همس الإشارات.. بقلم د. أمل درويش.

116

بعد عبورك لغيمة الأزمة تتفقد ظلك، وتعود لتستكشف آثار خطواتك تحتضن أطراف الدرب..

فتجد نفسك حينها بين خيارين؛ إما أن تزيل غبار الأزمة عن ذاكرتك وتكمل مسيرتك في ذات الطريق، أو تستمع لهمس

الإشارات..


نعم؛ فطوال رحلتنا في هذه الحياة ترسل لنا الأقدار سيولًا من الإشارات، تهديها لنا العناية الإلهية فتدركها البصيرة

الصافية وقد يغفلها ذوو الأبصار..


وقد فاز من انتبه للغة الإشارات، ففهم وأدرك معانيها وما ترشدنا إليه، والقيمة والهدف من الأزمات..


وأما من تجاهلها وتغافل عنها فقد حُرم نعمة البصيرة وتنقل في الحياة من أزمة لأخرى بينما بقي على عهده لنفس

الأخطاء.
وكثيرًا ما تذمر البعض حين أصيب بوعكة صحية أو أزمة مالية أو أخفق في اجتياز امتحان من امتحانات الحياة التي

لا تنتهي والتي خضع لها جميع البشر منذ أبينا آدم ومرورًا بجميع الأنبياء رغم الوحي الذي كان يتعهدهم وينقل لهم

رسالات الله عز وجل، إلا إنهم لم يمروا في الحياة بتلك السهولة التي ننشدها دائمًا لحياتنا، بل كانت اختباراتهم أصعب

من كل البشر وابتلاءاتهم أقوى مما نحتمل..


وها هو سيدنا آدم يُبتلى بمحنة طرده من الجنة بعدما فشل في أول اختبار أمام إغراءات الشيطان له فقطف التفاحة وعاد

وتاب وهبط إلى الأرض فأصيب بابتلاء أشد قسوة بأن يقتل أحد أبنائه الآخر..


ثم يتوالى الأنبياء والرسل وتتوالى المحن كمحنة يونس في بطن الحوت ومحنة يوسف مع امرأة العزيز وسجنه دون

ذنب ومحنة أيوب مع المرض وصولًا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي اجتاز العديد من المحن منذ ميلاده ويتمه

لوالديه وتنقله من جده لعمه، ثم محنته الكبرى في الدعوة لدين الحق وما لقيه خلالها من صد وأذى من أهله ومن دعاهم..
حتى موت زوجته السيدة خديجة وأبنائه الذكور..
الكثير والكثير من المحن تشتد حسب قوة احتمالك..
نعم، كن على يقين دائمًا أن الله لن يكلف نفسك إلا وسعها، ولن تكون محنتك أبدًا أقصى من احتمالك..
قد تبدو في البداية عظيمة تفوق خيالك، ولكنها تأتيك لتكتشف قدرات لم تكن لتكتشفها في السلام والرخاء والعافية..
كالذهب حين يتعرض للحرارة الشديدة فيتخلص من الشوائب وتنجلي نفائسه، أو الكربون بعد تعرضه للضغط الهائل فيبدو في صورته الحقيقية النفيسة وهي الماس..
لا تلعن المحن، بل اشكرها..
اشكرها حين كشفت لك قدراتك الخافية عنك التي لم تعرفها من قبل، اشكرها حين أظهرت لك معادن الناس فعرفت عدوك من صديقك، اشكرها حين صبرت عليها وتجاوزتها فجُزيت من الله الجنة والخيرات التي لا توصف..
وتذكر دائمًا أن الحكمة من هذه الأزمات تفوق ألمها حين وقوعها..
وتنبه دائمًا حينها للغة الإشارات لتعود بعدها أقوى مما كان..