وجوب التأسي برسول الله  ضمان سعادة الأمة الجزء الرابع

 

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فرسولنا المصطفي ﷺ بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها ضمان سعادة الأمة، وأي أمة تأخذ بأقواله وأفعاله ونهج حياته لا شك أنها علي الخير خطواتها مرسومة وأعمالها بين يدي الله مقبولة غير مردودة .
يقول الله تعالى:
{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }
(سورة الأحزاب ، الآية: 21)
فإنك لن تجد رحيماً بعد الله تعالي يحبك ويخاف عليك كسيدنا رسول الله ﷺ .
فبفضل الله ورحمته عليه صلى الله عليه وسلم كان رحيما رفيقا كما قال الله تعالى مخاطبا إياه: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} فلم يحصل لأحدمن البشر ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الاتصاف بالرحمة والرفق لا يقاربه في ذلك أحد ولا يدانيه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعربيا بال في طائفة المسجد فثار إليه الناس ليقعوا فيه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دعوه واهر يقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين
(أخرجه البخاري وغيره).
، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا قال فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قط أشد غضبا في موعظة منه يومئذ. قال: فقال: “يا أيها الناس إن فيكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الكبير والمريض وذا الحاجة.”
وهنا القدوة والمعلم رسول الله ﷺ لن تجد له نظيرا بين البشر ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ماشاء”.
، وعن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه سلم قال: “إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه”.
، وهذا أنس رضي الله عنه يقول:
“ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه”. وعن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها”، وقال صلى الله عليه وسلم:”لولا أن أشق الى أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة”.
وهذه الأحاديث كلها في أعلي درجات الصحيح في صحيح البخاري.
، ولما قام صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليلا يصلي بهم في رمضان خشي أن يفرض عليهم فترك الصلاة بهم، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها “أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد فصلى بصلاته الناس ثم صلى الثانية فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله فلما أصبح قال: “رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفترض عليكم وذلك في رمضان”.
، وفي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:
“إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم”، ولما واصل صلى الله عليه وسلم في صيامه وعلم الصحابة رضوان الله عليهم ذلك واصلو معه فنهاهم عن الوصال إشفاقا عليهم قالوا فإنك تواصل, قال: “اني لست كهيئتكم” .
ولن تجد في حرصه علي خير أمته وفلاحها وعدم إجهادها أو إنهاكها :
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله قال: “وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني” فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: “لو تأخر لزدتكم” كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا”.
فإنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الوصال رحمة بهم وشفقة عليهم فلما راجعوه في ذلك رغبة منهم في موافقته واصل بهم وكان ذلك آخر الشهر يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال وقال:
“لو تأخر لزدتكم”, كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا وهذا منه صلى الله عليه وسلم إرشاد عملي وتأديب نبوي للصحابة الكرام رضي الله عنهم ليوقفهم على ضعفهم وأن الوصال يشق عليهم فيبتعدوا عنه من تلقاء أنفسهم وهذا التأديب النبوي يشبهه ما لو رأى والد ولده يحاول العبث بالنار فيعمل على تجنيبه ضررها بأن يأخذ بيده ويضع أصبعه برفق على طرف جمرة منها ليدرك مدى ضررها فيكون حذرا منها ويبتعد عن الوقوع فيها لأن والده قد أوقفه على مدى ضررها.
،وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم
السلمي رضي الله عنه لما شمت وهو في الصلاة رجلا عطس ووجد من الصحابة إنكار عليه قال:
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: “إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن”
أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
وكان بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد من أصحابه ما يحتاج إلى تنبيهه عليه قال في خطبة: “ما بال قوم يفعلون كذا ما بال رجال من أمتي يقولون كذا”, وما أشبه ذلك, وذلك ليعدل عنه من صدر منه وليحذر الوقوع فيه من لم يباشره.
رسولنا المصطفي ﷺ هو الضمان الأكبر والأهم والأعظم لحماية الإنسان من خطر نفسه وشيطانه وشهواته فقد أبان الله به المنهج وعبد به الطريق وحقق به صراطه المستقيم.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.

(يتبع إن شاء الله)