وقفة إيمانية قرآنية…. بقلم د/ محمد بركات

15

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

هل الإنسان مسؤول عن أفعاله؟

وإلي أي مدي هذه المسؤولية؟

(بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (سورة القيامة،الآية: 14)
جاء في تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله:

وهكذا قال هاهنا : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) أي : هو شهيد على نفسه ، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر ، كما قال تعالى : ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) [سورة الإسراء، الآية : 14 ] .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) يقول : سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه .

وقال قتادة : شاهد على نفسه . وفي رواية قال : إذا شئت – والله – رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه ، وكان يقال : إن في الإنجيل مكتوبا : يا ابن آدم ، تبصر القذاة في عين أخيك ، وتترك الجذل في عينك لا تبصره .

وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (سورة القيامة، الآية: 15)

وقال مجاهد : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو جادل عنها فهو بصير عليها . وقال قتادة : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه . وقال السدي : ( ولو ألقى معاذيره ) حجته . وكذا قال ابن زيد والحسن البصري ، وغيرهم . واختاره ابن جرير .

وقال قتادة ، عن زرارة ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) يقول : لو ألقى ثيابه .

وقال الضحاك : ولو أرخى ستوره ، وأهل اليمن يسمون الستر : المعذار .

والصحيح قول مجاهد وأصحابه ، كقوله : ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) [سورة الأنعام، الآية : 23 ] وكقوله ( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون ) [سورة المجادلة، الآية : 18 ] .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) هي الاعتذار
، ألم تسمع أنه قال : ( لا ينفع الظالمين معذرتهم ) [سورة غافر، الآية : 52 ] وقال ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) [سورة النحل، الآية : 87 ] ( فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء ) [سورة النحل، الآية : 28 ] وقولهم ( والله ربنا ما كنا مشركين )

وجاء في تفسير الإمام الطبري رحمه الله:

وقوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) يقول تعالى ذكره : بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه بعمله ، ويشهدون عليه به .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) يقول : سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجوارحه ، [ سورة ص، الآية: 63 ] والبصيرة على هذا التأويل ما ذكره ابن عباس من جوارح ابن آدم وهي مرفوعة بقوله : ( على نفسه ) ، والإنسان مرفوع بالعائد من ذكره في قوله : نفسه .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : بل الإنسان شاهد على نفسه وحده ، ومن قال هذا القول جعل البصيرة خبرا للإنسان ، ورفع الإنسان بها .
ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) يقول : الإنسان شاهد على نفسه وحده .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) قال : شاهد عليها بعملها .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) إذا شئت والله رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم ، غافلا عن ذنوبه; قال : وكان يقال : إن في الإنجيل مكتوبا : يا ابن آدم تبصر القذاة في عين أخيك ، ولا تبصر الجذع المعترض في عينك .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) قال : هو شاهد على نفسه ، وقرأ : ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) ومن قال هذه المقالة يقول : أدخلت الهاء في قوله ( بصيرة ) وهي خبر للإنسان ، كما يقال للرجل : أنت حجة على نفسك ، وهذا قول بعض نحويي البصرة . وكان بعضهم يقول : أدخلت هذه الهاء في بصيرة وهي صفة للذكر ، كما أدخلت في راوية وعلامة .

وقوله : ( ولو ألقى معاذيره ) اختلف أهل الرواية في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : بل الإنسان على نفسه شهود من نفسه ، ولو اعتذر بالقول مما قد أتى من المآثم ، وركب من المعاصي ، وجادل بالباطل .
ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( ولو ألقى معاذيره ) يعني الاعتذار ، ألم تسمع أنه قال : [سورة ص، الآية: 64 ] ( لا ينفع الظالمين معذرتهم ) وقال الله : ( وألقوا إلى الله يومئذ السلم ) ، ( كنا نعمل من سوء ) . وقولهم : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) قال : شاهد على نفسه ولو اعتذر .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) ولو جادل عنها ، فهو بصيرة عليها .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، عن عمران بن حدير ، قال : سألت عكرمة ، عن قوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) قال : فسكت ، فقلت له : إن الحسن يقول : ابن آدم عملك أولى بك ، قال : صدق .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( ولو ألقى معاذيره ) قال : معاذيرهم التي يعتذرون بها يوم القيامة فلا ينتفعون بها ، قال : ( يوم لا يؤذن لهم فيعتذرون ) ويوم يؤذن لهم فيعتذرون فلا تنفعهم ويعتذرون بالكذب .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : بل للإنسان على نفسه من نفسه بصيرة ولو تجرد .
ذكر من قال ذلك :

حدثني نصر بن علي الجهضمي ، قال : ثني أبي ، عن خالد بن قيس ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن ابن عباس ، في قوله : ( ولو ألقى معاذيره ) قال : لو تجرد .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب .
ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا رواد ، عن أبي حمزة ، عن السدي في قوله : ( ولو ألقى معاذيره ) ولو أرخى الستور ، وأغلق الأبواب .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ( ولو ألقى معاذيره ) لم تقبل . [سورة ص، الاية: 65 ]
ذكر من قال ذلك :

حدثنا نصر بن علي ، قال : ثني أبي ، عن خالد بن قيس ، عن قتادة ، عن الحسن : ( ولو ألقى معاذيره ) لم تقبل معاذيره .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( ولو ألقى معاذيره ) قال : ولو اعتذر .

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : معناه : ولو اعتذر لأن ذلك أشبه المعاني بظاهر التنزيل ، وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن الإنسان أن عليه شاهدا من نفسه بقوله : ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) فكان الذي هو أولى أن يتبع ذلك ، ولو جادل عنها بالباطل ، واعتذر بغير الحق ، فشهادة نفسه عليه به أحق وأولى من اعتذاره بالباطل .

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا وغمومنا وحجة لنا لا علينا يا رب العالمين.