هذه السيرة تزيدنا فخرآ وشجاعة مع أبطالها سيرة بني هلال

60
هذه السيرة تزيدنا فخرآ وشجاعة مع أبطالها سيرة بني هلال
عبده الشربيني حمام
نسمع من الشعراء قصص بني هلال وتعبر أننا منهم وتنتمي لهم وهذا حقيقي لأننا منهم
والسيرة الهلالية إحدى أشهر السير الشعبية العربية، وهي ملحمة طويلة تصف هجرة بني هلال، وتمتد لتشمل تغريبة بني هلال وخروجهم من ديارهم الخرمة و تربة في عالية نجد إلى تونس. هي السيرة الأقرب إلى ذاكرة الناس، والأكثر رسوخًا في الذاكرة الجمعية. وتبلغ نحو مليون بيت شعر. وإن أضفى عليها الخيال الشعبي ثوبًا فضفاضًا باعد بين الأحداث وبين واقعها، وبالغ في رسم الشخصيات.
أبو زيد الهلالي يحارب حجازي بن نافع
ومن السيرة الهلالية تتفرع قصص كثيرة مثل قصة الأمير أبو زيد الهلالي وقصص أخته شيحة المشهورة بالدهاء والاحتيال، وسيرة الأمير ذياب بن غانم الهلالي، وقصة زهرة ومرعي. وغيرها من السير المتراصة التي تشكل في مجموعها ما يعرف بسيرة بني هلال. والسير الشعبية هي من أهم مصادر الثقافة في أرياف البلاد العربية، وخصوصًا إذا ما أخذنا في الاعتبار نسب الأمية المرتفعة. ويسمى المهتم بالسيرة الهلالية بالمضروب بالسيرة. ومنهم الشاعر الشعبي عبد الرحمن الأبنودي. هذه القصة الغنية بالشخصيات والأحداث والمواقف، تضفي على الأدب الشعبي لونًا خاصًا يمثل الحياة الاجتماعية والفكرية التي كان يعيشها الإنسان العربي في تلك الفترة من الزمن.

السيرة الهلالية تضم خمسة كتب، الكتاب الأول هو خضرة الشريفة ويتناول مأساة رزق بن نايل جرامون بن عامر بن هلال قائد الهلاليين وفارسهم وأميرهم، الذي تُعجب “خضرة” بخلقه وشهامته وفروسيته رغم أن فارق العمر بينهما 45 عامًا. والكتاب الثاني هو “أبو زيد في أرض العلامات” حيث أتمت خضرة خمس سنوات تحيا في منازل “الزحلان” في كنف الملك فاضل بن بيسم.
ويسرد هذا الكتاب ما حدث لأبي زيد في بلاد الزحلان من علو المجد والشأن وفي “مقتل السلطان سرحان” وهو الكتاب الثالث يتخفى أبو زيد في ملابس شاعر رباب ويدخل قصر حنظل بعد أن عرفت نساء بني هلال حقيقته وتكتشف عجاجة ابنة السلطان حنظل حقيقة الفارس الهلالي فتبلغ أباها الذي يعتقل غريم بني عقيل. ليقيد بالسلاسل ويلقي به في السجن انتظارًا لشنقه.[1]
أما الكتاب الرابع (فرس جابر العقيلي) وكيف خاض أبو زيد الأهوال ليعود بالفرس التي حكت عنها الأجيال، وفيه يحتال الدرويش لدخول جناح الأميرة ليلضم لها عقدًا، ويقرأ لها الطالع وتكاد جارته أن تكتشف تسلله والهدف منه، لكنه يقنعها بدروشته وفقره وبالرشوة أيضًا، بأن أسئلته عن “الخيمة المتبوعة” إنما هي من قبيل الفضول. وفي الكتاب الخامس (أبو زيد وعالية العقيلية) وكيف أسرت أبو زيد بجمالها وكيف ناضل إلى أن اقترن بها وفيه ليلة وداع البطل لعالية العقيلية حيث أولمت الولائم ووجهت الدعوة لحراس فرس والدها الملك (السلطان) جابر العقيلي، ووضعت في المنان مخدرًا قويًا لينام الحراس كي يتمكن أبو زيد من امتطاء الفرس والانطلاق إلى خارج المدينة.[1]
محور السيرة
يتمحور موضوع السيرة الهلالية عن التجربة الحياتية للحلف الهلالي المكون من قبائل نجد المقاتلة والمدافعة عن قيم الأمة وشرفها. وكعادة الملاحم، هي تستنهض الأمم بذكر أمجادها العسكرية، وبطولات القادة الذين أنجبتهم أرضها في السلم والحرب. وتعيد السيرة الشعبية تاريخ الأمة وتفسره بطريقة فنية حسب معتقدات البسطاء.

هلال” الجد البعيد الذي تنتسب له القبيلة المحاربة قبيلة “بني هلال” هو أحد رجال الإسلام الذين أبلوا أحسن البلاء في الدفاع عن الرسول في غزوة تبوك – هذا ما تذكره السيرة وإن كان غير صحيح – فاستحق بذلك التمجيد، ونال نسله فخر البطولة وشرف الفروسية. وفي اللحظة التي تبدأ فيها السيرة، يكون فارس بني هلال المغوار هو “رزق بن نايل بن جرامون بن عامر بن هلال”، حامي حمي الحلف الهلالي.
وعبر ملابسات معينة يتزوج “رزق” من “خضرة الشريفة” ابنة الأمير “قرضة الشريف” حامي الحرمين وحامل مفتاح الروضة الشريفة، وينجب منها “أبو زيد الهلالي سلامة”، ليكون بذلك جامعا لطرفي المجد، فهو بذلك شريف من نسل النبي يأخذ ويرث من ناحية أمه الحكمة والعلم، ومن ناحية أبيه مجد البطولة وعنفوان الفروسية.[2]
ولكن ينكر رزق نسب ابنه أبو زيد ويتهم أمه خضرة بالزنا وطردها من مضارب القبيلة وابنها لم يتجاوز 7 أيام، فتربيه أمه على الفروسية من صغره بعد أن تلجأ لحاكم مدينة العلامات الملك فاضل الزحلاني وتظهر على أبو زيد علامات النبوغ وهو طفل صغير، ويستطيع في طفولته أن يخوض صراعا مع بنى عقيل أعداء أهله بني هلال، حتى يستعين مشرف العقيلي على أبو زيد بعدد من فرسان بني هلال ومنهم عم أبو زيد الأمير عسقل الذي ساهم في طرد خضرة الشريفة من مضارب الهلالية ويحارب أبو زيد فرسان الهلالية ويقتل عمه الظالم عسقل ويأتي لأمه بحقها بعد أن يعنف أباه الأمير رزق بن نايل ويحكم على بني هلال أن تعود أمه خضرة الشريفة على بساط من حرير تأكيدا لبراءتها.
ويعود أبو زيد إلى أهله بني هلال ليصبح فارسها المغوار وليقاتل العدو الأجنبي اليونانيين الذين هاجموا الأراضي العربية، وتتوالى مغامرات أبو زيد الهلالي ويخوض تغريبة طويلة مع بني هلال عندما يرحلون غربا بحثا عن المرعى بعد ثمان سنوات من الجفاف لتتوالى فصول سيرته ليرحل إلى تونس ومعه أبناء الأمير حسن مرعي ويحيى ويونس وتتوالى القصص الفرعية من مقتل مرعي وحب يونس لعزيزة والصدام الكبير بين أبو زيد وحاكم تونس خليفة الزناتي أو حسب الرواية الشعبية الزناتي خليفة وتقوم الحرب بين بني هلال وحلفائهم قبائل الزغابة من جهة وبين بني قابس بزعامة خليفة الزناتي وأشجع فرسانه المسمى بالعلام من جهة أخرى بعد أن رفض الزناتي أن يحصل بنو هلال على المرعى في أراضيه، لينال جزاءه مقتولا على يد دياب بن غانم كما تنبأت سعدى الزناتي.[3]
و “التغريبة” هي موجة هجرة كبيرة قامت بها قبائل من نجد مخترقة مصر عابرة إلى شمال أفريقيا، بعد ما مر بهذه الأرض من مجاعة أهلكت الجميع. واستوطنت تلك القبائل أرض تونس، بعد أن زحفت إليها تسوق رجالها ونساءها.
التغريبة ورواياتها
تحمل أي سيرة عادة اسم البطل، مثل سيرة عنترة بن شداد، سيرة الأمير سيف بن ذي يزن، أو سيرة الظاهر بيبرس، أو سيرة ذات الهمة، لكننا لا نجد هذا الأمر في السيرة الهلالية، يختلف البطل حسب المنطقة الجغرافية، ففي شرق الوطن العربي بطل السيرة هو أبو زيد الهلالي سلامة. في بلاد المغرب يصبح الزناتي خليفة. أما في الجنوب فهو ذياب بن غانم.
يختلف منظور السيرة حسب زاوية النظر، الرواية في الشرق بطلها أبو زيد الهلالي سلامة، الفارس الأسود، الذي تتهم أمه في شرفها لسواده وهي التي دعت الله أن يهبها غلاما يماثل الطائر الأسود القوي الذي رأته واختارته. في بلاد المغرب الزناتي يظهر أقوى وأروع آيات البطولة، ثم المقاومة بعد الاحتلال، وهو نموذج البطل الشعبي المناضل في السيرة. فالروايتان لا تقللان أبدا من قدر بطولة البطل الآخر، مع الاحتفاظ بكونه العدو. بل إن الرواية المغربية تعطي أبا زيد من الأوصاف والمقدرة والبطولة ما تجعله لا يهزم البشر فحسب بل الجان كذلك. كما أن الرواية الشرقية تعطي الزناتي من أبيات المدح في مآثره وشجاعته وجسارته ما يفوق الأخرى، كذلك فإن كلا البطلين لا ينكران قيمة الآخر، بل يكيلان المديح لبطولة الآخر.
الرواية الثالثة في الجنوب تنتصر لـذياب بن غانم. فذياب بن غانم هلالي، من الزغابة، وزغب هي قبيلة من قبائل بني هلال ويعود نسبها إلى زغبـة بن أبي ربيعـة بن نهيك بن هـلال بن عامـر بن صعصعـه، وذياب مع قوته وعنفوانه يحاول دائما الاستيلاء على السلطة في غيبة أبي زيد الذي يردعه، وهو نفس ما يفعله في تونس مع “الزناتي”، لكن رواية الجنوب لا تراه رمز الخسة والبطش، بل تراه البطل المناوئ، هو ليس من السادة والأكابر، وليس من بيت الحكم، لكنه الأمل الذي يمكن للصاعد من أسفل إذا ما أجتهد أن يناله فيكون بذلك قد نال ما يستحق.
الموروث الشعبي
رواة سيرة بني هلال الشعبية هم من العامة والذين لا يقرأون ولا يكتبون في غالب الأمر، وإنما تناقلونها خلفًا عن سلف. ولو قمنا بمقارنة بين ما بقي من أحداث هذه السيرة الشعبية في الذاكرة الجماعية وبين ما تتداول في الأسواق من كتب السيرة الهلالية لوجدنا إنهما يشتركان في شخوص وأبطال تلك السيرة الشعبية والخطوط العريضة لتلك السيرة، ولكنهما يختلفان في الكثير من التفاصيل الخاصة بها.
كان الراوي أو الحكواتي يحكي تفاصيل أخبارها وبطولات فرسانها وشجاعة شخصيّاتها، فتملأ نفوسهم بالعزّة والأنفة، مغتبطين بنصر هؤلاء الأبطال على أعدائهم، في كلّ حلّ وترحال، أو لقاء في ساحات القتال. الشعب العربي كان ولا يزال شديد التمسك بسيرة بني هلال كثير الإقبال على مطالعتها، يجعلها حديث لياليه، ويمجد أبطالها ويتعصب لهم ويرى فيهم آماله ومثله العليا، ولا شك أن شخصية أخيل اليوناني وأوروما الهندي أو رستم الفارسي هي بالنسبة إلى قومه كشخصية أبي زيد الهلالي بالنسبة إلى العرب.[4]
يحكي الراوي سيرة بني هلال التي شكلت جزءًا كبيرًا من الذاكرة الشعبية، بما زخرت به من أحداث، وبما حملته من صفات بطولية ومن صفات الكرم والشجاعة والمروءة والأخلاق الحميدة وتلك الأخلاق والشيم العربية التي تحلّى بها أبطال تلك الحكايات، فكان النصر دائمًا للخير وأصحابه والهزيمة والفشل دائمًا للشر وأعوانه:
“قال الراوي: بعد وفاة الزير أبي ليلى المهلهل وضعت امرأة الأوس غلامًا سمّوه عامرًا وعندما بلغ سن الرجولة تزوج بامرأة من أشراف العرب فولدت له غلامًا في نفس الليلة التي مات فيها جده الجرو فسمّاه هلالًا؛ وهو جدّ بني هلال، وكان متصفًا بالفشل والأدب. ولما كبر الأمير هلال تزوج بامرأة بديعة في الجمال فولدت غلامًا سماه المنذر. واتفق أن هلالًا زار مكة في أربعمائة فارس وطافوا حول البيت وتشرف بمقابلة النبي المختار فأمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أن ينزل في وادي العباس. وكان النبي يحارب بعض العشائر المعادية له فعاونه الأمير هلال، ومدّه بالعساكر. وكانت فاطمة الزهراء راكبة على جمل في الهودج فلما رأت هول القتال ومصارعة الأبطال؛ حوّلت راحلتها لتبتعد عن القتال، فشرد بها الجمل في البر، فدعت على الذي كان السبب بالبلاد والشتات. فقال لها أبوها: ادعي لهم بالانتصار فهم بنو هلال الأخيار، وهم لنا من جملة الأحباب والأنصار. فدعت لهم بالنصر فنفذ فيهم دعاؤها بالتشتيت والنصر. ثم رحل الأمير هلال إلى وادي العباس وعسكر في تلك النواحي. ولما سمعت به العربان تواردت إليه من جميع الجهات، فكثرت عند الأصحاب والأنصار. وكان له ولد حلو الشمائل وكان فارسًا مشهورًا وبطلًا عنيدًا اسمه المنذر. قال الراوي: بينما كان المنذر جالسًا في نافذة قصيرة، رأى ابنة قاهر الرجال تخطر أمامه وهي تميس حسنًا ودلالًا فعشقها..”.
يطلق لفظ مضروب بالسيرة على المهتم بالسيرة الهلالية سواء بالحفظ أو الجمع أو الرواية، وهي أحد السير التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل. انظر: شعراء السيرة الهلالية .إلى وقتنا الحاضر نعشق هذه القصص والروايات الجميلة ونتعلم منها الأشياء الجميلة
وتواجد في هذا الزمان الفارس الهمام الملك على أرض تونس الخضراء الزناتي خليفه
نفس الفتى لابد من زوالها الأيام والدنيا سريع زوالها تطوى عزيز ثم تطوى أرذالها قولوا وا خراب الدار عقب اعتدالها! آخر كلمات الفارس الذى ظل على جواده حتى غروب الروح، بطعنة رمح غادرة، لا بضربة سيف صحيحة، موت لا تشبهه حياة، لرجل لم يملك خصومه إلا أن يمجدوه.
رجل أوقف وهو فى سن 114 جحافل الهلاليين. فارسٌ بأمة:
جالس على الكرسى خليفة الغندور/ راجل منظره يهيب الأسوده/ بطل المغارب نعم وعنده شعور/ ياما فيه ناس حسودة وحقودة.

ـ «فاكر نفسك الزناتى خليفة».. عادة ما تتردد هذه الجملة فى أنحاء مصر جنوبا أو شمالا. فمن هو الزناتي؟. يقول الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي: «هو أفرس الفرسان، وهو عندى بطل السيرة الهلالية الحقيقي». ويقول عنه الشيخ «جابر أبو حسين»: «أتى له بطل الفرسان.. يسمى الزناتى خليفة». ويمدحه السلطان حسن: «سلامتك يا أبو قدر عالي»، ويقول عنه «أبوزيد الهلالي»: «اخلع الحربة من عين السبع يا ديب/ دا رجل ملو عين الأعادي/ خليك راجل حكمة وأديب/ نعم بالطعن ربى أرادي/ إنما البهدلة فى نجعنا عار/ دا راجل كريم وفيه الكفاية/ دا راجل قاد فى جسمنا نار/ متى نشمت فيه ولا هو من الهفايا».

«رجل وحيد فى عالم قد فسد» كما كتب عنه الدكتور شمس الحجاجي: «هو العالم الحافظ للقرآن، وحياته مرهونة بالدفاع عن بلده كما تقول شرائع السابقين، يستيقظ ليصلى الفجر، ثم يعمر الميدان أولا منتظرًا من تخرجه له القرعة، ولا يقف خلف جنوده بل ينتصب وحده كجبل أشم أو كحصن منيع، فى عالم أفسده الثراء، فالعلَّام ابن عمه يريد تسليم تونس، والوهيدى معبد يريد أن يتزوج ابنته عزيزة. هنا وقف الزناتى صارخاً فى وجه جحافل الهلالية وانتكاسات أهله: «ابن مدكور بن شمخ بن حمير/ يقرا كلام الله واحنا صغارها».

تأتى جحافل الهلالية لتجتاح تونس بأبطالها الذين عرفهم الناس وألفوهم وفخروا بأفعالهم، حتى الجازية أخت السلطان حسن يأخذونها من زوجها، ويقف الزناتى وحيدًا ليدافع عن بلاده؛ فكأنه يردد: «الروم حيث تميل، يقاوم طعنات ثلاث: العدا، وخيانة الأهل، وكبر السن: ألا جولى فى سن تمانين/بعد الكب ما فاح من عيوني/ ولاد عمى الدنيين/ أشور شورتى يخالفوني» فهل استدعى الراوى الشعبى سيرة الإمام على وهو يصرخ فى جنوده: «فَيَا عَجَباً عَجَباً وَ اَللَّهِ يُمِيتُ اَلْقَلْبَ وَ يَجْلِبُ اَلْهَمَّ مِنَ اِجْتِمَاعِ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ فَقُبْحاً لَكُمْ وَ تَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ تُغِيرُونَ وَ تُغْزَوْنَ وَ لاَ تَغْزُونَ وَ يُعْصَى اَللَّهُ وَ تَرْضَوْنَ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِى أَيَّامِ اَلْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَارَّةُ اَلْقَيْظِ أَمْهِلْنَا يُسَبَّخْ عَنَّا اَلْحَرُّ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِى اَلشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَارَّةُ اَلْقُرِّ أَمْهِلْنَا يَنْسَلِخْ عَنَّا».

لماذا أتى الهلالية إلى تونس؟ يقولون إن الزناتى انقض على جبر القريشى وأخذ منه الملك، ويلمح تاريخيون إلى أنهم تحركوا بإيعاز من الفاطميين الشيعة الذين يحكمون مصر، يقولون إن فى الرحلة الاستكشافية التى قادها أبوزيد، أسر أبناء أخته «يونس ومرعى ويحيى»، وهى رواية أهل الدلتا (فتحى سليمان والسيد حواس وعلى الوهيدي). أما رواية الصعيد فتقول إن يونس بقى لدى عزيزة، أما يحيى ومرعى فماتا أحدهما بلدغة ثعبان، والثانى متأثرًا بجراحه من عبيد تونس. قدر ومكتوب أن يقتل الزناتي، يعرفه العلام والوهيدى وسعدى، وأبو زيد والسلطان حسن والجازية ودياب بن غانم.. لكنه وحده يخرج لموته مناديا: أين المقاتلين؟ عرفه أهله فقرر بعضهم الاستسلام، وعرفه الهلالية فقرروا تقسيم الممالك والمقاتل: «تملك مداينها وتقتل فوارسها/ أما الزناتى فتتركه للديب»، والديب هو دياب بن غانم الذى تحتفظ له السيرة بصفات تنزع عنه الفروسية والرجولة رغم قوته.

حين وقف الزناتى انقلب كل شيء رأساً على عقب، فلا يصبح هو البطل المضاد أو البطل الشرير، بل يختفى بطل الهلالية أبوزيد من المواجهة ويبدأ فى تدبير مقتل الزناتي، ولا تعدم السيرة أن تصنع مواجهة بين الزناتى وأبوزيد ينتصر فيها الأخير لكنه لا يقتله، ويتوارى عن صهوة الجياد فيما يخرج الزناتى بطلا أسطوريا يحمل قدره وحلمه.

«ضدان لما استُجمِعا حسنا/ والحسن يظهر حسنه الضدُ» هكذا كانت العلاقة بين الزناتى وأبوزيد، فالزناتى يحبه كابنه ويتمنى لو كان معه ليعارك الدنيا كلها: «أنا أحب أبوزيد يا بتى وأكرهه/ كما الناقة متحبش فراق عيالها/أحب أبوزيد يكون أخويا ولا ابن عمي/ كنت أقسم الدنيا وأعارك قبالها» فيما يراه أبوزيد بطلا حرًّا:«يا عم خليفة صباح الخير/ يا قارى حروف الهجايه/ يا غندور يا بو تنازين/ يا حامى حمى الصبايا/ ياللى حاميها شمال ويمين/ صباح الخير يا زعيم الغروب/ يللى فى الحرب عمرك ما تصبح مغلوب».

من هنا يصبح عصيًّا على السيرة أن تجعل أبا زيد يقتل الزناتي، وإلا تشوهت فروسيته؛ فهذا شيخ طاعن فى السن تجاوز المائة بأربع سنوات فى رواية، واقترب منها بست سنوات فى رواية أخرى، وأربعة عشر عامًا على صهوة جواده، دون ابتسامة، أما نومه فمملوء بأحلام الدفاع عن مدينته الحلم تونس الخضراء.. لا يقتل أبوزيد الزناتى خليفة كى لا يشب صراع دائم بين الحفدة من أسيوط حتى جنوبى قنا.. لن يقتل الزناتى إلا أحد أبناء عمومته, فكلاهما زغبي.. لكن من يجتمع فيه القرب والخيانة معًا.إنه دياب بن غانم، فارس بلا قلب، يبقر بطون الحوامل، يمثل بضحاياه، يشعر دائمًا أنه أفضل من أبى زيد وأحق من السلطان حسن.. وسيكون له بعد الزناتى أن يثبت أنه ذئب هجام؛ يستولى على عرش تونس ويجبر السلطان حسن والهلالية على دخولها تحت رمحها، ومن لا يعبر تحته يُقتل، ثم سيقتل السلطان حسن وفى رواية سيقتل أبو زيد نفسه.

أربعة عشر عامًا والزناتى يخرج أولا، ينتظر من تخرجه القرعة؛ فيكون قتال يطول أو يقصر لا فرق فالزناتى ينتصر، يرى البعض لأن أمه جِنِيَّة وهبته صفات خارقة: «أبو ضلع واحد كما اللوح/ جرحه يطيب ع الندى» لكن الحقيقة أن الزناتى يواجه اختبارات صعبة يومية، ينزل الميدان كأنها المرة الأخيرة، وما إن تغرب الشمس حتى يعود ليرى أحوال بلده ونسائها وشيوخها.

يتمكن عامر الخفاجى من جرح الزناتى الذى يكابر وينزل الميدان فى اليوم التالي: «زناتى قال أين المقاتلين» ووافق على خدعة تمكنه من الانتصار على أمير العراق الخفاجى الفارس حافظ المنهاج الذى تورط فى معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، والذى دفعته الجازية ليكون مقتله دافعًا لإثارة صديقه دياب، يتراجع الزناتى بعد أن يلقى على الخفاجى «حملة رهيفة» الذى يتفاداها ويندفع خلف الزناتى ويظهر فجأة من خلفه مطاوع وعشرة من الشبان فيطعنه فى ضلعه الشمال ليسقط صريعًا، وهنا يعود الزناتى صارخًا: «العز لعرب الزناتة.. لآل حمير» حتى لحظة القضاء على أصعب الخصوم فالنصر ليس للفرد بل للجماعة.