقدر على كفايتهما جميعًا فقيل يقدم الأب والابن لقرب قرابتهما وقيل إن الأب والجد سواء وكذا الابن وابن الابن لأن النفقة تستحق بالقرابة ولذا لا يسقط أحدهما بالآخر إذا قدر على نفقتهما جميعًا أهـ فإن كان القريب إلا بعد زمنًا قدم على القريب الأقرب لشدة احتياجه، وإن كان الآخذان في درجة واحدة أخذًا على السواء وإن اختلفا في الذكورة والأنوثة كابن وبنت غير أنه يقدم الرضيع والمريض لشدة الحاجة، ولينظر المهذب والروض وشرحه والتحفة.
49 – وإن أعسر الأقرب بالنفقة لزمت إلا بعد ولا رجوع له على الأقرب بما أنفق إذا أيسر.
ونفقة الأقارب تكون على قدر الكفاية لأنها تجب للحاجة فقدرت بالكفاية، وإن احتاج القريب إلى من يخدمه وجبت نفقة خادمة أيضًا، وإن كانت له زوجة وجبت لها النفقة أيضًا لأن ذلك من تمام الكفاية وإن كان له أب فقير عاجز عن الكسب واحتاج إلى الإعفاف وجب على الولد إعفافه بزوجة ليست عجوزًا ولا قبيحة.
وإن مضت مدة ولم ينفق على من تلزمه نفقته من الأقارب لم تصر النفقة عما مضي دينا عليه لأنها وجبت للحاجة وقد زالت الحاجة بالنسبة للزمن الماضي فتسقط نفقته، لكن لو فرضها القاضي أي قدرها وأذن لإنسان أن ينفق على الطفل ما قدره له فإنه إذا أنفق عليه صار دينًا في ذمة من تجب عليه النفقة من أقاربه، وفي هذه المسألة بحث طويل فراجعه في التحفة وشرح الروض وحاشيته.
(الرابع مذهب أحمد رحمه الله )، وهو أوسع من مذهب الشافعي، وجملة القول فيه. 50 – إن القرابة التي تستحق بها النفقة هي قرابة الأصول والفروع مطلقًا سواء كانوا وارثين أم غير وارثين موافقين في الدين أم مخالفين على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وكذا تجب على الوارثين من قرابة غير الأصول والفروع لقوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك)، ومن أجل هذا أوجبوا نفقة العتيق المحتاج على مولاه الذي أعتقه وهاك جملة ما قالوه في ذلك.
يجب على الولد نفقة والديه وإن علوا ويجب على الوالد نفقة ولده وإن نزل لا فرق في ذلك بين الوارث بفرض أو تعصيب من الفريقين وبين ذي الرحم منهم، ولو كان الأقرب منهم معسرًا وإلا بعد موسرًا وجبت النفقة على ذلك إلا بعد الموسر ولو حجبه الأقرب المعسر كجد موسر مع أب معسر النفقة على الجد وكابن ابن موسر مع ابن معسر النفقة على الابن ولا أثر لكون كل منهما محجوبًا الجد بالأب وابن الابن بالابن وذلك لأن بين كل منهما وبين من تجب له النفقة قرابة قوية توجب العتق ورد الشهادة فأشبه القريب من أجل ذلك.
وكذلك تجب نفقة المحتاج من غير الأصول والفروع على وارثه بفرض أو تعصيب من أقاربه سواء ورثه الآخر أم لا فتجب على الشخص نفقة أخيه وأخته وعمته وبنت أخيه وبنت عمه وكذا على المعتق نفقة عتيقه ومثل المعتق في ذلك عصبته عند موته ومثل العتيق أولاده إذا كان ولاؤهم لمولى أبيهم، والأصل في ذلك قوله تعالى: (وعلى الوارث مثل ذلك) أوجب النفقة على الأب ثم عطف الوارث عليه وذلك يقتضي الاشتراك في الوجوب، وبهذا التفسير فسر الآية الكريمة جمهور السلف، نص على ذلك في شرح الروضة الندية.
51 – ويشترط لوجوب النفقة أن يكون للمنفق فضل مال مما في يده أو من كسبه يزيد عن نفقة نفسه وزوجته ورقيقه لأن ذلك من حاجته فإذا لم يفضل شيء فلا يجب عليه شيء لأن نفقة الأقارب وجبت على سبيل المواساة وهو في هذه الحالة ليس من أهلها، ويشترط فيه أيضًا أن يكون وارثًا للمنفق عليه بفرض أو تعصيب إن كان من غير عمودي النسب وإما فيهما فتجب النفقة ولو كان من ذوي الأرحام أو حجبة معسر.
ويشترط في المنفق عليه أن يكون فقيرًا لا مال له ولا كسب يستغني به عن إنفاق غيره عليه فإن كان موسرًا بمال أو كسب يكفيه فلا نفقة له لفقد شرط استحقاقه للنفقة فإن لم يكفه ما في يده وجب الإكمال له، ويجبر القادر على الكسب من الأقارب على التكسب ولو كان من عمودي النسب ولا تجب نفقته إذا لأن كسبه الذي يستغني به كالمال ومن لا حرفة له يستطيع بها الكسب وكان فقيرًا وجبت نفقته على غيره من أقاربه ولو كان صحيحًا مكلفًا ولو من غير الوالدين فإن كانت له حرفة تقوم ببعض نفقته فعلى قريبة إتمامها له بالمعروف.
ولا يجبر من تجب عليه النفقة أن ينفق من رأس ماله الذي هو أصل بضاعته ولا من ثمن ملكه ولا آلة عمله وذلك لحصول ضرره لو كلف بذلك لفوات ما يحصل منه قوته وقوت زوجته.
وجوب النفقة عند الاجتماع
52 – إذا اجتمع من تجب عليهم النفقة وكان فيهم أب موسر وجبت عليه النفقة وحده فإن لم يكن فيهم أب أو كان لكنه فقير وجبت النفقة على غيره على قدر الإرث من المنفق عليه لأن الله تعالى رتب النفقة على الإرث فوجب أن يرتب المقدار عليه، وعلى ذلك إذا اجتمع جد أبو أب وأم فعلى الأم الثلث وعلى الجد الباقي، وفي جدة وأخ شقيق أو أخ لأب على الجدة السدس والباقي على الأخ، وفي أم وبنت على الأم الربع والبنت ثلاثة الأرباع، وهكذا تكون النفقة على نسبة الميراث سواء أكان في المسألة عول أو رد أم لم يكن فيها شيء من ذلك.
ثم إن كان في الورثة موسر ومعسر ففي عمودي النسب تجب النفقة على الموسر وحده ولو حجبه المعسر وذلك لقوة القرابة بدليل عدم اشتراط الإرث، وفي غير عمودي النسب تجب النفقة على الموسر بقدر إرثه فقط من غير زيادة وذلك لأن الموسر منهم إنما يجب عليه مع يسار الآخر ذلك القدر فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه أقول وعلى هذا اقتصر في المنتهى وكشاف القناع، وقال في الفروع إن هذا هو المذهب ثم حكى قولاً آخر إن الموسر يلزمه الكل ويعتبر المعسر كالمعدوم أهـ.
وإذا كان بعض القرابة وارثًا وبعضهم غير وارث فالنفقة على الوارث إلا إذا كان الوارث معسرًا وكان الموسر في أحد عمودي النسب فإن النفقة تكون حينئذ على الموسر مثال ذلك أم أم وأبو أم النفقة على أم الأم لأنها الوارثة، وفي أم فقيرة وجدة موسرة النفقة على الجدة الموسرة لقوة قرابتها وإن كانت محجوبة بالأم فهي في ذلك كالجد الموسر مع الأب المعسر، وفي ابن فقير وأخ موسر لا نفقة على واحد منهما فإما الابن فلعسرته وأما الأخ فلأنه محجوب بالابن وهو ليس من عمودي النسب، وفي أب وأم وجد وزوجة والأب معسر النفقة على الأم الثلث وعلى الجد الباقي ولا شيء على الزوجة لأنها ليست من الأقارب فلا مدخل في وجوب النفقة عليها بل نفقتها الواجبة لها تابعة لنفقة زوجها المحتاج، وفي أب وأم وأخوين وجد والأب معسر لا شيء على الأخوين لأنهما محجوبان وهما ليسا من عمودي النسب وإنما النفقة على الأم والأب بنسبة الميراث وهكذا، ونقل في كشاف القناع أن على الولد الموسر أن ينفق على أبيه المعسر وزوجة أبيه وعلى إخوته الصغار.
53 – ثم إن كان لمن تجب عليه النفقة من المال ما يكفي جميع المستحقين لها أنفق عليهم جميعًا بالمعروف وإن لم يفضل عنده ما يكفيهم جميعًا بدأ بنفسه لحديث: (ابدأ بنفسك) فإن فضل عنه شيء أنفق منه على امرأته ثم على رقيقه ثم على الأقرب فالأقرب لأن النفقة صلة وبر ومن قرب أولى بالبر ممن بعد وعلى ذلك يقدم الأب على الجد والابن على ابن الابن وأبو الأب على أبي الأم لامتيازه بالعصوبة ويقدم الأب على الأم لفضيلته وانفراده بالولاية ويقدم الابن على الوالدين لوجوب نفقته بالنص وقيل يقدم الأحوج من هؤلاء لشدة حاجته وهذا هو الأرفق.
54 – ويلزم المنفق خدمة قريبه الذي وجبت نفقته عليه إن احتاج إلى ذلك إما بنفسه أو بغيره لأن ذلك من تمام كفايته، ويلزمه نفقة زوجة من تلزمه نفقته ويلزمه إعفافه لا فرق في ذلك بين الأصول والفروع وغيرهم ممن تجب نفقتهم فإن شاء زوجة بمن تعفه أو أعطاه ما لا يتزوج به.
ومن ترك النفقة الواجبة عليه مدة من الزمن لم يلزمه عوضها لأن نفقة القريب وجبت لدفع حاجته وإحياء نفسه وقد حصل ذلك في الماضي بدونها وقيل أن فرضها حاكم تأكدت بفرضه فلا تسقط وقيل لا تلزم إلا إذا استدانها عليه بأمر الحاكم، وأقول إن الخلاف الذي حكوه هنا نظير الخلاف الذي حكاه الشافعية في كتبهم في هذه المسألة.
هذا وفي كتب مذهب الإمام أحمد آراء كثيرة جدًا في نفقات الأقارب وعلى من تجب ولمن تجب وتفاصيل عدة ومن ضمن هذه الآراء رأي يوجب النفقة لجميع ذوي الأرحام وقد انتصر له ابن القيم – رحمه الله – وهاك خلاصة ما قاله:
55 – إن وجوب النفقة على ذوي الأرحام هو الصحيح في الدليل وهو الذي تقتضيه أصول أحمد ونصوصه وقواعد الشرع وصلة الرحم التي أمر الله أن توصل وحرم الجنة على كل قاطع رحم، فالنفقة تستحق بشيئين بالميراث بكتاب الله وبالرحم بسنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد حبس عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عصبة صبي أن ينفقوا عليه وكانوا بني عمه وقال زيد بن ثابت – رضي الله عنه – إذا كان عم وأم فعلى العم بقدر ميراثه وعلى الأم بقدر ميراثها ولا مخالف لهما من الصحابة في ذلك وهو قول جمهور السلف وعليه يدل قوله تعالى (وآت ذا القربى حقه) وقوله تعالى (وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى)، وقد أوجب النبي – صلى الله عليه وسلم – العطية للأقارب وصرح بأنسابهم فقال (وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك بحق واجب ورحم موصولة) لا يقال المراد بذلك البر والصلة دون الوجوب لأن الله سبحانه وتعالى سماه حقًا وأضافه إليه بقوله (حقه)، ولا يقال إن المراد بحقه ترك قطيعته لأن المراد بالقطيعة التي يجب تركها إن كانت هي القدر المشترك بين ذوي الأرحام والأجانب من السلام عليه إذا لقيه، وعيادته إذا مرض وتشميته إذا عطس، وأجابته إذا دعاه، ومواساته بماله على طريق المعاوضة حتى يوسر إذا كان المراد بترك القطيعة ما ذكر وأشباهه فما خصوصية صلة الرحم الواجبة له إذا وهو الأجنبي في كل صلة مشتركان على السواء ؟ وقد نادت النصوص بصلة ذي الرحم وبالغت في إيجابها وذمت قاطعها فلا بد أن تكون قدرًا زائدًا على حق الأجنبي، ثم أي قطيعة أعظم من أن يرى الإنسان قريبة يتلظى جوعًا وعطشًا ويتأذى غاية الأذى بالحر والبرد وهو لا يطعمه لقمة ولا يسقيه جرعة ولا يكسوه ما يستر عورته ويقيه الحر والبرد ويسكنه تحت سقف وهو أخوه وابن أمه وأبيه أو عمه صنو أبيه أو خالته التي هي أمه، وبالجملة فلا تتحقق هذه الصلة إلا بمواساة ذي الرحم مواساة ممتازة على مواساة الأجنبي كما لا يخفى وإلا كانت النصوص الخاصة بذلك كلامًا ضائعًا ومحال أن تكون كذلك وقد قرن النبي – صلى الله عليه وسلم – حق الأخ والأخت بالأب والأم فقال (أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك) فما الذي نسخ هذا وما الذي جعل أوله للوجوب وآخره للاستحباب أهـ.
56 – وأقول إن الناظر في هذا الكلام يجده صوابًا وقد جمع فيه بين المشهور من مذهب الإمام أحمد في إيجاب النفقة على الوارث من غير الأصول والفروع ومذهب الإمام أبي حنيفة من إيجابها على الرحم المحرم ولو لم يكن وارثًا، وإذا يصح أن يكون قولاً سادسًا في المسألة وهو أوسع الأقوال كلها وأرفقها.
– الخامس مذهب أبي حنيفة – رحمه الله – وهو المذهب الذي عليه العمل في محاكمنا الشرعية الآن، وجملة القول فيه:
57 – إن القرابة التي تجب بسببها النفقة هي قرابة الأصول والفروع وقرابة غيرهم من كل ذي رحم محرم فقط فإن لم يكن محرمًا فلا نفقة لغيره عليه ولو كان وارثًا كابن العم، فمناط النفقة في غير الأصول والفروع القرابة المحرمية دون الإرث فيكون بين هذا المذهب وما تقدم من مذهب الإمام أحمد عموم وخصوص من وجه ولا يشترط اتحاد الدين إلا في غير الأصول والفروع.
ما يشترط في كل من المنفق والمنفق عليه لوجوب النفقة
( أ ) أما بالنسبة للأب فعلى التفصيل الآتي:
58 – إن كان الأب غنيًا أو كسوبًا وله أولاد فقراء عاجزون عن الكسب لصغر أو أنوثة أو مرض كعمى وشلل وذهاب عقل وجب عليه الإنفاق عليهم بما يسد حاجاتهم بالمعروف ولو قدر أحدهم على اكتساب كل ما يقوم بحاجته سقطت نفقته عن أبيه فإن قدر بكسبه على دفع بعض حاجته فعلى الأب إتمام كفايته، وكذا إذا كان الولد من أبناء البيوتات ذات الشرف الذين لا يجدون من يستأجرهم أو يتعيرون بالاستئجار و من طلبه العلم الراشدين وهو لا يهتدي إلى وجوه الكسب.
ثم إن كان الولد أنثى استمرت لها النفقة الواجبة لها على أبيها حتى تتزوج فإذا تزوجت ثم طلقت وانتهت عدتها عادت نفقتها على الأب إذ لا منفق عليها غيره، وليس للأب أن يجبرها على التكسب بخدمة أو حرفة كخياطة وتطريز وغزل ونحو ذلك، لكن لو دفعها إلى امرأة لتعلمها حرفة تستعين بها على حاجات المعيشة كان له ذلك ما دام العمل الذي تتعلمه جائزًا لها تعلمه شرعًا، حتى إذا استغنت بعملها كانت نفقتها في كسبها فإن لم يكفها كسبها وجب على الأب دفع القدر الذي عجزت عنه.
وأما الصبي فإن نفقته تجب له على أبيه حتى يبلغ حد الكسب وإن لم يبلغ الحلم، وفي هذه الحالة يكون للأب أن يؤاجره وينفق عليه من أجرته بخلاف الأنثى كما تقدم فإن كان الأب مبذرًا فإن كسب الابن يدفع إلى أمين كما هو الشأن في سائر أمواله.
وإن كان للأولاد مال حاضر أنفق عليهم من مالهم فإن كان المال غائبًا وجب على الأب أن ينفق عليهم من ماله فإن أراد أن يرجع في مالهم استأذن القاضي في الإنفاق عليهم فلو أنفق عليهم بلا أمره ليس له الرجوع عليهم قضاء إلا أن يكون قد أشهد أنه أنفق ليرجع فلو لم يشهد لكنه أنفق بنية الرجوع لم يكن له أن يرجع عليهم في القضاء وأما فيما بينه وبين الله فإنه يحل له أن يرجع بما أنفقه عليهم في مالهم.
تنبيه:
وجوب النفقة على الأب وحده فيما تقدم هو ظاهر الرواية وبه يفتي وعن الإمام أن نفقة الولد الكبير على الأب والأم أثلاثًا أما الصغير فعلى أبيه خاصة بلا خلاف، وقيل في الفرق بينهما أنه اجتمع للأب في الصغير ولاية ومؤونة حتى وجبت عليه صدقة فطره فاختص بلزوم نفقته عليه والكبير ليس كذلك لانعدام الولاية فيتساوى هو والأم بالنسبة له فتكون نفقته عليهما بنسبة الميراث.
59 – وإن كان الأب فقيرًا عاجزًا عن الكسب لزمانه ونحوها ألحق بالموتى في حق إيجاب النفقة عليه قولاً واحدًا وحينئذ تجب نفقته هو على أبيه الموسر وهو الجد وكذا نفقة أولاده المستحقين للنفقة أو تجب على غير الجد عند عدمه، على البيان الآتي:
وإن كان معسرًا غير عاجز عن الكسب لكن لم يتيسر له الكسب فقيل يعتبر كالميت كذلك وصححه في الذخيرة وقال إنه المذهب، وقيل إن النفقة لا تسقط عنه بل تجب عليه وإنما تؤمر الأم الموسرة أو الجد الموسر أو غيرهما بالإنفاق على الأولاد لتكون النفقة دينًا على الأب يرجع عليه به إذا أيسر وهذه هي رواية القدوري التي اختارها أصحاب المتون والشروح على خلاف ما صححه في الذخيرة وبها يستقيم قولهم إن الأب لا يشاركه في نفقة أولاده أحد اللهم إلا إذا كان فقيرًا زمنًا فإنه يلحق بالموتى باتفاق في حق النفقة وينتقل وجوب نفقته ونفقة أولاده إلى غيره انظر الدر ورد المحتار وتنقيح الحامدية.
(ب) وأما بالنسبة لغير الأب:
60 – فجملة القول في النفقة الواجبة للأصول أنها لا تجب على الفرع إلا إذا كان موسرًا بأن كان يملك نصابًا ولو غير تام فاضل عن حوائجه الأصلية على قول أبي يوسف أو كان كسوبًا يفضل من كسبه شيء بعد نفقته ونفقة عياله على ما روي عن محمد، وقال في الهداية إن الفتوى على قول أبي يوسف ووافق صاحب الهداية غير واحد من كبار المشايخ لكن قال في الفتح إن كان كسوبًا يعتبر قول محمد وهذا يجب أن يعول عليه في الفتوى وفي البدائع أنه الأرفق [(5)]
لكن إذا كان الأصل زمنًا لا كسب له فلا يشترط سوى قدرة الولد على الكسب فإن كان لكسبه فضل أجبر على إنفاق الفاضل وإن لم يكن له فضل فإن كان الولد في معيشته وحده أمر ديانة بضم الأصل إليه، وإن كان له عيال يجبر في الحكم على ضمه إليه، وعللوا ذلك بأن إدخال الواحد في طعام الواحد يضره لمناصفته إياه بخلاف دخول الواحد في طعام الأربعة مثلاً فإن الضرر أخف كما لا يخفى، والأم مثل الأب الزمن لأن الأنوثة بمجردها عجز.
وأما النفقة الواجبة لذوي الأراحم بعضهم على بعض من غير الأصول والفروع فإنه يشترط في المنفق اليسار على الخلاف المتقدم أما إذا لم يكن غنيًا أو لم يفضل من كسبه شيء عن حاجته وحاجة عياله فلا يجب عليه شيء لغيره من أقاربه المحارم غير الأصول والفروع لأن قرابتهم ليست في قوة قرابة أولئك.
61 – ويشترط في المنفق عليه إن كان من الأصول أن يكون فقيرًا ولا يشترط عجزه عن الكسب لا فرق في ذلك بين أب وجد وهذا هو الراجح نص عليه في الكافي واختاره السرخسي وقد تقدم المعنى في ذلك والأم والجدات بالأولى لمكان الأنوثة وقال الإمام الحلواني لا يجبر الولد على نفقة أبيه إذا كان الأب كسوبًا لأنه يعتبر غنيًا بقدرته على الكسب أهـ وأما في غير الأصول فيشترط مع الفقر والعجز عن الكسب قولاً واحدًا بسبب صغر أو أنوثة أو زمانة على ما تقدم، يستوي في ذلك الفروع والحواشي من المحارم.
وقد علمت مما تقدم أن اتحاد الدين ليس بشرط في الأصول والفروع وإنما هو شرط في الحواشي لأن نفقتهم مبنية على الإرث الحقيقي بالفرض أو التعصيب أو على أهلية الإرث من حيث هم ذوو أرحام بعد كونهم من المحارم.
وجوب النفقة عند اجتماع من تجب عليهم وكلهم موسرون
62 – سأذكر هنا التقسيم البديع الذي وضعه العلامة ابن عابدين في ذلك وهاك خلاصته:
الذين تجب عليهم النفقة لغيرهم: إما أن يكونوا كلهم فروعًا أو كلهم أصولاً أو خليطًا من الأصول والفروع أو من الأصول والحواشي أو من الفروع والحواشي أو من الأصناف الثلاثة أو من الحواشي فقط فالأقسام سبعة:
القسم الأول: الفروع فقط – والمعتبر فيهم القرب والجزئية أي القرب بعد الجزئية دون الميراث [(6)] ففي ولدين لمسلم فقير أحدهما غير مسلم أو أنثى تجب نفقته عليهما بالسوية وذلك لتساويهما في القرب والجزئية وإن اختلفا في الإرث، وفي ابن وابن ابن على الابن فقط لقربه وكذا في بنت وابن ابن تجب على البنت وحدها لقربها وفي ابن ابن وبنت بنت النفقة عليهما على السواء (وانظر الأصل).
القسم الثاني: الفروع مع الحواشي – والمراد بالحواشي الأقارب المحارم من غير عمودي النسب، والمعتبر فيه أيضًا القرب والجزئية دون الإرث وفي هذه الحالة تكون النفقة على الفروع وحدهم دون الحواشي لقوة قرابة الفروع وكونهم بعضًا ممن تجب له النفقة ففي بنت وأخت شقيقة على البنت فقط وإن شاركتها الأخت في الميراث، وفي ابن على غير دين أبيه وأخ موافق له في الدين على الابن فقط دون الأخ، وفي ابن بنت وأخ شقيق على ابن البنت، وفي بنت ومولى عتاقة على البنت فقط، وبالجملة فلا عبرة للإرث في هذا القسم أيضًا.
القسم الثالث: الفروع مع الأصول – والمعتبر فيه الأقرب جزئية فإن لم يوجد اعتبر الترجيح فإن لم يوجد اعتبر الإرث، ففي أب وابن تجب على الابن لترجحه بـ (أنت ومالك لأبيك) [(7)] ومثله أم وابن لقول المتون (لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد)، وفي جد وابن ابن على قدر الميراث وذلك للتساوي في القرب والاشتراك في الإرث وعدم المرجح لأحدهما على الآخر، وعلى هذا لو له أب وابن ابن أو أب وبنت بنت النفقة على الأب وحده لأنه أقرب في الجزئية فانتفى التساوي ووجد القرب المرجح.
القسم الرابع: الفروع مع الأصول والحواشي – وحكم هذا القسم كالقسم الثالث لأن الحواشي تسقط مع الفروع كما تقدم فكأنه لم يوجد سوى الأصول والفروع.
القسم الخامس: الأصول فقط – فإن كان معهم أب فالنفقة عليه وحده لقول المتون (لا يشارك الأب في نفقة ولده أحد)، وإن لم يكن معهم أب فأما أن يكون بعضهم وارثًا وبعضهم غير وارث أو كلهم وارثين ففي الأول يعتبر الأقرب جزئية فلوله أم وجد لأم النفقة على الأم لقربها وكذا في أم وأم أب وفي أبي أم وأبي أبي أب على أبي الأم لكونه أقرب، والأصل أنه إذا اجتمع أجداد وجدات فالنفقة واجبة على الأقرب ولو لم يدل به الآخر، فإن تساووا في القرب ترجح الوارث ففي أبي أم وأبي أب تجب النفقة على أبي الأب وحده اعتبارًا للإرث، وفي الثاني النفقة عليهم بنسبة الميراث ففي أم وجد لأب تجب عليهما أثلاثًا وذلك لأنهما استويا في استحقاق الميراث وترجح كل منهما على الآخر من جهة فالأم ترجحت بالقرب والجد ترجح بكونه أبا أب والرجال أحق بالإنفاق لكونهم قوامين على النساء فتعارض المرجحان فاعتبرنا جانب الإرث (انظر التقرير).
القسم السادس: الأصول مع الحواشي فإن كان أحد الصنفين غير وارث اعتبر الأصول وحدهم ترجيحًا للجزئية ولا مشاركة في الإرث حتى يعتبر فيقدم الأصل سواء أكان هو الوارث أم كان الوارث الصنف الآخر ففي جد لأب وأخ شقيق النفقة على الجد وفي جد لأم وعم عصبي تجب على الحد لأم، وإن كان كل من الصنفين وارثًا اعتبر الإرث ففي أم وأخ عصبي أو ابن أخ كذلك أو عم كذلك على الأم الثلث وعلى العصبة الباقي وهو الثلثان.
ثم إن تعدد الأصول في هذا القسم يعتبر فيهم ما اعتبر في القسم الخامس ففي جد لأب وأخ شقيق وجد لأم النفقة على الجد لأب لترجحه بالإرث مع تساويه هو والجد لأم في الجزئية والقرب وفي جد لأم وعم عصبي وأم تقدم الأم على الجد لأم بترجحها بالإرث وبالقرب، وفي أم وجد لأب وأخ عصبي النفقة كلها على الجد لأب وحده وذلك لأنه لما حجب الأخ العصبي كان بمنزلة الأب فيكون له حكمه وإذا لا تشاركه الأم في هذه النفقة في هذه الحالة وهذا بخلاف ما لو كان للفقير أم وجد فقط فإن الجد لم ينزل منزلة الأب فلهذا وجبت النفقة عليهما أثلاثًا في ظاهر الرواية، وانظر ما كتبه في التقرير تعليقًا على ذلك.
ملاحظة أقول: يؤخذ مما تقدم أنه عند اجتماع عم وأم النفقة عليهما أثلاثًا، وفي أم وجد لأم النفقة على الأم وحدها وفي عم وجد لام النفقة على الجد لأم وحده، إذا تقرر هذا فاعلم أنه قد أورد إشكال على هذا حاصله أن في الصورة الثالثة قدم الجد لأم على العم وفي الصورة الثانية قدمت الأم على الجد لأم فيلزم تقديمها على العم بالضرورة فكيف تشاركه في النفقة في الصورة الأولى وهي مقدمة عليه ؟ هذا تناقض: وأجيب عن هذا بأن الإرث إنما لا يعتبر في نفقة الأصول الواجبة لهم على الفروع أما في غيرها من النفقة الواجبة للفروع ولذوي الأرحام فللإرث اعتبار فيها على التفصيل المبين في ضابط النفقات وحينئذٍ فما ذكر في المسألة الثانية من تقديم الأم على الجد لأم هو لكونها أقرب في الجزئية مع عدم المشاركة في الإرث وأما في المسألة الثالثة في تقديم أبي الأم على العم فهو لاختصاصه بالجزئية مع عدم المشاركة في الإرث أيضًا، وما ذكر في المسألة الأولى من اشتراك الأم والعم في النفقة فهو لكون كل منهما وارثًا، فكانت على قدر الميراث، فجهات التقديم في إيجاب النفقة أو المشاركة فيها مختلفة وإذا فلا تناقص.
وقد تفرع مما تقدم فرع أشكل الحكم فيه وهو ما إذا كان للمحتاج أم وعم وأبو أم وكلهم موسرون واحتمل أن تكون النفقة على الأم وحدها لأن أبا الأم لما كان أولى من العم والأم أولى من أبيها كانت الأم أولى من العم ويحتمل أن تكون على الأم والعم أثلاثًا لأن محمدًا نص في الكتاب على وجوب النفقة على الأم والعم أثلاثًا كلهم ويؤخذ من نصه هذا أن المعتبر هنا هو الإرث أيضًا فيسقط أبو الأم في هذه المسألة المشكلة وهو الصواب وبهذا أجاب جمع من المشايخ النابهين (انظر رد المحتار) لكن نقل في التقرير أن النفقة يجب أن تكون على الأم وحدها لأنها أولى من أبيها لكونها أقرب منه وأولى من العم أيضًا للقرب والجزئية وأن الاعتبار يجب أن يكون للقرب والجزئية لا للإرث وهذا هو المعول عليه في المذهب، وأما جواب الكتاب كتاب المبسوط لمحمد فإنه يترك لكونه أول كتبه تأليفًا فإذا عارضه ما جاء في التأليف بعده رجح عليه لأن القول الأخير هو الذي استقر عليه رأي المجتهد أهـ ملخصًا.
القسم السابع: الحواشي فقط – والمعتبر فيه الإرث بعد كونه ذا رحم محرم وأما غير المحرم فلا نفقة عليه ولو كان وارثًا كابن العم وأقول: إذا اجتمع ذوو الأرحام المحارم وكانوا جميعًا موسرين فإما أن يكونوا كلهم وارثين بالفرض أو بالتعصيب أو بهما جميعًا وفي هذه الحالة تكون النفقة عليهم بنسبة أنصبائهم من الميراث وكذا الحكم إن كانوا كلهم وارثين بالرحم، ففي أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم النفقة عليهن أخماسًا، وفي أخت شقيقة وأخ لأب وأخ لأم على الأخت النصف وعلى الأخ لأب وأخ لأم على الأخت النصف وعلى الأخ لأب الثلث وعلى الأخ لأم السدس وفي ثلاثة أعمام أشقاء النفقة عليهم أثلاثًا، وفي أخ شقيق وأخوين لأب وأخ لأم على الشقيق خمسة أسداس وعلى الأخ لأم السدس ولا شيء على الأخوين لأب لكونهما محجوبين بالأخ الشقيق، وفي عمة شقيقة وخالٍ على العمة الثلثان وعلى الخال الثلث وفي بنت أخت لأب وبنت أخت لأم على الأولى ثلاثة أرباع وعلى الثانية الربع وهكذا.
وإن كان بعضهم يرث بالفرض أو التعصيب وبعضهم يرث بالرحم فقط فالنفقة على الأول لأنه هو الوارث الحقيقي ففي أخ لأم وخال على الأخ لأم كل النفقة وفي عم لأب وعمين لأم على العم لأب وحده وهكذا.
والحاصل أن أهلية الإرث مع المحرمين أرجح من حقيقة الإرث مع عدم المحرمية ففي خال وابن عم شقيق النفقة على الخال وإن كان الميراث لابن العم ترجيحًا لجانب المحرمية، فإن اجتمعت حقيقة الإرث مع المحرمية رجحت على أهلية الإرث كما في عم عاصب وخال: النفقة على الأول وكذا في عم وعمة شقيقين أو لأب النفقة على العم.
63 – فإذا كان بعض من تجب عليهم النفقة موسرًا وبعضهم معسرًا فإنه ينظر إلى المعسر فإن كان يحرز كل الميراث يجعل كالمعدوم ثم ينظر إلى ورثة من تجب له النفقة فتجعل النفقة عليهم على قدر مواريثهم بملاحظة الضابط المتقدم، وإن كان المعسر لا يحرز كل الميراث تقسم النفقة عليه وعلى من يرث معه فيعتبر المعسر لإظهار قدر ما يجب على الموسرين ثم يجعل كل النفقة على الموسرين على اعتبار ذلك.
مثال أول
ابن معسر وأخت شقيقة وأختان لأم موسرات – الابن المعسر يجعل كالميت لأنه يحرز كل الميراث ثم تكلف الأخت الشقيقة بنصف النفقة والأختان لأب بسدسها والأختان لأم بثلثها.
مثال ثانٍ
أم وأخت شقيقة موسرتان وأخت لأب وأخت لأم معسرتان فالنفقة ربعها على الأم وثلاثة أرباعها على الشقيقة وهكذا، انظر رد المحتار وتنقيح الحامدية والخانية.
أقول: قولهم في الأصل المار إذا كان المعسر يحرز كل الميراث يجعل كالمعدوم ليس على إطلاقه بل هو مقيد بمن سوى الأب الفقير غير الزمن لأن النفقة واجبة عليه على ما اختاره أصحاب المتون والشروح؛ وإنما يؤمر غيره بالإنفاق ليرجع عليه وأما على ما قاله في الذخيرة من أن الأب الفقير غير العاجز عن الكسب يجعل كالميت وتفرض النفقة على غيره فلا استثناء من هذا الأصل لكن الراجح الأول كما قدمنا في الفقرة (59) لأن عليه المتون والشروح وانظر تنقيح الحامدية.
توابع النفقة
64 – إذا احتاج الأب أو الابن إلى خادم وجبت نفقة ذلك الخادم على الابن في الحالة الأولى وعلى الأب في الحالة الثانية تبعًا لنفقة المخدوم وإذا لم يحتج أحدهما إلى الخادم فلا تجب نفقته (رد المحتار).
وعلى الولد الموسر أن ينفق على زوجة أبيه إن احتاج الأب إلى تلك الزوجة كأن يكون مريضًا أو به زمانة وقيل تجب نفقتها مطلقًا وهو رواية عن أبي يوسف، ولو كان للأب أكثر من زوجة فعلى ولده نفقة زوجة واحدة فقط، وأما الابن الفقير فلا تجب نفقة زوجته على أبيه مطلقًا إلا إذا ضمنها فإنها تجب عليه حينئذ بحكم الضمان، وحكى في المختار والملتقى أن نفقة زوجة الابن واجبة على أبيه إذا كان صغيرًا فقيرًا أو كبيرًا زمنًا لا مال له، وقال في رد المحتار إن هذا خلاف المذهب وانظر تنقيح الحامدية، وفيها عن الخانية: إذا كانت زوجة الابن الصغير الفقير كبيرة تستحق النفقة فإن أباه يستدين لنفقتها ثم يرجع على ابنه إذا أيسر. أهـ.
ونقل في الدر المختار عن واقعات المفتين لقدري أفندي أن الأب يجبر على نفقة امرأة ابنه الغائب وولدها وكذا الأم على نفقة الولد لترجع بها على الأب وكذا الابن على نفقة الأم ليرجع على زوج أمه وكذا الأخ على نفقة أولاد أخيه ليرجع بها على الأب وكذا الأبعد إذا غاب الأقرب.
وقال في الحاشية إن هذه العبارة في القنية والمجتبي وأن المذهب عدم وجوب النفقة لزوجة الابن ولو صغيرًا فقيرًا فلو كان كبيرًا غائبًا بالأولى، إلا أن يحمل على أن الوجوب هنا بمعنى أن الأب يؤمر بالإنفاق عليها ليرجع بها على الابن إذا حضر، لكن تقدم أن زوجة الغائب يفرض القاضي لها النفقة على زوجها ويأمرها بالاستدانة وأنه تجب الإدانة على من تجب عليه نفقتها أهـ، وهذه ملاحظة في محلها فهل في المسألة قولان ؟
وأقول ما ذكره من حمل الوجوب على الأمر بالإنفاق الخ يوافق ما حكاه في الحامدية عن الخانية.
تنبيه: إذا لم يقدر الولد إلا على نفقة أحد والديه فقيل أن الأم أحق لأنها لا تقدر على الكسب وقيل الأب أولى لأنه هو الذي يجب عليه نفقة الابن في صغره دون الأم وقيل يقسمها بينهما، ولو كان له أب وطفل فالطفل أحق لشدة حاجته وقيل يقسمها بينهما (الدر ورد المحتار).
أقول محل ما تقدم كما لا يخفى إذا لم تكن نفقة الأم واجبة على زوج لها سواء أكان الزوج أبا ولدها أم غيره أما إذا كان لها زوج فنفقتها واجبة لها على زوجها فإن كان معسرًا فإن القاضي يأمرها بالاستدانة على ما تقدم هذا – وكل من احتاج إلى النفقة لفقره وعجزه عن الكسب وليس له من تجب نفقته عليه ويستطيع القيام بحاجته فإن نفقته تكون واجبة له في بيت المال.
متى يتوقف وجوب النفقة على القضاء

65 – نفقة الأصول الواجبة لهم على الفروع ونفقة الفروع الواجبة لهم على الأصول لا تتوقف على القضاء كنفقة الزوجة وأما نفقة غير هؤلاء من الأقارب المحارم فإن وجوبها يتوقف على القضاء لاختلاف الفقهاء في وجوبها، وعلى ذلك فكل من قدر من الأصول والفروع والزوجة على مال من جنس النفقة الواجبة له جاز له أن ينفقه على نفسه بالمعروف ما دام محتاجًا إليه، ويجوز القضاء لهؤلاء بالنفقة ولو لم يكن المقضي عليه حاضرًا لأن القضاء لهم في هذه الحالة من قبيل الإعانة والفتوى على ما قالوا، وكذلك الشأن في المذاهب الأخرى والمجال فيها أوسع لجواز الحكم فيها على الغائب