وجوب التأسي برسول الله ﷺ  ضمان سعادة الأمة الجزء الثاني

بقلم د/ محمد بركات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: 

فرسولنا المصطفي ﷺ بأبي وأمي ونفسي وروحي وحياتي كلها ضمان سعادة الأمة، وأي أمة تأخذ بأقواله وأفعاله ونهج حياته لا شك أنها علي الخير خطواتها مرسومة وأعمالها بين يدي الله مقبولة غير مردودة .

يقول الله تعالى: 

{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }

 (سورة الأحزاب ، الآية: 21)

ولقد ورد في السنة المطهرة في الحث على تبليغ العلم في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

 (البخاري. كتاب أحاديث الأنبياء. باب ما ذكر عن بني إسرائيل 4 / 207.) 

، وأخرج الترمذي بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع».

 (سنن الترمذي. كتاب الحلم، باب في الحث على تبليغ السماع 4 / 142، وأخرجه أحمد في مسنده 1 / 437، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلغ علما 1 / 85 ، والحديث متواترا رواه أربعة وعشرون صحابيا. انظر: دراسة حديث ” نضر الله امرأ سمع مقالتي) رواية ودراية. تأليف عبد المحسن العباد، ط1، المدينة المنورة، 1401 هـ.) 

، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم (هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. تابعي فقيه، استحمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها، ولهذا كتب إليه. انظر فتح الباري، 1 / 194.)

 ” انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا .

(أورده البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، 1 / 35) 

والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة وكلها تؤكد وجوب تبليغ السنة ونشرها في كل عصر ومصر. ويتحتم هذا الأمر في حالة الجهل بالسنة

أو الإعراض عنها وهجرانها كما هو الحال في هذا الزمان الذي عم فيه الهجران للسنة وتعاليم الدين كافة بلاد المسلمين إلا قليلا ممن هداهم الله ووفقهم للتمسك بالسنة والصبر عليها.

والسبب في ذلك قلة الاهتمام بالعلم الشرعي، وتقصير أهل العلم في القيام بواجبهم في تبليغ هذا الدين على الوجه المطلوب، هذا مع غلبة التعصب المذهبي والتقليد الأعمى على أكثر الناس، مما جعل بين المسلمين وبين هدى نبيهم جفاء وبعدا- إلا من رحم الله. فيجب على كل مسلم يحب الله ورسوله أن يقوم بواجبه في تبليغ هذا الدين حسب علمه واستطاعته، صابرا في سبيل ذلك على ما يلاقي في جنب الله من أذى. متأسيا في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين وقفوا حياتهم لتبليغ هذا الدين، باذلين في سبيل ذلك النفس والنفيس. فرضي الله عنهم وعمن سار على نهجهم إلى يوم الدين. وهذا هو مظهر الاتباع والحب الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام البيهقي رحمه الله:

” وإذا لزم اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سن، وكان لزوم فرضا باقيا، ولا سبيل إلى اتباع سنته إلا بعد معرفتها، ولا سبيل لنا إلى معرفتها إلا بقبول خبر الصادق عنه لزم قبوله صلى الله عليه وسلم متابعته، ولذلك أمر بتعليمها والدعاء إليها، وبالله التوفيق “.

 (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للإمام أبي بكر البيهقي، تصحيح كمال يوسف الحوت، ط 1، عالم الكتب، بيروت، 1403 هـ، ص 154

، عبد الرءوف محمد عثمان، محبة الرسول بين الاتباع والابتداع) .

ثانيا: تحكيم السنة والتحاكم إليها: إن مما يؤكد صدق الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحكيم سنته والتحاكم إليها وجعلها الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال والأحكام فما وافقها قبل وما خالفها رد وإن قاله من قاله. وقد وردت آيات كثيرة تؤكد هذا الأمر منها قوله تعالى:

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}

 [سورة النساء ، الآية: 59] .

، فأمر الله المؤمنين برد قضاياهم وما تنازعوا فيه إلي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن ذلك خير لهم في الدنيا وأحسن عاقبة في الأخرى، وفي الأمر بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله دلالة صريحة على أنهما كافيان لفصل النزاع وتقديم الحل لكل مشكلة تقع بين المسلمين. وإن إيمان المؤمن ليحمله على الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله آنا بعد آن لمعرفة حكم الشرع في كل ما يجد له من أمور الحياة.

وفائدة هذا الأمر عظيمة جدا، إذ يظل المسلم على جادة الاتباع لا يحيد عن الصراط المستقيم طالما أحسن الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد أمر الله بتحكيم نبيه- في حياته وسنته بعد مماته- في كالله أنواع النزاع للفصل فيها فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} 

[سورة النساء، الآية: 65] .

فأقسم سبحانه بذاته على أنه لا يثبت للمؤمنين الإيمان حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع في كافة الأمور وأن هذا التحكيم غير كاف حتى يجتمع إليه الرضى بحكمه والتسليم لأمره مع انشراح صدورهم وطيب نفوسهم بقضائه وحكمه.

، وأصل ذلك أن المسلم متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كافة أحواله فإذا عرض له أمر أو تنازع مع أخيه المسلم في أي شأن من شئون الدين أو الدنيا فزع عند ذلك إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يجد فيها جوابا شافيا كما كان حال الصحابة معه صلى الله عليه وسلم في حياته، يفزعون إليه يسألونه في كافة أمورهم، ويحتكمون إليه في كل شئونهم، فإذا حكم بشيء قبلوا حكمه وسلموا به عن طيب نفس ورضى.

، وبعد موته عليه الصلاة والسلام كان الصحابة إذا اختلفوا في أمر أو خفي عليهم حكمه تحاكموا إلى من يعلم بالسنة فيما اختلفوا فيه، فإذا ثبتت عندهم السنة لم يتجاوزوها إلى غيرها.

فها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: «أذكر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئا؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جاريتين لي، يعني ضرتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح (المسطح: هو عود من أعواد الخباء أو الفسطاط ” الخيمة “. انظر: النهاية في غريب الحديث. لابن الأثير، تحقيق محمود الطناحي مطبعة عيسى الحلبى، مصر، 4 / 330.) فألقت جنينا ميتا، فقضى فيه رسول الله بغرة (الغرة: العبد أو الأمة، والغرة هي ما بلغ ثمنه نصف عشر الدية من العبيد أو الإماء، قال ابن الأثير: (وإنما تجب الغرة في الجنين إذا سقط ميتا، فإن سقط حيا ثم مات ففيه الدية كاملة. انظر- النهاية في غريب الحديث، 3 / 353`) فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره»

 (أخرجه الشافعي في الرسالة 427. وأصل الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الديات. باب جنين المرأة وأد العقل على الولد، 14 / 9- 15. وانظر فتح الباري، 12 / 164- 252) .

، وأخرج الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا. حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي (أشيم الضبابي صحابي قتل خطأ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، 1 / 67) من ديته. فرجع إليه عمر».

 (رواه الشافعي في الرسالة 426، وأحمد في المسند، 3 / 452، والترمذي في أبواب الفرائض، باب ما جاء في توريث المرأة من دية زوجها وقال حديث حسن صحح، 3 / 288، والحديث صححه الهيثمي من رواية الطبراني. انظر مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، ط3، 4 / 230 – 231، دار الكتاب العربي بيروت) .

رسولنا المصطفي ﷺ هو الضمان الأكبر والأهم والأعظم لحماية الإنسان من خطر نفسه وشيطانه وشهواته فقد أبان الله به المنهج وعبد به الطريق وحقق به صراطه المستقيم.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً وكن بنا وبالمؤمنين رؤوفا رحيما.

(يتبع إن شاء الله)