تنوعت البلاد والعزوف واحد

91٬494

بقلــــم الأديب المصــــرى

د.طــارق رضـــوان جمعـــة عقـــل

الإنتخابات هي الوسيلة التي بموجبها يختار المواطنون الأشخاص

الذين يسندون إليهم ممارسة السيادة أو الحكم نيابة عنهم على كافة

المستويات ويترتب على ذلك تطبيق مبدأ الإقتراع لتحديد الإختيارات،

وتستمد هذه التقنية من مبدأ سيادة الشعب الذي نادي بها جون جاك روسو.

وفى بحث ميدانى عن ظاهرة العزوف عن المشاركة فى الإنتخابات

وجدت أن الأسباب تقريباً واحدة رغم إختلاف البلاد العربية وظروفها.

ففى الأردن تجد المحلل السياسي لبيب قمحاوي يذكر أن ” فقدان

الأمل وغياب الثقة ما بين الناخب والمجالس المنتخبة والتداخلات

الأمنية بنتائج الإنتخابات من الأسباب الرئيسة التي تدفع الأردنيين

للعزوف عن المشاركة في الإنتخابات إضافة إلى إنقطاع أدوات

التواصل التي تمكن المواطن الأردني من المساهمة في العملية

السياسية من قبل النظام منذ عام 1958، فضلاً عن تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية والتشريعية”.

ويرى محللون أن العزوف الإنتخابي، أصبحت ظاهرة تزداد نمواً؛

لضعف مصداقية العملية الإنتخابية ،وسوء مخرجاتها في ضوء تجارب

سابقة لم يتمكن الأردنيين فيها من إيصال صوتهم وتحقيق

مطالبهم الإقتصادية والسياسية والاجتماعية”.

ويؤكد بسام بدارين “وجود شعور لدى أغلب مكونات الشعب الأردني

بعدم العدالة والإنصاف بالقوانين والتشريعات والأنظمة الناظمة للعملية

الإنتخابية،والتي تخدم المرشح العشائري وتقلل من فرص فوز المرشح البرامجي والسياسي”.

بينما يرى مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية

الدكتور موسى شتيوي أن جزء من الأردنيين لا يؤمن بالعملية الإنتخابية

وبنزاهتها وبقدرة المجالس المنتخبة على التغيير،

وفق للعديد من إستطلاعات الرأي التي أعدها مركز الدراسات .

وفى مصر يقول الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الإنتخابات خطوة

مهمة نحو الديمقراطية. ولكن تجد رأى أخر للبعض فيقول أحدهم

“لن أذهب للإدلاء بصوتي لأنني غير مقتنع بوجود مرشحين يستحقون

تمثيلي على المستوى الشخصي أو البرامج الانتخابية”، وفق هذا

الرأي قرّر “محمد أيمن” عدم الذهاب إلى مركز الإقتراع للمشاركة

في الإنتخابات النيابية. كما ذكر رجل خمسينى أن سبب عزوفه عن

المشاركة هو صعوبة المعيشة وانه لا يريد أن يهدر وقته ذهاباً

وإياباً فيما لا يفيده، فهو مشغول بالبحث عن قوت يومه.

فهناك حالة من عدم الإقتناع بالبرامج الإنتخابية أو الحالة الإقتصادية

بحسب رأي المواطنين السابقين، لذلك أصبح جلياً أن الأمر يحتاج

تدخل الأحزاب السياسية لنشر الوعى السياسى بين المواطنين

وتبصيرهم بكل ما تم من إنجاز قد يكونوا عنه غافلين.

هذا العزوف أدركه أيضا هيثم الحريري، المرشح في دائرة محرم بك،

(39 عامًا)، قائلاً: “هناك فشل في حشد الشباب أمام اللجان الإنتخابية،

ولم يتقدم حتى الآن للإدلاء بصوته سوى كبار السن من الجنسين، في ظاهرة تؤكد وجود أزمة حقيقية في الشارع المصري.

وذكر أحمد سلامة (61 عامًا)، المرشح بدائرة ميناء البصل

بالإسكندرية أن “جميع المرشحين ووسائل الإعلام بكل أنواعها

والحكومة المصرية بأجهزتها فشلت في إقناع المواطنين بالمشاركة

في التصويت في إنتخابات البرلمان المصري، وخاصة فئة الشباب،

وظلت اللجان ومراكز الاإقتراع خاوية سوى من كبار السن”.

غلاء الأسعار، وإرتفاع أسعار الكهرباء، وإنخفاض سعر الجنيه أمام

الدولار الأمريكي، كان سبباً فى العزوف عن المشاركة الإنتخابية.

لقد كانت إنتخابات مجلس النواب لعام 2015م أسوأ إنتخابات تمر

بها مصر في تاريخ الحياة النيابية المصرية من حيث العزوف عن المشاركة.

وفى طنجة ذكر الباحث هشام المصابري أن العزوف

مرتبط بمسئولية الدولة، ومسئولية الأحزاب،

وكذا ضعف المجتمع المدني وثقة المواطنين، إضافة إلى الآفات الإجتماعية السائدة.

وبالرجوع إلى تاريخ المغرب الانتخابي، نرى أن هذه الآلية

عرفت عدة إختلالات أدت بالضرورة إلى بروز ظاهرة العزوف

السياسي المتمثلة في المقاطعة وعدم المبالاة بالإستحقاقات

السياسية خاصة وسط فئة الشباب والطبقة الفقيرة باعتبارهما

الكتلة الإنتخابية الأكبر في البلاد، فضلاً عن إقصاء الطبقة

المتوسطة وتهميشها سياسياً والضغط عليها إجتماعيا وإقتصادياً.

فرغم وجود دستور جديد فإن دور المؤسسات السياسية لا زال ضعيفاً من حيث الكفاءة والمصداقية والقدرة على التخطيط والتنفيذ،

وعلى الأحزاب السياسية مسئولية هامه نحو المواطنين عبر التعبئة الجدية والتأطير السياسي ووضع برامج واقعية وتقديم مرشحين ذوي كفاءة ومصداقية، والعمل الدائم والمستدام وليس الظهور الموسمي المرتبط فقط بالانتخابات.

وهو الأمر الذي يستوجب إحداث ثورة داخل الأحزاب عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية وفتح المجال أمام جيل جديد لأخذ المبادرة وتقليص الهوة الفاصلة بين الشعب والأحزاب عبر التواصل الشفاف الخالي من الرغبة في تحقيق وجلب المصالح الشخصية.

فعدم قدرة مؤسسات المجتمع المدني على التعبئة وتحسيس المواطن بضرورة تحمل مسئولياته بما يمكنه من المساهمة في صنع مستقبله السياسي نتج عنه بالضرورة تفشي ظاهرة عدم المبالاة.

فالمجتمع المدني بالمغرب لا يزال هاوياً ولم يصل بعد مستوى الإحترافية هذا بالإضافة لإشكالية إستقلاليته المرهونة بالإستقطاب والصراع السياسي والحزبي. فهو بالتالي لا يشكل قوة إقتراحية للتأثير على صانعي القرار سواء على المستوى المحلي أو المركزي بسبب ضعف تنمية الوعي السياسي لدى الفاعلين وغياب ثقافة إشاعة قيم المواطنة والمشاركة.

إن عدم حدوث إختراق في الواقع الإجتماعي المغربي من حيث معالجة المشاكل الاجتماعية ببرامج فعالة وناجحة تستهدف مجال الخدمات الصحية والتعليمية والمعيشية للطبقة الفقيرة، يجعل هذه الأخيرة تعيش في حالة عدم الإكتراث بما يجري حولها خاصة في المجال السياسي سواء بسبب الشعور والإحساس بأن لا دور لها في الحياة السياسية وأنه من الأجدى التقوقع على ذاتها وتوفير الجهد والوقت لقوت يومها والتفكير في مستقبلها المعيشي وليس السياسي، أو بسبب تفشي ظاهرة الجهل والأمية وغياب الوعي بضرورة المشاركة السياسية مما يجعل هذه الطبقة الاجتماعية المتضررة لا تأبه بالتسجيل في اللوائح الإنتخابية إلا عبر إستغلال عوزها الإجتماعي ودفعها بطريقة أو بأخرى نحو التسجيل.

هذا الرأي لا يدعو لعنف أو إرهاب، أو يعادي الديمقراطية والمرجعية الدولية لحقوق الإنسان، إنما مقالى مساهمة في الرفع من آلية الحوار الديمقراطي، المبني والمؤسس على إحترام الإختلاف ومقوماته وأسسه.