هؤلاء هم من يستحقون التكريم

كتب: محمد الديب

لو نظرنا الى كل حضارات الدنيا وتمدنها وصور الحداثة والتطور فى كل المجالات 

الطب، العمارة، الفن، الادب، سائر العلوم البشرية فى شتى مناحى الحياة نجدها من منبع واحد وتخرج من تحت عباءة واحده لم تلقى حقها فى الارتقاء بمستواها المعيشى ولا حتى فى التكريم وهذا ابسط الحقوق التى تستحقها تلك العباءة وفى العقود الماضية منذ نشأتى وحتى ارتديت انا الاخر تلك العباءة ودخلت ذالك المحراب لما ارى الا تكريما واحدا لتلك النخبه من صناع الحضارة وهو بيت شعر اصبحنا نرددها الان لا كتكريما ولكن كرثاء او تهكم على حملة اللواء 

قم للمعلم وفه التبجيلا

    كاد المعلم ان يكون رسولا

اجل انهم المعلمون

صناع الحضارة ومربى الاجيال وتخرج كل علوم الارض من تحت ايدبهم 

هم من اخذوا بانامل البشريه الناعمه منذ مهدها الاول وحتى شبت واشتدت سواعدها وبدل من انت تحمل لهم اطواق الزهور لتكلل بها اعناقهم ردا وعرفانا بالجميل حملت اليهم كل اسباب التعاسه والضيق وكدر الحياة وكانها شبت فتية قادره لم تخطوا على خطاهم يوما ولم تفترش ظهورهم حينا من الدهر

وكانها هى الصانع والمقرر والامر الناهى وهم العبيد

وما اثار حفيظتى لاكتب هى قصة بائع الجرائد فى العراق تلك القصة الواقعية التى تجسد واقع امتنا المرير فى التعامل مع العلم والعلماء وبطل قصتنا وراويها هو الدكتور ضياءكمال الدين استاذ القلب العالمى واحداثها كالتالى:-

دخل القاعة لحضور حفل تكريمه اثر زيارته للعراق … بعد غياب دام اكثر من 15 عام

انه كبير استشاري امراض القلب في المستشفى الملكي بلندن طبيب القلب الدكتور ضياء كمال الدين

وعند مدخل القاعة استوقفه منظر بائع جرائد كبير السن مفترشا جرائده على الرصيف

اغلق الطبيب عينيه ثم سرعان مافتحهما …

تذكر ملامح هذا الرجل العجوز المحفورة في ذهنه

جرجر نفسه ودخل القاعة ثم جلس غير ان ذهنه بقي مع بائع الجرائد

وعندما نودي على اسمه لدى حلول فقرة تقليده وسام الابداع قام من مكانه ، بيد انه لم يتوجه الى المنصة بل توجه الى خارج القاعة … راح الكل ينظر اليه في ذهول … اما هو فقد اقترب من بائع الصحف وتناول يده فسحب البائع يده وقد فوجئ وقال : سامحنى يا ابني ماراح افرش هنا مرة اخرى، رد عليه بصوت مخنوق : انت اصلآ مش هتفرش مرة اخرى ، أرجوك بس تعال معايه شوية … ظل البائع يقاوم والدكتور يمسك بيده وهو يقوده الى داخل القاعة … تخلى البائع عن المقاومة وهو يرى عيون الدكتور تفيض بالدموع وقال : مابك يا ابني ؟

لم يتكلم الدكتور وواصل طريقه الى المنصة وهو ممسك بيد بائع الجرائد والكل ينظر اليه في دهشة ثم انخرط في موجة بكاء حارة واخذ يعانق الرجل ويقبل راسه ويده ويقول : انت ما عرفتني يا استاذ “خليل “؟

قال : لا والله يا ابني العتب على النظر … فرد الدكتور وهو يكفكف دموعه : انا تلميذك “ضياء كمال الدين” في الاعدادية المركزية … لقد كنت الاول دائمآ … وكنت انت من يشجعني ويتابعني سنه 1966 ونظر الرجل الى الدكتور واحتضنه

تناول الدكتور الوسام وقلده للاستاذ وقال للحضور : هؤلاء هم من يستحقون التكريم … والله ما ضعنا وتخلفنا وجهلنا إلا بعد إذلالنا لهم … وإضاعة حقوقهم وعدم إحترامهم وتقديرهم بما يليق بمقامهم وبرسالتهم السامية … انه الاستاذ خليل علي استاذ اللغة العربية في الاعدادية المركزية … ببغداد …

قصة حقيقية فيها عبرة وفيها رد اعتبار لمن نذر نفسه لخلق جيل من العلماء والاطباء لخدمة المجتمع وليس لتوزيع اموال الشعب على حثالة الشعب من الحرامية والساقطين واللصوص .

قصة حقيقية ..تصور واقع عربي مقيت . فتحية من القلب لصناع الحضارة واقول لهم انتظروا الجزاء من رب العباد ولعل الولاة يفيقوا وينظروا لهم بعين الاعتبار لانهم سيسألون عن مهانتهم وتردى حالهم وعند الله تجتمع الخصوم