وبالصلاة تتحقق الأماني وتبلغ أرقي الأعالي

68

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
الصلاة هي باب لكل خير تحب أن تصل إليه .
هي عماد الدين، وفريضة رب العالمين، ومعراج المؤمنين، من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة يوم القيامة، والصلاة علامة على الصلة بين العبد والرب جلَّ وعلا، ويمكن أن نستعرض معك أخي القارئ بعض النقاط الهامة حول هذه الفريضة الهامة، والركن الثاني من أركان الإسلام.
الصلاة هي عنوان المسلم الطائع، وطريق الوصل للمؤمن الخاشع، لا يحافظ عليها إلا مؤمن، ولا يتهاون بها إلا متكاسل أو منافق فاسق، واختلاف العلماء في حكم تاركها، وأجمعوا على أنّ من تركها جحود فقد كفر، وأن من تهاون بها كسلاً وإهمالاً فقد فسق، وأن التارك للصلاة ليس له ضمانٌ في حسن الخاتمة، قد عرّض نفسه للخسارة، إلا إن عاجلها بالتوبة والندامة، ولعظيم أهمية الصلاة لم تسقط عن المريض وإنه رخّص له بالصلاة حسب حاله، بل إن الصلاة لم يُعْفَ منها المجاهد في الحرب وهو أمام العدو، وحين قال الله:
(إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَكَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا)
يقول الله تعالى:
{ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } (سورة البقرة، الآية: 45)
جاء في تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله:
يقول تعالى آمرا عبيده ، فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة ، بالاستعانة بالصبر والصلاة ، كما قال مقاتل بن حيان في تفسير هذه الآية : استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض ، والصلاة .
فأما الصبر فقيل : إنه الصيام ، نص عليه مجاهد .
[ قال القرطبي وغيره : ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث ] .
وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن جري بن كليب ، عن رجل من بني سليم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصوم نصف الصبر .
وقيل : المراد بالصبر الكف عن المعاصي ؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها : فعل الصلاة .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن حمزة بن إسماعيل ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : الصبر صبران : صبر عند المصيبة حسن ، وأحسن منه الصبر عن محارم الله .
[ قال ] وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر .
وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة عن مالك بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قال : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب فيه ، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه ، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد ، لا يرى منه إلا الصبر .
، وقال أبو العالية في قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) على مرضاة الله ، واعلموا أنها من طاعة الله .
وأما قوله : ( والصلاة ) فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر ، كما قال تعالى : ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) الآية [سورة العنكبوت ، الآية: 45 ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، قال : قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة ، يعني ابن اليمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى .
ورواه أبو داود [ عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار ] .
وقد رواه ابن جرير ، من حديث ابن جريج ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .
[ ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة ؛ ويقال : أخي حذيفة مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة : حدثنا سهل بن عثمان أبو مسعود العسكري ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : قال عكرمة بن عمار : قال محمد بن عبد الله الدؤلي : قال عبد العزيز : قال حذيفة : رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حزبه أمر صلى . وحدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا يقول : لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح ] .
قال ابن جرير : وروي عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه مر بأبي هريرة ، وهو منبطح على بطنه ، فقال له : اشكنب درد [ قال : نعم ] قال : قم فصل فإن الصلاة شفاء [ ومعناه : أيوجعك بطنك ؟ قال : نعم ] . قال ابن جرير : وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدثنا ابن علية ، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر ، فاسترجع ، ثم تنحى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) .
وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جرير : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) قال : إنهما معونتان على رحمة الله .
والضمير في قوله : ( وإنها ) عائد إلى الصلاة ، نص عليه مجاهد ، واختاره ابن جرير .
ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام ، وهو الوصية بذلك ، كقوله تعالى في قصة قارون :
( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) [سورة القصص ، الآية : 80 ]
وقال تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم )
[سورة فصلت ، الآيتان: 34 ، 35 ]
أي : وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا ( وما يلقاها ) أي : يؤتاها ويلهمها ( إلا ذو حظ عظيم )
وعلى كل تقدير ، فقوله تعالى : ( وإنها لكبيرة )
أي : مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين . قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني المصدقين بما أنزل الله . وقال مجاهد : المؤمنين حقا . وقال أبو العالية : إلا على الخاشعين الخائفين ، وقال مقاتل بن حيان : إلا على الخاشعين يعني به المتواضعين .
وقال الضحاك : ( وإنها لكبيرة ) قال : إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته ، الخائفين سطواته ، المصدقين بوعده ووعيده .
وهذا يشبه ما جاء في الحديث :
لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه .
وقال ابن جرير : معنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب ، بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر ، المقربة من رضا الله ، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته .
هكذا قال ، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل ، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص ، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم . والله أعلم .
وجاء في تفسير الإمام الطبري رحمه الله:
القول في تأويل قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (واستعينوا بالصبر) : استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم -من طاعتي واتباع أمري, وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري, واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم – بالصبر عليه والصلاة.
وقد قيل: إن معنى ” الصبر ” في هذا الموضع: الصوم, و ” الصوم ” بعض معاني” الصبر ” . وتأويل من تأول ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله, وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابَّها، وكفها عن هواها; ولذلك قيل للصابر على المصيبة: صابر, لكفه نفسه عن الجزع; وقيل لشهر رمضان ” شهر الصبر “, لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارا, وصبره إياهم عن ذلك:
حبسه لهم, وكفه إياهم عنه, كما تصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله. ولذلك قيل: قتل فلان فلانا صبرا, يعني به: حبسه عليه حتى قتله, فالمقتول ” مصبور “, والقاتل ” صابر “.
وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فيما مضى.
فإن قال لنا قائل: قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة, فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله, وترك معاصيه, والتعري عن الرياسة, وترك الدنيا؟ قيل: إن الصلاة فيها تلاوة كتاب الله, الداعية آياته إلى رفض الدنيا وهجر ; نعيمها, المسلية النفوس عن زينتها وغرورها, المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها. ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة الله على الجد فيها, كما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
حدثني بذلك إسماعيل بن موسى الفزاري, قال: حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني, عن ابن جرير, عن عكرمة بن عمار, عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة, عن عبد العزيز بن اليمان, عن حذيفة قال: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة “.
وحدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: حدثنا خلف بن الوليد الأزدي, قال: حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار, عن محمد بن عبد الله الدؤلي, قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة, قال حذيفة: ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ” .
وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا هريرة منبطحا على بطنه فقال له: ” اشكَنْب دَرْد “؟ قال: نعم, قال: قم فصل؛ فإن في الصلاة شفاء .
فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال له: فَاصْبِرْ يا محمد عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى [سورة طه ، الآية: 130]
فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصبر والصلاة. وقد:-
حدثنا محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن علية, قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر, فاسترجع. ثم تنحى عن الطريق, فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس, ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) .
وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما:-
حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال يقول: استعينوا بالصبر والصلاة على مرضاة الله, واعلموا أنهما من طاعة الله.
وقال ابن جريج بما:-
حدثنا به القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, قال: قال ابن جريج في قوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال: إنهما معونتان على رحمة الله.
وحدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة) الآية, قال: قال المشركون: والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير! قال: إلى الصلاة والإيمان بالله جل ثناؤه.
القول في تأويل قوله تعالى وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإنها)، وإن الصلاة, ف ” الهاء والألف ” في” وإنها ” عائدتان على ” الصلاة “. وقد قال بعضهم: إن قوله: (وإنها) بمعنى: إن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم, ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر فتجعل ” الهاء والألف ” كناية عنه, وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته.
ويعني بقوله: (لكبيرة) : لشديدة ثقيلة. كما:-
856- حدثني يحيى بن أبي طالب, قال: أخبرنا ابن يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, في قوله: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) قال: إنها لثقيلة.
ويعني بقوله: (إلا على الخاشعين) : إلا على الخاضعين لطاعته, الخائفين سطواته, المصدقين بوعده ووعيده. كما:-
حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (إلا على الخاشعين) يعني المصدقين بما أنـزل الله.
وحدثني المثنى, قال: حدثنا آدم العسقلاني, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (إلا على الخاشعين) قال: يعني الخائفين.
وحدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفيان, عن جابر, عن مجاهد: (إلا على الخاشعين) قال: المؤمنين حقا.
وحدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
وحدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الخشوع: الخوف والخشية لله. وقرأ قول الله: خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ [سورة الشورى ، الآية: 45]
قال: قد أذلهم الخوف الذي نـزل بهم, وخشعوا له.
وأصل ” الخشوع “: التواضع والتذلل والاستكانة, ومنه قول الشاعر:
لمـا أتـى خـبر الزبـير تـواضعت
ســور المدينــة والجبـال الخشـع
يعني: والجبال خشع متذللة لعظم المصيبة بفقده.
فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله, وكفها عن معاصي الله, وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر, المقربة من مراضي الله, العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته.
وجاء في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله:
قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين
فيه ثمان مسائل :
الأولى : قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة الصبر الحبس في اللغة وقتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف وصبرت نفسي على الشيء حبستها والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت وهي المجثمة وقال عنترة
فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع
الثانية : أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال واصبروا يقال فلان صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة هذا أصح ما قيل قال النحاس ولا يقال لمن صبر على المصيبة صابر إنما يقال صابر على كذا فإذا قلت صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا قال الله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .
الثالثة : قوله تعالى : والصلاة خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها ، وكان عليه السلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سفر فاسترجع وقال ( عورة سترها الله ، ومؤنة كفاها الله ، وأجر ساقه الله . ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ : واستعينوا بالصبر والصلاة ) فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية وقال قوم : هي الدعاء على عرفها في اللغة فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ؛ لأن الثبات هو الصبر والذكر هو الدعاء . وقول ثالث قال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم ، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهد في الدنيا ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة ، والله أعلم .
الرابعة : الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها ، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك وقال الشعبي قال علي رضي الله عنه الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد قال الطبري وصدق علي رضي الله عنه وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به .
الخامسة : وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدا فقال من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة الآية وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وقال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور وقد قيل إن المراد بالصابرين في قوله إنما يوفى الصابرون أي الصائمون لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم الصيام لي وأنا أجزي به فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر والله أعلم .
السادسة : من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله تعالى إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ليعافيهم ويرزقهم أخرجه البخاري قال علماؤنا وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قاله ابن فورك وغيره وجاء في أسمائه ” الصبور ” للمبالغة في الحلم عمن عصاه
السابعة : قوله تعالى : وإنها لكبيرة اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله : وإنها ، فقيل : على الصلاة وحدها خاصة ؛ لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم ، والصبر هنا الصوم فالصلاة فيها سجن النفوس ، والصوم إنما فيه منع الشهوة فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق فيتسلى بتلك الأشياء عما منع والمصلي يمتنع من جميع ذلك فجوارحه كلها مقيدة بالصلاة عن جميع الشهوات ، وإذا كان ذلك ، كانت الصلاة أصعب على النفس ، ومكابدتها أشد ؛ فلذلك قال وإنها لكبيرة وقيل عليهما ولكنه كنى عن الأغلب ، وهو الصلاة كقوله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وقوله وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها فرد الكناية إلى الفضة ؛ لأنها الأغلب والأعم ، وإلى التجارة ؛ لأنها الأفضل والأهم ، وقيل : إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه ولم يقل يرضوهما ؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز ، ومنه قول الشاعر [ حسان بن ثابت ]
إن شرح الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا
ولم يقل يعاصيا رد إلى الشباب ؛ لأن الشعر داخل فيه ، وقيل : رد الكناية إلى كل واحد منهما لكن حذف اختصارا ; قال الله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية ولم يقل آيتين.
، ومنه قول الشاعر [ ضابئ البرجمي ]
فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب
وقال آخر [ الأضبط بن قريع السعدي ] :
لكل هم من الهموم سعه والصبح والمسي لا فلاح معه
أراد : لغريبان ، لا فلاح معهما وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة ، وقيل على المصدر ، وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله واستعينوا وقيل : على إجابة محمد عليه السلام ; لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ، وقيل على الكعبة ؛ لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها وكبيرة معناه ثقيلة شاقة ، خبر ” إن ” ويجوز في غير القرآن : وإنه لكبيرة . إلا على الخاشعين فإنها خفيفة عليهم قال أرباب المعاني إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى .
الثامنة : قوله تعالى : على الخاشعين الخاشعون جمع خاشع ، وهو المتواضع ، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع وقال قتادة الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل قال النابغة :
رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع
ومكان خاشع : لا يهتدى له . وخشعت الأصوات أي سكنت وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا وخشع ببصره إذا غضه والخشعة قطعة من الأرض رخوة ، وفي الحديث كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد وبلدة خاشعة مغبرة لا منزل بها قال سفيان الثوري سألت الأعمش عن الخشوع فقال يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال أعيمش تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال يا هذا ارفع رأسك ( فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب . )
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( الخشوع في القلب ، وأن تلين كفيك للمرء المسلم ، وألا تلتفت في صلاتك . ) وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق قال سهل بن عبد الله لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .
قلت : هذا هو الخشوع المحمود ؛ لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان ، روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الخاشعون هم المؤمنون حقا .

اللهم تقبل منا ومنكم صالح الأعمال.