هل تتورط الدول الأوروبية في حرب نووية مدمرة مع روسيا

بقلم الإعلامي : يوحنا عزمي
دخلت المواجهة بين الغرب وروسيا الآن في احدي اصعب مراحلها واكثرها تعقيداً وحساسية في حساباتها وافظعها في ما يمكن ان تفضي إليه عواقبها وتداعياتها من كوارث واخطار ..
فاستجابة الغرب تحت الضغط والإلحاح المتواصل لطلب اوكرانيا بالانضمام حالا ودون ابطاء إلي حلف الناتو اسوة بما فعله مع فنلندا والسويد ، سوف يعني التورط المباشر لدول الحلف في هذه الحرب التي ما تزال محدودة وتحت السيطرة ، ويرفع من احتمال انسياقها رغما عنها إلي خوض حرب نووية سوف تنتهي بدمار شامل لكل اطرافها ولهذا السبب، استبعد بشدة ان يذهب الغرب إلي هذا الخيار الانتحاري الذي يستحيل علي اي دولة في العالم كبيرة كانت او صغيرة ، ان تقدر علي تحمل تكاليفه وتبعاته الكارثية الهائلة.
واعتقد أنه لا توجد من بين الدول الأوروبية الاعضاء في الناتو
من سوف تقبل بالدخول في هذه المخاطرة الانتحارية ، مخاطرة التورط في حرب نووية معلومة النتائج مسبقا ، والتي سوف تكلفها وجودها وتمحوها من علي وجه الأرض ..
ولهذا فانها جميعا وعلي نحو ما اتوقع ، سوف تعارض ضم اوكرانيا إلي عضوية الناتو ، وهذه المعارضة الأوروبية سوف تشكل عامل ضغط قوي آخر علي الشريك الأمريكي لمنعه من الرضوخ لضغوط اوكرانيا عليه في هذا الاتجاه .. وهذ الاحتمال وارد تماما ويبقي من الأهمية بمكان في اي تحليل لطبيعة المرحلة القادمة من تطور أزمة هذه الحرب.
ونلاحظ ، وبما ينفي اي شك لدينا كمحللين ومتابعين ، ان كل ما يصدر عن البيت الأبيض الآن من تصريحات واعلانات يعكس حالة واضحة من الارتباك الشديد السائدة في اعلي دوائر اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية ، ولا يبدو انها كانت جاهزة للرد علي قرار الضم المتوقع الذي اتخذه الرئيس الروسي بوتين بسيناريو مسبق لاحباط قراره واحتواء نتائجه ..
اما الآن ، وبعد الإعلان عن قرار روسيا بضم كل هذه المناطق الأوكرانية الإستراتيجية إليها ، واشهاد العالم كله علي هذا القرار فإن الموقف في اوكرانيا بعد قرار الضم لم يعد هو نفسه كما كان قبلها ، فقد دخل الموقف الآن مرحلة متناهية الخطورة والتعقيد
كما سبق واشرنا ..
واغلب ظني هو ان الأمور لن تتطور كثيرا ابعد من ذلك ، إلا إذا انطلق بوتين إلي اجتياح اوكرانيا كلها وضمها إليه بذريعة انها
جزء من أراضي الاتحاد السوفيتي القديم وان حق روسيا لم يسقط بالتقادم فيها ، وان استعادتها هو تصحيح لجرية تاريخية ارتكبها الغرب بحق بلاده وأنه حان الوقت لرد الأمر إلي نصابه ..
وإذا ما حدث ذلك ، وان كنت لا اعرف متي ، فإنه في هذه الحالة سوف تختلف الحسابات الغربية وتاخذ منحي آخر مختلف وذلك لأن الدول الغربية سوف تكون مقتنعة وقتها انها تواجه خطرا امنيا ساحقا بلا حدود توقفه او تردعه ، خطر لن تجدي في احتوائه وتحجيمه اسلحة العقوبات الإقتصادية او الرهان علي الوقت او علي ما قد يحدث داخل روسيا من تغييرات وتحولات تنهي حقبة بوتين تماما كما حدث مع هتلر وكان سببا في نشوب الحرب العالمية الثانية.
اما عن بوتين ورهاناته ، فإنه باخضاعه هذه الأراضي الأوكرانية للسيادة الروسية ، وتعهده بالدفاع عنها بكل الوسائل الممكنة في اشارة منه إلي احتمال استخدامه للأسلحة النووية للدفاع عن الأمر الواقع الجديد ، وكذلك وعده الذي قدمه لمواطنيه الجدد بحمايتهم والذود عن هويتهم الروسية الجديدة إلي الأبد ، فهو بهذه التعهدات والتاكيدات رفع سقف المخاطرة للغرب فوق كل ما يمكن له احتماله ويدعم من هذا الرهان لدي بوتين أنه في دول ديموقراطية كدول الناتو والاتحاد الأوروبي ، دول بها برلمانات قوية ورأي عام حاضر ومجتمع مدني مؤثر ومتحرك ، فإن تورط حكومات هذه الدول في قرار الحرب النووية لن يكون ممكنا اطلاقا بالسهولة التي قد تتبادر إلي الذهن .. وسوف يقوي التوجه الآن اكثر واكثر بأن هذا النزاع يجب ان يبقي روسيا اوكرانيا ، وليس تركه يتصاعد ليدمر العالم بحرب نووية لن تكون هناك بعدها لا روسيا ولا اوكرانيا ولا دولة واحدة في اوروبا او امريكا ولا في اي مكان.
وهذا هو ما يراهن بوتين عليه ويجعله واثقا من أنه سوف يفلت في النهاية بما حققه في هذه الحرب من ضم أراضي جديدة لبلاده وبثمن مقدور عليه .. وهذا هو جوهر الموقف كله الآن.

وما اقوله هو مجرد محاولة للفهم لا اكثر ولا اقل.